شايلوك البرلمان المصري

فاطمة ناعوت
2016 / 9 / 5

أما "شايلوك"، فبالتأكيد تعرفونه. هو المُرابي اليهودي الجشع، في مدينة فينيسيا الإيطالية. كوّن ثروته الهائلة من المال الحرام واستغلال ضائقة المعزوين بإقراضهم المال بالربا الفاحش. هو أحد الشخصيات المحورية في مسرحية "تاجر البندقية" للعظيم وليم شكسبير. وأما الشخصية النقيض في تلك المسرحية، فكان "أنطونيو"، التاجر المحترم المنضبط الكريم الذي كان يُقرض المحتاجين دون فوائد ولا ربا. "سانيو" صديق "أنطونيو"، احتاج ثلاثة آلاف جنيه ليتزوج حبيبته “بورشيا”، فلجأ إلى صديقه "أنطونيو" ليساعده. واضطّر "أنطونيو" إلى اللجوء إلى "شايلوك" المُرابي، ليقترض لصديقه حاجته، على أن يردّها بالربا فور وصول أساطيله البحرية المُحمّلة بالبضائع والخير الوفير. هنا سنحت الفرصة للعجوز الشرير لينتقم من التاجر المحبوب ذي الشعبية الطاغية في المدينة.

“وماذا ستعطيني فوق القرض حتى أوافق أن أُقرضك؟" سأل شايلوك وإلماعاتُ الجشع والتشفّي تطفر من عينيه.
ابتسم أنطونيو في هدوء وقال: “أي نسبة مراباة تطلبها، أنا حاضر.”
ففاجأة شايلوك قائلا: “لن آخذ منك ربا. ولكن إن لم تردّ لي القرض في الموعد المتفق عليه، سوف أقطع من جسمك رطلا من اللحم، من أي مكان أريد.”

ضحك أنطونيو موافقًا وقد ظنّها مزحة. لكن شايلوك أصرّ على أن تُوثّق تلك المزحة السمجة في عقد مكتوب. وقّع أنطونيو العقد الوحشيّ، وهو واثق من سداد الدين فور وصول السفن الوشيك. لكن السفن لم تصل أبدًا، بتدبير خبيث من الشيطان شايلوك. فمَثُل الَمدينُ (انطونيو)، والدائن (شايلوك) أمام القاضي، الذي كاد أن يحكم بتنفيذ الشرط الجزائي في العقد، والسماح للدائن باقتطاع رطل من لحم المدين.
هنا ظهر المحامي الذكي مخاطبًا شايلوك: “حسنًا! لك أن تقطع رطل اللحم من موكّلي كما ينصّ العقدُ. ولكن من دون إراقة قطرة دم واحدة. فالعقدُ لا ينصّ على إراقة دماء، وإلا أصبحت جريمة شروع في قتل. وتلك جريمةٌ لن ترضى عنها هيئة القضاء.” أُسقِط في يد شايلوك السفاح، ولم يدرِ ماذا يفعل! واطمئن رأي القضاة إلى دفاع المحامي، فحكموا ببطلان العقد. ونجا جسد انطونيو من سكين شايلوك الغاشم، بفضل فطنة وذكاء المحامي الذي لم يكن إلا "بورشيا"، زوجة "سانيو"، وقد تنكّرت في زي محام رجل؛ لتردّ للصديق الطيب جميلَه حين ساعدها على الزواج من حبيبها.
تذكّرتُ تلك المسرحية الفاتنة وأن أستمع لتصريحات السيد "إلهامي عجينة" عضو البرلمان المصري السعيد، وهو يُفتي بضرورة ختان البنات، بل وحتمية "الجور" فيه. يعني أن يكون البترُ جائرًا عميقًا موغلاً. على نهج "اقطع للبنت عضو يطلع لها 24"! ما هذا الغلّ الذي يملأ صدرك أيها الشايلوك المصري تجاه طفلات مصر وبناتها؟! هل تعاني من عقدة ما سببت كراهيتك المُرّة للمرأة، كما كان شايلوك يكره أنطونيو؟! وكم رطلا من لحوم البنات يكفيك ليرتاح ضميرك؟
اللطيف في الأمر هو أن السيناتور عضوٌ في لجنة "حقوق الإنسان" بمجلس النوّاب. تصوروا!
أود أن أهمس في أذن شايلوك المصري بالمقولة الخالدة للشاعر الفرنسي "بول إيلوار": “مُنتهى الهمجية والتوحش يتجسد فى قيام الرجال بوضع التشريعات الخاصة بالنساء، عطفًا على تحديد المسموح لهن وغير المسموح به في جميع شؤون المرأة، حتى ثيابها!”
سؤال للسيناتور عجينة: “هل ستنجح في بتر لحوم البنات دون إهراق دمائهن كما طُلب من شايلوك اليهودي أن يفعل؟!