كتاب -الثقافة محنة لذيذة- لخميس الخياطي: مسيرة مثقف تونسي

ضياء البوسالمي
2016 / 9 / 6

إن أدب السيرة الذاتية مهم للاطلاع على حياة الكاتب والاستفادة من التجارب التي عاشها لمدة سنوات، وكتاب الناقد والكاتب التونسي خميس الخياطي "الثقافة محنة لذيذة" الصادر عن دار نقوش عربية يمثل استرجاعًا لمجموعة من الذكريات التي إن دققنا وتمعنا فيها نجدها تحاور وتساءل حاضرنا.

من قرية القصور إلى عاصمة الأنوار باريس

يعود خميس الخياطي سنوات إلى الوراء ليسترجع ذكريات طفولته في الشمال الغربي وتحديدًا في قرية القصور أين زاول تعليمه الابتدائي ليتجه بعد ذلك إلى مدينة الكاف، هذا الانتقال كان تحت ظروف قاسية ميزت تلك الفترة من حياته وأضفت على طفولته بعدًا آخر ينقله الكاتب بعد عدة سنوات ويستنتج أنها سنوات المحنة على المستوى المادي لما عانته أسرته لتوفر له ما يستحقه من مال، لقد أصر كاتب "الدنيا هبال" على وصف هذه المرحلة من حياته بما فيها من فقر وبرد وحكايات، كأنه أراد أن يخلد هذه الذكريات تكريمًا لمن ضحوا من أجله ومن ساعدوه على بلوغ هدفه ولتكون مسيرته حافزًا "لكل من طل من وراء البلايك".

تستفز كتابة خميس الخياطي القارئ وتجبره على المقارنة بين الماضي والحاضر وهي مقارنة بين جيل ناضل وتحدى الصعوبات وجيل آخر استسلم وابتعد عن الثقافة وظل يعاني من محنة الجهل، تؤرخ تجربة الناقد خميس الخياطي لحقبة مهمة من تاريخ البلاد التونسية؛ شباب ثائر منفتح على الآخر المختلف وطامح إلى التغيير، لكنها تنقل لنا أيضًا ما يعانيه المثقف من السلطة كالمنع والتضييق على الحريات كذلك المحسوبية والظلم إذ يذكر الكاتب أنه وقع رفض مطلبه للالتحاق بإذاعة تونس الدولية بتعلة أن صوته غير إذاعي ليُقْبَلَ بعد ذلك في إذاعة فرنسا الثقافية ويبقى فيها لمدة 20 سنة.

مثل هذه الحادثة وغيرها تعمد الخياطي أن يظهر من خلالها الوضعية المزرية للمثقف التونسي الذي يعاني من التهميش وقمع السلطة والمحسوبية وهو ما يجعل الثقافة في بلدان العالم الثالث محنة ولكنها "محنة لذيذة"، فالخياطي قبل أن يسافر سنة 1969 إلى باريس حمل معه ثلاثة كتب: "مجتمع الفرجة" لغي ديبور، "أغاني مالدورو" للوتريامون و"رسالة في فقدان الأمل" لكيركغارد، لقد كان الكاتب متيقنًا أن المطالعة مهمة وضرورية في حياة الفرد إذ لا شيء يضاهي متعة الغوص في أعماق كتاب "ألم يقولوا أنه خير جليس!".

رحلة مع السينما

يشير الخياطي إلى أهمية السينما وأثرها على الفرد والمجتمع ويذكرنا بالفترة التي خلالها كانت نوادي السينما من أهم الأماكن التي تكون النخب من خلال الندوات والنقاشات التي تهتم بكل جوانب الحياة الثقافية، إن قيمة كتاب "الثقافة محنة لذيذة" الذي يمثل "شذرات من سيرة ذاتية" يتحول في كثير من الأحيان وفي مختلف المقاطع إلى كتاب يتقصى أسباب تراجع الاهتمام بالثقافة من السلطة وتهميش قطاع السينما خاصة (من 90 قاعة إلى 15 قاعة فقط).

خميس الخياطي الذي يعتبر أن علاقته بالسينما هي علاقة حياة وأمل كانت رحلته مليئة بالتجارب، فالدكتور في علم اجتماع السينما قضى حياته بين قاعات السينما في القاهرة والتدريس في الجامعات الفرنسية وغيرها من الذكريات التي تتالى لتكون صورًا مسترسلة تنقل القارئ من تجربة إلى أخرى ولذكره في كل مرة أن المثقف يعيش محنة أبدية ولكنها محنة لذيذة.