سحر السينما

سلام إبراهيم
2016 / 9 / 6


سحر السينما*

حاولت وَلمْ أستطع، حاولتُ.. وحاولت دون جدوى، ماذا أفعل لنفسي؟.. قوةٌ مجنونةٌ تجذبني رغم عزمي الشديد على عبور الباب العريض المفتوح المضيء بالصور والوجوه والمجسمات في إعلانات تزين جدران المدخل والواجهات، حسناوات يقطرن حلاوة، مسدسات تدور بين الأصابع، و.. وحقول مشتعلة بالخضرة تعانق الآفاق. عشاق يتعانقون في الخلوات..، دخان معارك، وغابات وأغان ومعارك بالسيوف، بالدبابات. بابٌ يؤدي إلى ظلمةٍ وعالمٍ يجعلني أحلم لأيام وليالٍ. عالمٌ ساحرٌ ينسيني عقوبة الأمس القاسية، ويتداخل مع عالم دكان الحلاقة الساحر الذي يلقيني آخر النهار مخدراً بقصص المدينة وما يحدث في الخفاء والذي أسمعه من أفواه الزبائن فتصيبني الدهشة، حالماً أنسى كل شيء وأجدني أخطو لتحتويني الباحة المضيئة وصوت أم كلثوم الصادح قبيل العرض، أسير على مهلٍ نحو بوابة الصالة مخدراً بروائح السينما وعيون الممثلين المحدقة نحوي والمنبثقة عبر زجاج صناديق العرض الدعائية التي تملأ الباحة العريضة. لا احتاج قطع تذكرة، فجميع العاملين يعرفونني فقد أوصاهم «حمد» صاحب السينما وهو يقودني من يدي ويطلقني في فضاء صالة العرض قائلا للبواب «حسين»:

- سلام يدخل وقت ما يريد مفهوم!

- صار عمي!

عبرتُ العتبة. تلمّستُ أقرب كرسي وجلست، فالصالة أعتمت حال دخولي، لأغوص في بحر الشاشة الغاصة ببشرٍ يبغون مقاصدهم، يحبون ويتباغضون، يولدون ويموتون في الحقول، على ضفاف الأنهار، في الأحياء الفقيرة، في الثلج، والحر والجبال وعلى البغال، في الحرب والسلام. أغوص حالماً وكأنني أعيش معهم.. معهم إلى لحظة انفجار الضوء الصلد المعلن نهاية العرض، الضوء الطارد أحلام المخيلة، الكاشف كذبة حائط القماش الأبيض المؤطر بحاشية سوداء رفيعة. الضوء الملعون الذي يدفعني إلى الممرّ المرتفع حتى باب الخروج، إلى الرعدة والظلمة، إلى رعبٍ مركّبٍ من مخاوف وتحذيرات أمّي وأبي من رجالٍ كبار قد يسخّمونَ وجهي. تصورته شيئاً فظيعاً.. سأدرك لاحقاً ما يقصدون بالضبط. أهرع حذراً متوجساً أبتعد عن رواد السينما، أسلكُ فروعاً تفضي بي إلى منافذ يسكنها الظلام والصمت وظلال مصابيح أعمدة عالية باهتة الإضاءة، أعيش هذه المخاوف طوال الطريق الممتد حتى شارعنا. وما أن أطأ بقدميّ المرتعدتين ترابه حتى تهجم عليّ مخاوف مختلفة، مخاوف كل ليلة تزداد وتتوحش كلما اقتربتُ من باب دارنا الخشبي العتيق الواطئ، فخلفهُ تكمن محنة الليلة، سيستيقظ أبي رغم سكره، سيحتد غضباً، سيهرع حيث يخبّئ عصاه، ستلسعني ضرباته الكاوية، التي تشتد كلما أمعنتُ بصمتي، إذ لم يعد يصدّق بأني كل ليلة أتأخر بسبب السينما كما أدعي. سيستعر غضبه فيشدد ضرباته مكرراً:

- وين كنتْ؟ كل ليلة تتأخر وين كنت؟.. قول بالسينما.. قول يا ابن الكلب.. قول؟!.

-...!.

ماذا سأقول.. ماذا؟ وهو سلفاً لا يصدق أين كنتْ؟!

وقفتُ طويلاً تلكَ الليلة في سكونِ الشارعِ أمام بابنا المسدود، كان الشهر رمضان وجارنا نائب الضباط الورع «أبو محمد» بدأ بصوته الرخيم يردد أدعية انسابتْ في العتمة والسكون صاعدة نحو مصابيح السماء وروحي، أدعيةً جعلتني ألبث في وقفتي أمام الباب متخيلاً وجهه بلحيته الشيباء وقسماته المسالمة، وعينيه الحزينتين المناقضتين لعيني أبي الجاحظتين، الواسعتين، اللتين تقدحان ناراً عند الغضب. صوته اللاهج بالخشوع هدّأ قلبي وجعلني أختصر المحنة ولا أبالي لشيء. فكرتُ مع نفسي وقتها، وكان ذلك أول بادرة لتمرّدي اللاحق الذي قادني من تشرد إلى تشرد حتى وجدت نفسي في بقعة من أرض غريبة تجاور القطب دون أهلي وأحبابي وأمكنتي الحارة، فكرتُ وأنا أتأرجح على حافة الغفوة من تعب النهار الطويل:

- ما حاجتي إلى الدخول، فالليلة صيفية رائقة، سوف يستيقظ أبي حتماً ويذيقني عصاه في غرفتنا الوحيدة كي لا يوقظ إخوتي، وستنقذني أمّي في آخر لحظة! سوف لا يفهم أبداً.. أبداً سحر الشاشة البيضاء ولا يصدق أنها تجذبني كل ليلة.. لا يصدق وأنا لا أستطيع!

تحسستُ ظهري المتورم من عقوبة الأمس، ورجعت من حيث أتيت مفتشاً عن موضع صالحٍ للنوم، وفي منحدر جوار استدارة محلتنا التي كانت نهاية الطرق المعبدة بالمدينة وجدت فراشاً ترابياً ناعماً أسفل المنحدرٍ. سويت مكانا بكفيّ يسع لطولي واستلقيت محدقاً بالنجوم المنثورة بكثافة في عمق السواد العظيم، وعلى إيقاع غمزات ضوئهن غفوت حالماً بـ»عنترة بن شداد» يخوض الصعاب والحروب في تيه الصحراء ويقتل أشرس الأعداء لينال حبيبته «عبلة» الضاحكة دوماً. كانت لحظة فريدة لم أنسها طوال العمر، لذة ما بعدها لذة. النوم في سريرٍ من تراب دون عصا، دون تقريع وإذلال. حتى الآن لم أجد فراشاً أنعم من ذلك الفراش المبذول، ولم أجد لذةً كلذة تلك الغفوة في شارع ومنحدرٍ يشكّل ما يشبه المخبأ. تراب ناعم وأحلام وخيال وغفوة لا مبالية كانت عتبة لحياة المغامرة والتشرد التي خضتها لاحقاً.

وكأنني في حلمٍ انحنتْ على غفوتي امرأةٌ جليلةٌ بثيابها السوداء ورائحتها الأليفة المسكرة، جعلت تربت على خدي بأصابعها الحانية ربتاً رفيقاً، ثم هزتني من كتفي وهي تنادي همساً في الظلمة والسكون:

- يمه.. يمه.. أكعد..أكعد يمه.. ليش.. ليش نايم هنا، ما عندك بيتْ.. ليش؟!

كمن كان في قفرٍ موحشٍ شديد الوطأة ارتميتُ بين اليقظة والمنام إلى حضنها غاطاً في عبق رائحتها القديمة المعجونة بكياني، تعلقتُ برقبتها باكياً.. باكياً، شاكياً أردد مفردة واحدة بمرارة:

- يمه يا يمه.. يمه يا يمه!

أرددها مختنقاً بعبراتي. أتذكر بوضوح عباءة أمي شديدة السواد التي لفتني فيها، فشعرتٌ وكأنني طيرٌ ضائعٌ وجد ملاذه. أتذكر شكل السماء الضاحكة النجوم قبيل الالتئام بحضنها ودفق الأمان من كلامها الرقيق.

الشيء الذي استوقفني وسيكون مفتاحي لاحقاً لبلوغ حرية سمحت لي المغامرة والثورة هو: ردّ فعلهم الضعيف على ترك البيت والنوم في الشارع بالنسبة إلى عائلة لها تقاليد صارمة إذ لم ألمس في كلامها شدةً ولوماً وتقريعاً بل رقةً وتوسلاً وحنواً:

- تعال يمه.. تعال!

تمنعتُ متخيلا أبي يقف منتظراً بعصاه في مدخل البيت فقلت لها متوسلاً:

- اتركيني أنام هنا أحسن!

- لا تخاف يمه.. لا تخاف. أبوك يحبك ويخاف عليك، ما راح يضربك.. ما راح يضربك!

سحبتني صوب بيتنا الذي يبعد قرابة مئة متر. سرتُ بعناء، أكاد أتهاوى من النعاس.

كم بَحِثِتْ في الزوايا والبيوت والشوارع المجاورة حتى عثرت عليّ؟!

وبشيطنة طفلٍ يبدو ظاهراً شديد السذاجة اكتشفتُ مبلغ ضعف الأب والأم إزاء مظاهر التمرد التي يبديها طفلهم. فعند دخولنا ساحة البيت تَصَنّعَ أبي النوم فتعالى شخيره. قادتني إلى فراشي المبسوط جنب إخوتي وأخواتي. غطتني وأسرت لي بهمس:

- لا تخف.. نم ابني نم.. أبوك نائم!.

لكنني لم أنم. لبثتُ أتتبعها وهي تندس جوار أبي. أرهفتُ السمع. كان الصمت مطبقاً، وفيما كنت أشرع في النوم سمعتُ أبي يسألها:

- أين وجدتيه؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقتتطف من رواية -دونت أسبيك أستطب-