إلى تلميذي النجيب 3

إبراهيم الوراق
2016 / 9 / 6

بعد مضي سنين على لقائنا الأول، أكون في يقيني موقنا بأنني قد جددت العهد مع الكهف، والإنسان، ولو تخالف الزمان، والمكان، وتباين الشخصان في تحديد الصفات المستوجبة للبقاء، أو الزوال. لكن وعلى رغم طول المسافة التي فصلت بين الأشباح المطهمة بالأمل، والسؤال، بل وعلى رغم سمك هذا الحاجز الذي فرق بين الحلمين المتشاجرين على مساحة صغيرة للحرية، أعود خفيفا، وأثوب سريعا، لعلي أجتر غصتي، وابتلع زفرتي، فأنحني إكبارا لخيار عصرته من جلمود حلم كان فيه الألم دفينا، ومكبوتا.
فاللامألوف، هو الحرف المتآلف، والممتلئ، والمتناسق، وهو المعنى المخبوء بين تضاريس الأحشاء المعذبة، والقلقة، والضجرة. فالحرف الأخير، هو الحرف الأول الذي سكن أحراشك، وأدغالك، وهو الذي تفتق من صدفه، ومحاره، وهو الذي غرد، وأعول. فأي عيب في هذه الصرخة التي علت الآفاق، بعد أن كانت استغاثة، ونجدة.؟ لا أراني وجدت في عُري الحرف شيئا يفرض علي أن أدرس هندسة الألفاظ، بل ما في حواسي ومشاعري من عشق الحرف، صيرني أعرف حدود البحر والبر فيه، ونسبة السماء والأرض منه. وتلك هي الغيبوبة التي انسد عنها آفاق من ماتوا قبل الأجل، ولم يقدروا على التمييز بين ما قيل شكا، وما قيل كفرا. فالحرف هو الحرف نفسه، والكلمة هي عينها في التعبير الصادق، لكن الذي خرج عن مقتضى القضية، هو تلك الضرورة التي مزقت القماش، وخلعت العذار، لكي تنزلق نحو حدائق الانتظار، وتنفلت عن سبيكتها التي أغرت بظاهرها، وأوجعت بباطنها. أجل، هذه الروح التي تحن، وتئن، هي عينها التي تبحث عن عناوين الشوارع المكتظة بالجمال، وهي الناطقة بمسمياتها في الحال، والمآل، وهي التي تتعرف على الأرقام، والأحوال، وهي التي تتجاوز كثيرا من حيرة اللامحسوس للإنكباب على جسد المحسوس، لعلها تسير على هدى، ونور. وأنى لها ذلك، والزمن القصير الذي نعتلي فيه صخرة المنى، لم يكن كافيا بأن يذكرنا بأغاني أم كلثوم، أو فيروز، أو إسمهان. فالكل في شكوى، والكل في بلوى. وهل رأيت أحدا في تناقض أحوال مقامه مشتاقا إلى سربه، ولو حيزت له المراتب بحذافيرها.؟
فالحضور ينفي عنا هوس الاشتياق إلى شيء مجهول، إذ لا يشتاق إلا من لم يستوف الوصف على التمام. إذ لو تم لنا بالموهبة تلخيص ما تكتنزه الغجرية من أنوثة، لما زرعنا الأرض بأقدامنا اليابسة، ولما طوينا السماء بأنظارنا. وهنا يمرح جرم الذات، ويُمنع الروح من حضور مأدبة العشق المنقلب في غيبة السر فسقا، لكي يكون الحرف دليلا على الانشراح في مجالس اللهو، أو اللغو. فكلاهما لا يستقيم إلا بقوة جبارة، لأن استقامة المعنى بين الموارد المختلفة، يظهر لنا وجود قدرة على التأليف، والترتيب. لكن أين غابت بلاغة الأماكن المعرورة بالأمنيات الطازجة، لكي تكون الحياة جنانا باسقة الفروع، والطلوع.؟ فالقدرة على النطق، هي التي تغرس في عروقنا حب الاحترام، وتبادل المشاعر، وتناغم الأحاسيس الصادقة. إذ لا يسري دم التقدير إلا في قلوب الأسوياء. فأين نحن منهم، وقد آذنونا بالانصرام، والانجدال.؟ تلك القدرة على النطق بما استحيى منه مخنث سلبته الطبيعة خصوصية تفكيره، هي التي صيرتك كاشفا للنقاب، ورافضا للحجاب، لكي تهتدي إلى ما تواراى عن الأنظار من قبح، أو جمال. فلا عليك، فما تعرِّيه من عورات العقل الملجم بالدهاء، لم يسكت عنه من يحرم الحديث في نقائصه، ونقائضه، إلا لأنه يريد أن يبعثر المعطف، فتعرينا رعدة، وقشعريرة، ثم يكون الخوف مكتوبا على الجدران التي نختبئ وراء أستارها المفضوحة.
إن النطق بالمعنى المزموم في أقدارنا المكلومة، يقربنا من النيران، ويبعدنا عن الأمان، وأيهما اخترنا في صوغ الحكاية ، ونحوها، وصرفها، كان ضررا علينا بما يردفنا به من نعرات الحذر، والخوف. فاللذة كما تمنحنا الذات المقهورة، فإنها في أحايين كثيرة تفقدنا صوابنا، وتبعدنا عن إرادتنا الفاعلة بالإيجاب، لأنها ولو انسرحت بين المسارح، فإن ما انطوى عليه سرها، لن يدعها خالصة لشيء واحد، لا تعدد فيه، ولا تنوع. فالملجأ الذي نلتجئ إليه حين نشرب من سوْرة هذا المدخل المقرور فينا، هو ما نفجره في عمقنا من طاقة، وغزل، ومداعبة. أجل، فالحرف طاقة، وهي موجودة فينا انصهارا، وامتزاجا، وهي التي يحاربها بالطمس جحفلُ الدناءة، والرداءة. والأغرب أن لها فوحا عبقا في بناء جامعة حياتك، وخلاصة تجربتك. وقد يشمها غيرك، ولا تشمها أنت. وإذا شممتها، كانت أحلى ما فيك، لأنها قوتك التي لا تنأى عنك في القرب، والبعد. والعجب أن كل شيء في الكون قابل للقسمة إلا هي. فلذا ألح الوغد على مجابهتها، ومقارعتها، لكونها شجرتنا الثابتة في أرضنا، وسمائنا. بل هي الخارق الذي يزعج العقول الكليلة، والذوات العليلة، فلا يرون بين مشاهدهم إلا عقيدة سحقها بسحابات الكذب، والزيف، والمين.
قد راجعت منشوراتك، وأحسست فيها بمسافات قد قطعتها، وطويتها، وهي سرك الذي تفتق من غوري، قبل أن أراه يغدو فارسا شهما بين الملاحم الحامية. كلا، فما قرأته صوت متفاوت في النبرة، والنغمة. وهل أنت في أصدق عبارة إلا صوت البداية، والنهاية.؟ إذ كل صوت يعود إلى تلك الصرخة الأولى والأخيرة، وما قيمة قوة الصوت إذا خربه ضعفان.؟ أجل، أنت صوت مكتوم، وغدا سيكون له موعد معلوم، لكي يسير إلى أجل مرسوم. وهل لك في تحبير حسن التحية لمن تتهلل له أساريرك سواه.؟ فأصواتنا يمر عليها زمن، ونكاد نطمئن إلى نسيانها، لكن سرعان ما تبدو مقلقة، ومزعجة، لأنها تنبش في ذاكرة الطفولة عن أسوأ اللحظات، وأفظع الملمات. وما أشقاها حين تتردد بخدعتها على أسماع نسجت في التعاسة أملا حانيا.! فالصوت عميق، وقد أحسست به، وهو جدير بأن توزن به، لكن ما دل عليه، ليس هو ما ألف به في سابق العهد. فالكلمات أراها ترقص مترنحة، وشيئا فشيئا تتحرر من لباسها، وما بين إغفاءة ويقظة، ألفيتها عارية تضاجع جسدها في صورة الغيم. فكيف نفضت عنها غبار الخجل، والعفة.؟ كأني بها تقول: لا نشرب نخب الحقيقة إلا إذا أشعلنا فتيل العناء في الجسد.! فالقاموس المستجعل لموته، أو فوته، لا يتكسر بين لهب الكلمات الفاقدة للحظات الولادة، بل يموت بين بسمات الشفاه المترنحة بالأكاذيب الممخرقات. فالفرق واضح، فالقاموس لا يكون دالا على الوجهة المقصودة، إلا إذا كان الحضور فيه بمنتهى الغيبة. وإذا تفاوتا في النسبة، فلن يكون إلا لفافة مدح تمسح بها أحذية الأوغاد، الأجاويد. تلك هي القصة التي ننساها حين نبني الكوجيطو بهذه الطريقة: أنا حر، إذن أنا موجود. أجل، قد يكون هذا صحيحا في استواء الدلالة على الوجود، والعدم، لكن إذا تنافيا في الصورة الطبعية، فلن يدل اللفظ على الحقيقة الخالدة. فكم من صراخ نسمع، وكم من نغم نسمع، ولا فرق بينهما في الهتاف الذي يزفر به القاصد. لكن ما استطاع منهما أن يفك العاني، كان أقرب إلى الشفاء الواقي. فصعب أن يصرخ الصوت الرخيم بين غيلان الغربة، وكان الأجدر به أن يغني، أو أن يرقص، لكي يدل على صوت الطبيعة، لكنه حين فقد الرفاق، لم يبق له إلا لطم الخدود، وشق الجيوب. وأنى له أن ينثر عقيقه بين كوكب لا ينطق فيه صانع ماهر بصوغ اللعنة، إلا إذا فاجر بكلامه، وفاخر بسلامته.
قد شفني الغرام المطل علي بين مستشرفات التلوين، وأنا لست إلا نظيرك في التكوين، ومتى ابتغيت عنه بدلا، أو حولا.؟ لكن من حزونة الحظ أن تمتلئ حقائبنا بالسؤال، ونكاد من شدة الوله أن نعثر على الجواب، ثم تتخطفنا صقور جارحة، فنقف عند حافة الخوف، والألم، ولا أمل لنا في القول، ولا في الفعل، بل من شؤم الطالع أن تتآكلنا دويبة الضجر، فنبحث عن الفصل، لا عن الوصل. تلك هي قصة حياة تحدث فيه الحوادث تباعا، ونحن في سهوم، ووجوم. فلا تهل، فالإيقاع حزين، والنغم رتيب، وإياك إياك أن تظنه لسان ضنين، لا، وألف لا، فأنا أحييك على ما حدث من تغيير، هو محمود عندي ومرغوب، ولولاه، لما تهاطلت علي أفكار تهنئك على المسير. فلا تتوقف، ولا تحد، فالإنسان ما هو إنسان، إلا لأنه يسير من منتهى اليمين إلى مبتدأ اليسار. فسر، وامش، ولا تمل. فما نقطعه، هو النقطة التي سنعود إليها في ساعة التلاقي، لأن محطة الوداع، هي مرفأ اللقاء. فالتاريخ جبار، وهو الأفصح عن البدايات، والنهايات.
إن ارتقاء هذا الكائن الإنساني، ليس فيما يغيره من قشور الظاهر، بل فيما يغيره من سيرة العقل المفكر. وهنا سيحس بأنه يتغير، ويتطور. وإذا فقد ذلك، كان مستلبا لغيره، لا تغيره نعمة، ولا نقمة. ولعلي أرى التغير الذي حصل لك، هو ما حصل لنا في صلاة السر، والغموض، فكلانا نشرب من الكأس نفسه، وإن اختلف المورد، واتحد المقصد. فالتغير الذي حدث في كنيسة عقلي، هو الحقيقة التي بينت لنظري في الحديقة شيئا يفوق ما تعارك عليه الصنوان، فذاك يقيد الأرجل، وذاك يقيد الأعين، وكلاهما لم يدخلا هذه الجنة، وأنى لهما بالدخول، وقد حبسوا الروح، وحجزوا الجسد، وظنوا أن ذلك مشاركة في تدبير مراسيم الطاعة، والعصيان. فسر، ولا تبالي، وعر من سيقان المعنى ما تشاء، فما أنا بذلك الذي يجلب بخيله في الحمى، رغبة في حصر النظرات عن احتساء نخب المشاهد، والمعابد. كلا، لا أخفيك أنني واثق بوصولك، ولو تولهت في الطيران، وخلت ما تريد الوصول إليه، هو ما ستصل إليه، وقد تصل إليه بلا ميقات محدد. وهل يجوز ذلك.؟ لو جاز في البعض، لما كان لنا رد، لكنه لا يجوز في الكل، لأن ما يختبئ في جؤجؤ الزمن، هو الآلة الحادة التي تفري ودج الحلم. فسر، ولا تعبأ بمن خالك ملكا له برسم الحقيقة. فالسير ضروري، ولولاه، لما تحررت من دنس حشر في ذاتي، وكنت به حفيا، ثم طالت غربتي، فألفيته حقيرا، لا يتولاني إلا لإرهاقي، وإزهاقي. أجل، تخليت عنه، وطردته، وأخرجته حسيرا، وحقيرا. فطرد هذا الفكر، هو نفي لوسواسه، وإذ ذاك، ستكون تلك الجميلة خدنك في الحياة الرضية، وإذا كانت، فلا ترض بوأد حياة غيرك، ولا تقبل بتنجيس داره بفكر لا يعيده إنسانا حرا كما خلق. هكذا يستحيل التغيير تغيرا في المزاج، وفي السيرة، وفي النظر. ولا شيء أجود في التعبير من الإيمان بقيمة الإنسان بعد التحرير. ودعنا من ذلك المصطلح المبتذل بلا حدود، ولا قيود. إذ رفع الشعار يتساوى فيه المؤمنون به، والكافرون، لكن ما يجعله دالا على حقيقته، هو عدم محاولة الإضافة إلى دائرته، لأن كل إضافة تفسد المعنى. وإذا أقررنا بهذا الحد في الإنسانية، وهي الحكم في القضية، فإن ما طرأ من تغير، ولا أخاله تغييرا، لا يجعلني أنكر ما حدث، لأن مقتضى التغير، هو أن يجِدَّ الشيء الذي نوقن به، ويلبس بزة غير التي عرف بها. وقد حدث ذلك، وهو الأكمل وجها في النمو، والبناء. فالذين يقتلون الإنسان في هذا العالم الغض بالفواجع، لم يكتملوا في النمو، ولا في البناء. إذ لو اكتملوا، لما اكتفوا بتلك النظرة الأولى إلى هذه الأفكار الساذجة. فلا عجب إذا كانت السذاجة وحيا يلهمنا كيف نقتل، وكيف نهدم، وكيف نفسد. لأن ما هو ساذج في الطبيعة، لا يدل على الفطرة، إذ السذاجة قسم تحضيري نلجه بعد الولادة. وما هو ساذَج، فهو قد قبل التعديل بلحاظ معين، لكن اليد التي عجنته، كانت ملطخة بالغباء، والشقاء. وكل ساذج ينتمي إلى عقل الحياة بقابلية الخطأ، والتسويغ. وهذا القابلية امتداد شيطاني في الإنسان، لأنها سبب العزلة المتفطرة عن الكراهية، والمؤدية إلى الكآبة، والسوداوية. وإذا حدث هذا، عاد الإنسان إلى طينه، وحينئذ، يقبل من الأشياء ما هو عسر على الإدراك، لا ما هو لطيف في الطبيعة، والخليقة، والحقيقة. وهنا تلبس السماء لون الدم، والأرض تُزرع بالأشلاء. فما أشد غباء هذا الذي رأى قبسة ضوء من شعاع، ثم حسبها عين النور الذي انغمس فيه الكون.
لا أراني تجاوزت حد الحكمة إذا قلت: من لم ير الكون نورا حقيقيا، عاش في كهوف الظلام، وإن ظن نفسه أنه نير الكواكب. فالأمر عندي ليس في إحساسك بالنور، فمن واجب احترام حريتك أن أتركك ونورك، لكن إذا وصفته، ولم تف بالنعت، فهنا تكون الغيرة على الحقيقة دليلا على تقديس النور. فالنور، هو المحيط الذي يقتل الظلام، ومن يلج بحبوحة النور، فأنى له أن يرى الأشياء صفاء، ونقاء. فأين النور.؟ ذلك الملتف في قلبك المزموم فمه بحكايات الشوارد الأوابد. فأزح عنه ما تكاثف عليه من غبار، وإذ ذاك، سيملأ جوانحك، ولا أحسبك لن تذهل به عما سواك.
وهكذا نحارب السذاجة، لأنها تبطِّئ فهمنا للأشياء، وتجعلها قابلة للخطأ، وموردا للتسويغ. وإذا لم يكن للرأي خطى، وخطوات، فأنى له أن يمتحن ذاته بمراده. فالخطوات التي نقطع بها هذه الصحراء، هي التي تجردنا من الفضول، والتطفل، لكي نصنع لصداقتنا أملا هادئا. فأحييك على هذا أولا، وأحييك على تمردك، وتذمرك، وإن وفى الزمن بشيء من الوقت الهادئ، وقفنا للإتمام، والإكمال.