سهرة سورية... كالعادة...

غسان صابور
2016 / 9 / 6

ســهــرة ســـوريــة.. كــالــعــادة...
دعيت البارحة مساء إلى حفل عشاء ببيت طبيب سوري رائع, بارع معروف بمهنته, بمدينة تبعد خمسين كيلومترا عن مدينة ليون.. وكان على طاولة سيدة البيت الرائعة, عشرات من نخبة الأنتليجنسيا السورية المحلية والتجار الناجحين. من بينهم شخصية معروفة بالجالية السورية, منذ أكثر من ثلاثين سنة بنشاطها العلمي والتجاري والاجتماعي والسياسي.. منتسب لحزب يميني معروف, رئيسه الحالي و غالب مسؤوليه من الشخصيات التي ساهمت بكل الدعايات والنشاطات التي أججت الحرب الآثمة الأخيرة ضد سوريا, وجميع التمثيليات المصنوعة بمخابر واستوديوهات المؤسسات المخابراتية الأمريكية والعربانية... ولما قاربنا نهاية حفل العشاء, وبدأت بعض النقاشات السياسية المحلية, صرح هذا الإنسان أنه جمع ــ شخصيا ــ هذا الأسبوع طلبات انتساب لحزبه من ثلاثين شخصية محلية فرنسية من أصل سوري.. بفخر وعنترية.. تشبه لهجة الماريشال السوفييتي الذي حمى مدينة ستالينغراد, خلال الحرب العالمية الثانية من الاقتحام النازي.. إلى هنا لم أتدخل.. ولكن حين طيبت له إحدى السيدات الموجودات بكلمة Bravo لم استطع متابعة الصمت والحياد الذي التزمته من عدة أسابيع, بناء على إلحاح زوجتي بألا أثير النقاشات والملاسنات الاعتراضية بالسهرات السورية... هنا نقضت كل وعودي.. ولم أستطع الصمت على هذا الفخر الذي أبداه هذا الإنسان السوري.. وقلت له وللسيدة التي فهمت آنذاك أنها طيبت له : ما الفخر بالانتساب إلى حزب وشخصيات سياسية فرنسية دعمت كل المعارضات الهيتروكليتية والمحاربين الإسلاميين الذين فجروا بلد مولدنا وخربوا كل آثاره الحضارية وقتلوا وهجروا وروعوا الملايين من شعبه...وما زالوا حتى هذه الساعة يزرعون الموت والخراب والرعب والظلام... لهجتي الثائرة الغاضبة النارية كانت مخالفة لما وعدت من تجربة موقوتة للصمت و الحياد... وعدت إلى طبيعتي النارية التي لا تقبل أي صمت لمواجهة أية سلبية أو ما أعتقد الصمت عن مجرمين من أية جنسية كانت, ساهمت بأي شكل من الأشكال بخراب سوريا ودولة سوريا وأرض سوريا.. وخاصة شعب ســوريـا... رغم أن التسعة والعشرين سنة من عمري التي عشتها بهذا البلد.. لم تكن معسولة هادئة طيبة أو مقبولة الذكريات... ولكنني لا أقبل ــ إنسانيا ــ قبول مصالحة أو محالفة أية شخصية سياسية, من أية جنسية كانت, ساهمت خلال السنوات الماضية بتفجير بلد مولدي عمدا.. وخرابه وتفتيته وتهجير وقتل شعبه... لأنه يبقى جزءا من كرامتي...
رغم التزامي الكلي بالسياسة الفرنسية المركزية والمحلية, وعلاقاتي مع جميع أطرافها السياسية والاجتماعية والأدبية, ونشاطاتي المتواصلة معها.. وتبادلاتنا الفولتيرية بكل احترام.. لم أقبل بأي يوم لكائن من كان من جنسية غير سـورية, أبداء أي انتقاد سلبي ضد سوريا.. معتبرا أن القضية السورية, تخص حلولها السوريين وحدهم بين بعضهم البعض.. ولا أي طرف آخر.. وخاصة بعد ستة سنوات من حرب منهكة آثمة قاتلة.. لا اقبل أي انتقاد سلبي مغرض, أو دس إعلامي كــاذب بلا أية أدلة ملموسة حقيقية ضد سوريا وشعب سوريا.. وخاصة ضد شعب سـوريا الذي يستحق سلاما حقيقيا صادقا... ولا يمكنني قبول الصمت أو أية مصالحة مع أية شخصية سياسية عربية أو أجنبية, ساهمت ــ عمدا ــ بقتله وتهجيره...
وانتهت السهرة بعدها, بصمت وبرود.. وأحاديث سطحية ومجاملات خشبية (شرقية)... وتفرقنا.. وعاد كل منا لبلده.. ممثلين بالتحيات والسلامات والجمل الشرقية الفارغة المعتادة... بانتظار سهرات ولقاءات أخرى... لا يــقــال فيها أي شــيء جدي مثمر... مع كل حزني ويأسي وأسفي... ها نحن نحكي ونحكي ونحكي.. ونتململ.. ونتثاءب ثم نحكي ونحكي ونحكي... ونحن نتثاءب.. ما تزال أصوات المدافع والرشاشات والبنادق, تعلن ان الموت ما يزال يعبر من هنا.. وأن مئات الأطفال.. سوف يتوقفون عن اللعب.. ويموتون مثل الرجال الكبار... بلا سبب.. سوى لأن بعض المافيات العالمية التي تملك تجارة النفط والغاز والأسلحة والبنوك.. قررت الموت أو الحياة.. بأي مكان من هذا العالم الحزين الذي اختفت منه كل المبادئ الإنسانية.. وحتى الدين أصبح ســلاح دمار شامل.. يستعملونه لنشر وتوسيع تجارات هذه المافيات الظلامية التي تحكم العالم.. بكل مكان من العالم!!!...
*************
عــلــى الــهــامــش :
ــ عــرابــو الأزمة السورية
صرح الناطقون باسم كل من السيدين لافروف وكيري, إثر اجتماع دول الـ G20 في الصين البارحة, بأنهما لم يتفقا بإجراء هدنة في سوريا, وفي مدينة حلب المحاصرة بالذات.. نظرا لتحليل كل من حكومتيهما لوصف وتحليل المقاتلين الإسلاميين على الأرض " وديمقراطيتهم " وعلاقتهم بتنظيم القاعدة أو دولة الخلافة الإسلامية " داعش "... وإصرار السيد كيري على انسحاب القوات الشرعية النظامية السورية من حلب.. وتركها للمحاربين "الديمقراطيين وحلفائهم". كما تــم لقاء منفرد بهذا المؤتمر بين الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما والرئيس التركي رجب طيب أردوغان, لم تورد فيه أية ملاحظة على اقتحام الجيش التركي داخل الأراضي السوري, وعدم شرعيته.. إنما كان الحديث عن دعم الحومة الأمريكية للسيد أردوغان ومحاكماته لجميع أعدائه من الانقلابيين...
العرابون والمجتمعون بمؤتمر الـ G20 عن تطور المناخ وحماية الطبيعة, وبعض القضايا التجارية المتعلقة بحماية المناخ.. وتوزيع فوائدها (المادية طبعا)... وتبادل مصالحها الظاهرة والخفية, على حساب الشعوب الفقيرة الضعيفة.. والمحكومة ببركاتها بديكتاتوريات عجيبة غريبة....... بينما القتل والتقتيل والتفجير والدمار يتابع مسيرته الحزينة بمدينة حـلـب الشهيدة.. وبعديد من المناطق السورية... ونحن السوريون بكل مكان.. نتابع أحاديثنا وطبخنا ونفخنا وزعاماتنا الطبولية الفارغة.. نـاسين أن مصير البلد الذي عشنا فيه ما زالت تأكله التماسيح المحلية.. ومافيات التماسيح العالمية, تنتظر موته النهائي.. حتى تــتــقــاســم كنوز خيراته المخزونة...
متى نستيقظ.. متى نــعــي.. متى نــفــهــم؟؟؟!!!................
ــ الفــســاد ... وعن الفساد بفرنسا
أنصح قرائي الذين يتقنون الفرنسية, المطالعة باهتمام المقال التحقيق الواسع للصحفي المستقل Bernard ARFI المنشور بموقع ميديابارت Médiapart هذا الصباح عن الفساد المنظم بين جميع طبقات السياسيين والمسؤولين من اليمين إلى اليسار خلال السنوات العشرة الماضية بفرنسا... عنوانه الفساد : والعيون مغلقة
Corruption : Les yeux fermés.
تحقيق مرعب.. يغير نظراتنا لأشرف المسؤولين, من أعلى الرتب والمسؤوليات.. لأوسطها.. ووزرائها ونوابها... ولكن يتبقى القضاء الفرنسي.. ولكنني أتساءل عن إمكانية استعمال هذا القضاء اللابس لجميع هالات النزاهة.. ألا يمكن لبعض الحكام أثناء ولاياتهم استعماله كسلاح دمار شامل ضد هذا أو ذاك من خصومهم السياسيين؟؟؟!!!.....
والمقال نفسه؟.. ألا يمكن أن يصبح الإعلامي (الحر؟!) وسيلة لاغتيال بعض السياسيين (الأحرار أو غير أحرار) الذين يقعون بــأفــخــاخ أعدائهم من السلطة أو خارج السلطة...
أخشى على الديمقراطية بهذا البلد, الذي أحبه وأحترمه وأؤمن بــه.. كما أخشى من تراخي قوانينه (الديمقراطية) ضد اجتياح الإسلام الراديكالي وتسرب خلاياه الإرهابية.. وخاصة الثغرات والخنادق والمزاريب التي تفتحها هذه المنظمات الظلامية بصدر وظهر وخاصرة العلمانية.. بلا أي حذر!!!...
بـــالانـــتـــظـــار...
للقارئات والقراء الأحبة الأكارم... هـــنـــاك و هـــنـــا... وبكل مكان بالعالم... وخاصة للقلائل ممن تبقى من المدافعين عن الحقيقة.. كل مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي ووفائي وولائي.. وأطيب وأصدق تحية مهذبة.
غـسـان صــابــور ـــ لـيـون فـــرنـــســـا