هل نحب مصر؟ هل نحن فاسدون؟

فاطمة ناعوت
2016 / 9 / 7

===================


وأنا أتجوّل في شوارع مدينة أبو ظبي أو دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، أو في أية دولة أوروبية، أو في أمريكا وكندا وغيرها من الدول النظيفة المنظمة، يضرب رأسي سؤالٌ: لماذا هم منظمون، شوارعهم نظيفة، على عكس فوضى شوارعنا بالقاهرة؟ لماذا حين تذهب إلى أية مصلحة أو بنك أو منشأة لتُنجز ورقة مطلوبة أو تُجري معاملة ما، يُتمّمها لك الموظفُ فورًا وهو يبتسم، على عكس ما يفعل موظفونا في مصر، فيستمتعون بتعطيلك وتحقيرك وإزهاق يومك، وربما أيامك وشهورك، في معاملة قد لا تستغرق بضعة دقائق؟ لماذا تسير المرأة هنا في شوارع الإمارات، وفي أية دولة غربية، آمنةً على نفسها من السخف والسخفاء، بصرف النظر عمّا ترتدي من ملابس، سافرةً كانت أو مكشوفة، أو عارية، بينما في مصر يتم التحرّش بها إن كانت محجبة، ويتم التنكيل بها واغتيالها أدبيًّا ومعنويًّا إن كانت سافرة؟! لماذا في الإمارات والدول المتقدمة أصبح كسر إشارة المرور من الفولكلور البائد ومن ذكريات ماض منسيٍّ، بينما في مصر أصبح احترام إشارة المرور ضربًا من العجب، قد ترمي صانعَه بالجنون وتسخر منه إن وقف مع الإشارة الحمراء، أو توقف قائدُ سيارة ليسمح لسيدة أو مسنّ أو طفل بعبور الشارع؟ لماذا لا نرى الناس مختلطين في نهر الطريق مع السيارات في الدول المتحضرة، فالرصيف للمترجّل، ونهر الطريق للسيارة، وغير مسموح بعبور الراجل من رصيف إلى رصيف إلا في وقت محدد له بالثانية ومن فوق خطوط مرسومة على الأرض خاصة بعبور المشاة، بينما في مصر تجد المارة في نهر الطريق يتجولون بأمان بين السيارات الحائرة التي تتفادى الاصطدام بالبشر كأنها حواةٌ في سيرك؟ لماذا ينعمون في الدول المتحضرة بالنظام واحترام الإنسان، ونسبح نحن المصريون في بحار الفوضى والتنكيل بالبشر؟
السؤال الأكثر إيلامًا وتعذيبًا: لماذا المواطن المصري هو هو الذي يمارس بكل استخفاف في مصر آياتٍ بيّناتٍ من الفوضى وتعطيل الناس واحتقار الآخر، هو نفسه الذي يلتزم بالنظام والنظافة واحترام الآخر في دول الخليج ودول الغرب؟
هل تبدّلت طينتُه وتغيّرت تركيبتُه بين ليلة وضحاها؟ أكاد أسمع القارئ يُجيب من فوره: "كلا. إنه تطبيق القانون. لأن من أمِن العقاب أساء الأدب”. وسأتفق معه، وأختلف. فالقصة في ظني أبعد قليلا من فكرة الخوف من عقاب القانون في مصر التي تحكمها ثقافة "معلش"، فلا تُطبّق القوانين بحسم على المخالفين، حتى اعتبر الناسُ أن الفوضى والتجاوز وتعطيل المصالح ومضايقة الآخر جزءٌ من حق الإنسان في الحياة. أظن أن للأمر علاقة بـ "الحبّ".
أودُّ ان أختبر تلك الفكرة معك، يا قارئي العزيز. هل يحبُّ المصريون مصرَ في وعيهم، ويكرهونها، دون قصد منهم، في لاوعيهم؟! هل من فرط ما يقعُ فيه المصريُّ من عناء طيلة نهاره ومسائه في المواصلات وفي تحصيل لقمة العيش وفي التجول في الطرقات المكدّسة بالمخلفات والحواري المزدحمة الخانقة والمرمطة على أبواب المستشفيات ومع المدارس والدروس الخصوصية والذل والمهانة في طوابير الخبز وأنابيب البوتاجاز وشركات الكهرباء والمياه والموت البطئ مع عوادم السيارات وجبال القمامة، هل كل ما سبق، وهو قليل من كثير، يكوّن داخل المواطن المصري شعورًا لا إراديًّا بالبغض لبلده وعدم الانتماء لها ومن ثم يسعى إلى تلويثها لا شعوريًّا وتعطيل مصالح الوطن والمواطن، لا شعوريًّا، وإهدار طاقاتها وإفساد منطومتها وخرق قوانينها، لا شعوريًّا؟! لا أشكك في حبنا كمصريين لمصر. فهو مشهودٌ في المحكّات والأزمات وكيف إن مرّت مصرُ بوعكة، هبّ المصريون للذود عنها. لكنني أتكلم عن رد فعل داخلي لا شعوري ينطلق من اللا شعور (Subconscious )، بينما بوعينا الكامل (Conscious) نذوب فيها عشقًا وهوى. ربما الأدق أن أسميه: غياب الشعور بالانتماء. المواطن الخليجي، والأوروبي، والغربي عمومًا، وكذلك مواطن الشرق الأقصى الصناعيّ، يشعر بأنه "جزء" من منظومة الدولة، ينتمي إليها، تحميه إن شعر بالخوف، تؤمن غذاءه، وصحته، تمنحه الرفاهية والاحترام في الشارع والمركبة والمصالح الحكومية، فتتكون داخله عقيدة بأن الحفاظ على نظام ونظافة وحقوق تلك الدولة، جزءٌ لا يتجزأ من ضمانة حقوقه الذاتية. فلا تتكون داخله تلك الرغبة اللاشعورية بالرغبة في الانتقام من الدولة، مثلما الطفل الذي يضربه أبوه ويعذبه ويحرمه من الطعام واللعب والملبس، يرغب في الانتقام من أبيه، لا شعوريًّا، بتكسير الأشياء وتلويث المنزل وترك اللمبات موقدة دون داع وغيرها من السلوكات الانتقامية الطفولية. المواطن الخليجي ليس أرقى من المواطن المصري ولا هو أكثر حبًّا لوطنه، ولا نحن كمصريين فاسدون بالفطرة، ولا كارهون وطننا، لكنه فارق الشعور بالانتماء للوطن.