البيجيدي يتحدى الملك ويبتز الدولة.

سعيد الكحل
2016 / 9 / 7

لم يعد حزب العدالة والتنمية يناور من خلف الستار ويرتدي قبعة التقية ، فقد ظهر مكشوفا بعد أن رفع الستار واسقط القبعة . فما ردده السيد بنكيران في مهرجان خطابي يوم 9أبريل 2016، بمدينة سلا "غادي نقول ليكم واحد الحاجة، وخا غادي تجيكم قاسحة ولكن هادي هي الحقيقة، أنا مرة قلت لسيدنا، شوف أسيدنا وخا تديني للسجن أنا معك"، سرعان ما ظهر زيْفه بترشيح حماد القباج ،السلفي المتطرف الذي كفّر الديمقراطية والبرلمان وكفّر الذين لم يصوتوا على حزب العدالة والتنمية ودعا إلى قتل اليهود في العالم كله .حين خاطب بنكيران أعضاء حزبه بأنه مع الملك حتى وإن سجنه ، كان يعلم مسبقا أنهم لن يستسيغوا قوله هذا لأنه مناف للعقائد التي أسسوا عليها حركتهم الدعوية ومن بعدها الحزب . ذلك أن موافقة الأمانة العامة للبيجيدي على ترشيح حماد القباج له أكثر من دلالة :
1 ـ تحدي صارخ للملك ولخطابه الأخير بمناسبة ذكرى ثورة الملك الشعب ، الذي ربط فيه ربطا عضويا بين التطرف والإرهاب وشدد على ضرورة مواجهتهما وتجفيف منابعهما ومحاصرة الشيوخ المتطرفين بعد أن حمّلهم كامل المسئولية (على انتشار فكر التطرف والتكفير والإرهاب، لأن دعاة الإرهاب يعتقدون بأنه هو السبيل إلى الإسلام الصحيح. فعلى هؤلاء أن ينظروا إلى أي حد يتحملون المسؤولية في الجرائم والمآسي الإنسانية التي تقع باسم الإسلام.). فإذا كان الملك يحذر من مخاطر التطرف على الشباب واستقرار الدول (ولضرب المجتمعات المتشبعة بقيم الحرية والانفتاح والتسامح) ، ويحث على مواجهة المتطرفين مواجهة حازمة وشاملة (وأمام انتشار الجهالات باسم الدين فإن على الجميع، مسلمين ومسيحيين ويهودا، الوقوف في صف واحد من أجل مواجهة كل أشكال التطرف والكراهية والانغلاق) ، فإن حزب العدالة والتنمية بقيادة السيد بنكيران ، يرشح أشد المتطرفين غلوا وتحريضا على الكراهية والحقد على المواطنين وأهل الكتاب . والحزب إذ يرشح حماد القباج ، المعروف بتطرفه وتشدده ، يقول للملك :إذا كنت تمنع المتطرفين من اعتلاء منابر الجمعة في المساجد حتى لا يؤثروا على عقول المصلين وخاصة الشباب والنساء ، فأنا أفتح لهم باب البرلمان ، كمؤسسة تشريعية تضمن لهم مآرب شتى يأتي في مقدمتها :
أ ـ إعطاء المجال للمتطرف لمخاطبة عموم المغاربة عبر وسائل الإعلام الرسمية التي تنقل جلسات البرلمان مباشرة . فإذا كان منبر الجمعة يسمح بمخاطبة بضعة آلاف من المصلين ، فإن منبر البرلمان يسمح بمخاطبة الملايين .
ب ـ تمكين المتطرف من ترجمة تطرفه وكراهيته إلى مشاريع قوانين ؛ فإذا كان منبر المسجد لا يسمح بحمل الناس على سلوك معين أو معاقبتهم عليه ، فإن البرلمان يضمن له أن يشرّع ويحول قناعاته وعقائده إلى قوانين مُلزمة للمواطنين ، خصوصا وأن القانون الداخلي للبرلمان يسمح لهذا الشخص أن يكون رئيسا لجنة التشريع مثلا ؛ ومادام الطابع الغالب على لجان البرلمان وجلساته ، الغياب الكبير للأعضاء ، فإن الفرص ستكون متاحة ومواتية للمتطرفين أن يمرروا مشاريع القوانين التي تروقهم وتترجم تطرفهم . وقدر رأينا كيف أن قوانين خطيرة تم تمريرها بحضور 6 نواب برلمانيين .
ج ـ ضمان الحصانة التي تحميه من أية متابعة قانونية ،الأمر الذي سيشجع المتطرف على رفع صوته وإيصال تطرفه إلى أبعد مدى دون خوف أو تردد . وهكذا ،يأخذ المتطرف كل السبل ليصل إلى عموم المواطنين ، سواء في منازلهم عبر التلفزة ،أو واقعهم عبر القوانين ، أو باقي مناحي الحياة عبر سلسلة من التشريعات والإجراءات تنعكس مباشرة على السلوك اليومي للمواطنين وبما يخالف ما درج عليه الناس عبر عقود وقرون . ولا يخفى على المواطنين أن في جعبة المتطرفين كثيرا من القوانين والقرارات التي يسعون لفرضها على الشعب (زواج القاصرات ، تعنيف الزوجات ، إغلاق الحانات ، الفصل بين الجنسين في المؤسسات التعليمية والإدارات ووسائل النقل العمومية والشواطئ، تحريم الموسيقى والفنون والمهرجانات ،تشكيل شرطة الآداب .. .
بنكيران إذن ، يطبق المثل الدارج "ما قدو فيل زادو فيلة" ، فالملك يريد التضييق على المتطرفين في منابر المساجد فإذا بنكيران يفتح لهم باب البرلمان . وهكذا تتضح نوايا بنكيران وحزبه وحركته ،وهي السعي للتضييق على الملك عبر تشكيل تحالف الإسلاميين والسلفيين المتشددين ،والتسلل إلى المؤسسات الدستورية ، وعلى رأسها البرلمان لتطويق الملك من الناحية الدينية والدستورية والقانونية والاجتماعية .
قد يحاجج بنكيران بكونه يسعى لتقديم خدمة للنظام عبر إدماج المتطرفين في العمل السياسي السلمي وجعلهم يقبلون بالديمقراطية والانتخابات ، فيتخلون تدريجيا عن مواقفهم المتشددة . قد تكون مثل هذه الحجج سليمة ومقبولة في حالة قام المتشددون ، وفي مقدمهم القباج ، بمراجعات لعقائدهم ونقدها والتراجع عن المتطرف منها والذي يصادم التزامات المغرب الدولية فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات والنساء والأطفال ؛لكن هذا لم يحدث . فبنكيران سيُدخل المتطرفين إلى البرلمان بعقائدهم المتشددة وأحقادهم المقيتة وكراهيتهم الشديدة لكل من خالفهم في الفكر أو العقيدة أو المذهب . فلم يكن ترشيح القباج أمرا عاديا ولا رغبة فقط في كسب مقعد إضافي ، بل هو رسائل عديدة على من يهمهم الأمر حُسن قراءتها والتعامل معها بجدية ،خصوصا بعد عدة تصريحات بنكيران التي يهدد فيها الجميع إن لم يتصدر حزبه نتائج الانتخابات التشريعية القادمة .