السرد التشكيلي في -المملكة السوداء- لمحمد خضير

شاكر حمد
2016 / 9 / 4

[ السرد التشكيلي في "المملكة السوداء" لمحمد خضير ]*

شاكر حمد

يجيب هذا الكتاب , ضمناً, على سؤالين مشروعين في الوقت الحاضر هما: - لماذا نستعيد " المملكة السوداء " الآن ؟
والسؤال الثاني... هل يوجد سرد تشكيلي ؟
حول إستعادة – إعادة قراءة - المجموعة القصصية " المملكة السوداء" بعد ما يقارب النصف قرن على كتابتها وإصدار طبعتها الأولى عام 1972 نقول أن ما ندعوه بروح العصر في الكتابة وتكنولوجيا المعلومات وبعد الطوفان الهائل من الكتابات من بما فيها التجريبية لم نجد ما يستوجب إهمال هذا المصدر السردي الرائد في ميدان القصة العربية وحتى اليوم. ورأينا وسنرى المزيد من الإكتشافات وأقول الأسبقيات السردية المنجزة حالياً قد ظهرت بوادرها كنوع جديد من السرد في قصص " المملكة السوداء".
فصلت المجموعة حال صدورها بين عهدين من كتابة القصة العربية /العراقية. ختمت عهد السرديات الواقعية القائمة على محاور أبطال مأزومين بالعقدة الإجتماعية. يومذاك كان محيط الشخصية الخارجي – الزمكاني – مرسوماً بخطوط عريضة وأحيانا بمساحات ضبابية, وبعيداً عن التفاعلات العضوية ما بين الشخصية في القصة وبين محيطها الشامل الذي تطوّر صعوداً إلى مرتبة البطل الحقيقي الموازي للبطل الإنسان في قصص " المملكة..." التي رسمت بوادر الرؤية الجديدة المافوق- واقعية وإستطاع كاتبها من إشغال الحيِّز المسموح لفضاء القصة, تصميماً وبناءً وفلسفةً إستحضرت الموجات التالية من الواقعية التأملية إلى السريالية والتجريد والميتافيزيقيا وموجات التشكيل المعاصرة وتداخلها ضمن التيارات السردية القصيرة كالمشاهد والمقاطع ومؤشرات الكتابة الرقمية. ومع ذلك حافظت سرديات قصص المملكة على المحاور الأساسية للقصة الواقعية ومقوماتها:
- الشخصية الواقعية ومتوالية الضياع والفقر والموت.
- فاعليّة زمن الحرب.
– الجذور المكانية للشخصية.
– النسيج وجغرافية القصة الورقية.

في الكتاب محاولة للإجابة على السؤال الثاني... هل يوجد سرد تشكيلي؟ وعبر رحلة إستكشافية في عوالم المملكة, ممراتها, مخابئها, أقبيتها, دروبها المهجورة, دهاليزها المظلمة يأخذك السارد إلى بواطنها التأريخية فتسمع صليل السيوف وصيد الوحوش وتسمع دوي إنفجارات الحروب... ومنها يقودك إلى السطوح المفتوحة, إلى الفضاءآت والشطآن والطرقات النهرية, وغابات النخيل.
من خلال تلك الرحلة - الحلم نقول أن تجربة السرد التشكيلي تضمنت مميزات الإنزياح المبكرة في تغيير بنية السرد القصصي وتجديد مفهوم الشخصية وشبكة العلاقات والوسائط المتصلة بها, رغم ظهور العديد من المحاولات التجديدية لكتّاب آخرين لكن إمتياز الريادة ووضوح مكوناتها ينحصر في قصص المملكة وتطوّر لاحقا في المجموعات القصصية التالية لمحمد خضير.
مهمة البحث في الظواهر الشكلانية/ التشكيلية لاتعني تجريد عناصر النص وتفرعاته من الأعمدة الأساسية في القصة وهي:
الفكرة والمضمون ومضمون الشكل
في قراءتنا لقصص( المملكة السوداء) تتبعنا ثلاثة مسارات سردية متوازية في الجريان وهي:
- المسار الواقعي ويتضمن الشخصية الواقعية ومصيرها وأصوات الرواة والأماكن والأزمنة.
– المسار التخييلي المنتج للميتافيزيقيا والرمز والغرابة. – المسار التشكيلي ويضمن طرائق السرد بدءاً من اللغة الشعرية مروراً بالإستعارة والفنون الحركية والتشكيلية.
وعلاقات تلك المسارات بثنائية الزمان والمكان.
وتم ذلك من بأصوات ناقلة وبمختلف النبرات والطبقات الصوتية لرواة على مستويات متدرجة من المعلومية بسير الأحداث والشخوص المتفاعلة معها, مثلما أشرنا إلى إقتباسنا من دراسة سيزا قاسم حول ثلاثية نجيب محفوظ. ورصدنا في قرائتنا لدور السارد في كل قصة ومستويات معلوميته وعلاقتها بالأنماط السردية المتداخلة في القصص ومنها السرد التشكيلي. ومن هؤلاء الرواة أطفال لايعلمون بما يجري من أحداث ويمرون على الوقائع بصفة شهود مستطلعة ومكتشفة وترى العالم لأول مرة, لذلك يلاحقهم ظل السارد التشكيلي المضمر والذي يتردد في نبرته صوت المؤلف.
كيف؟ .... وأين؟
لنطالع هذا المشهد من قصة ( الشفيع)..( جاءت سفينة ضخمة, ويمثل طرفاها رأسا وحش مفتوح الشدقين, وفي وسط السفينة كف برونزية ذات أصابع مضمومة وإبهام نافرة. كانت السفينة محمولةً على كتفي رجل يرتدي رداءً أسود أخذ يدور بها حول نفسهِ دورات سريعة, ودارت مع رأس الرجل المصابيح العديدة التي تمازجت أنوارها في لهب. وفي مركز السفينة تدور الكف البرونزية ببريق خاطف.)- وقد تم وصف المشهد وصفاُ تشكيلياً وإن المتابع الحقيقي هو الطفل المنبهر بالإحتفالية التشكيلية الليلية.
( أما الأطفال المحمولون على الأكتاف فكانت أعينهم تكتشف بعجب مولد ذلك العالم المصفوع العاري, المرفوع القبضات, المتحرك ببطء, تحت ستار الغبار الملون, براياته الهائلة العدد.)
نستدل على هوية سارد قصص المملكة, بوصفه رسام ومصوِّر, من خلال مواهبه التصويرية وحرفيته المتقنة في التصوير الثابت والمتحرك... فهو رسام وخبير بالآثار الفنية وغزير المعرفة بالفنون والخطوط والآثار والحفريات ومُفسر للكنوز والإيقونات رغم أنه يتمظهر بالحيادية في توجيه مسارات أبطاله وغاياتهم وبعضهم من الفتيان الباحثين عن الحرية في سيرورة هروب متكررة من التعاليم المشروطة بضوابط الخوف من المجهول, كالمدارس, إنها مواجهة غير متكافئة مع الأسئلة الوجودية.
وبرؤية هذا السارد تم تكثيف الظواهر الحدثية في لوحات ومشاهد سينمائية ولقطات سريعة وتركيبات صورية كولاجية متأثرة بالتيارات السريالية والتكعيبية والتجريد وقد أشرنا إلى أمثلتها في كل قصة وفي مجالها الخاص.
- تنافذ الجدل بين لاوعي الشخصية وبين متمماتها المحيطية ومن خلال الإنعكاسات والإيحاءآت والإشارات ودلالات العناصر المكانية.
فالإشارات إلى الموروثات والمدونات واللُقى المهملة والأثريات والمخبوءآت إنما تدل على جدليات – تشكيلية - تقوم مقام الوصف والتدوين والإبلاغ في تنمية مقومات الحالة الذاتية للشخصية المأزومة تأريخياً. ظهرت الشخصيات متدهورة ومزعزعة في مقوماتها الوجودية والعقلية وتعرضت إلى موجات من الضغط والقمع والكبت.
فالتدهور الذي يطال الشخصية زمانياً نجده مرسوماً في حفريات وتضاريس على الأبواب والجدران, مع تجاوب إنفعالات الشخصية وهواجسها مع العوالم المُتخيلة في الرسوم المعلقة والزجاج وإلى المخلوقات المجاورة للشخصية كمشاهد الصيد والفروسية ومقاربتها مع الإنفعالات الجنسية لفتاة (المئذنة) ,مثالاً, حيث يتصاعد الحدث التفاعلي السايكولوجي من خلال المصورات الجدرانية متمماً للحالة الشخصانية الجنسية (ولما كانت تقف في زاوية خزانة الملابس ومنضدة الزينة ذات الرف الواحد فقد إرتسمت في كلا المرآتين كجذع مثمر بتفاحات ماسية كثيرة ألهبها النهار العاشق بذراتهِ الشبقة......وعلى جانبي النافذة كانت جواري السجادتين المعلقتين تبارك إشتياق القلب المدمر على مرآة منضدة الزينة, كما أن قطط وغزلان سجادتي جانب الباب كانت تشارك في رقصة التآلف على مرآة الخزانة...)- المئذنة-

- نرى أن التشكيل هو الوسيط الناقل للفعاليات من مراكزها الواقعية إلى مناطقها الخرافية المتخيَّلة, وقد رصدنا تلك الظواهر وتحولات السارد فيها من وصف التداعي الشعوري إلى البوح بالمرئي الإشاري إلى فضاء الميتافيزيقيا الملونة وفعّالياتها الصاخبة وهي تتغلغل في الجانب الروحي من الشخصية وتعكس تداعيات أزمتها في رموز وإستعارات مجاورة لمصادر تبئيرها الواقعية.
- يتكرر فعل المجاورة, بصيغة توأمة الأصل والصورة, في معظم القصص, وبين الصورة وإنعكاسها وبين الشخصية وتوأمها الآخر. ففي ( الأسماك) على سبيل المثال كانت المجاورة بين عالمين مائيين ماء النهر الطبيعي وماء الأحواض – الإنعكاسي - الرمزي إنعكاسياً – الُمُصغَّر تشكيلياً - وسيرورة فعّاليتين سرديتين متوازيتين للعالمين العالم الطبيعي ومجاوره الرمزي ومن ثم تزامن الفعّاليات وتداعياتها ونهاياتها, كان السارد يتنقل من الوصف التشريحي إلى التأويل والإيهام. وحيث تتمركز البؤرة – الجنسية – فإن مدار التماهيات يغرق بالرموز والميتافيزيقيا الحركية الملونة ومنها دلالة الماء الجنسية, ودلالة موت الأسماك في النهر و موت الرغبات الجسدية – نهاية حلم الفتاة - في الشرفة.
- تُشكل الخطوط المتوازية في سرد الأحداث والتوصيفات والتداعيات العقلية أساساً في تخطيط المساحات الجغرافية لحركة السارد على شكل مقاطع ومحطات ومناطق رصد, فكان السارد يتنقل في المحطات من زاوية الوعي ومدونات الواقع إلى فضاء مجاور, حكائي أو تشكيلي أو رمزي سايكولوجي, وقد تكون وقفات السارد في محطات صورية وشاشات أو حواريات وبعدها تنقيب في حفريات وكتابات مسمارية ورسوم وأرقام كتبها مراهقون عابثون.

أدوات النقل والإبلاغ

– النقل التصويري, ويتضمن المنظور – وقفات الرواة - من زوايا ومستويات مختلفة, أعلى عين الطائر -...أسفل – عين الضفدع -... من جانب... من قريب – كلوز-... ونلاحظ في هذه التقنية خبرة السارد الحرفية, فهو لاينقل واقع حال الشخصية وعقدتها فحسب إنما كيف يرصدها ومن أي الزوايا تماماً كعمل مخرج التصوير في الفلم الذي يُحدد لكل مشهد نقاطه التصويرية – الأبعاد البؤرية - ومنها المُطلَّة على المحيط الخارجي كالمشاهد البانورامية.
ومن الأمثلة على هذه الآلية الوقفات في الشرفات والنوافذ ومناظر الأنهار وفعّاليات جريان الصور الجانبية المتحركة وقد إفترضنا هذا النسق التصويري ملائماً لتصويرفتاة المئذنة في شارع الكورنيش وقد إتبع الآلية, حرفياً, مخرج فلم الأُرجوحة السوري ومثله الفلم التلفزيوني العراقي .
في الإرجوحة, مثالاً, كان التصوير بعين البطل من النهر إلى الأعلى – عدسة عين الضفدع – وكانت الصورة الإنعكاسية للنخيل تتماوج مع حركة المياه أثناء السباحة بل إن اللقطات المتحركة كانت تتضبب وتختفي بسبب نقاط الماء المتراشقة على وجه البطل... (إنسحبت أمامه مسرعةً مع تيار المد اللاّمع القمم الساكنة المتقابلة لصفّي النخيل في النهر, وأعشاب وأشجار الضفتين, وكان النهر ينعطف على بُعد خلف البيت....وفجأةً قبل إنعطافه كانت الجذوع تنهال في المجرى الغامض المُظلل أو تتبادل أمكنتها من ضفةٍ إلى أُخرى وهي تُسرع في الإختفاء مع النهر..... ومن خلال القطرات التي تقفز أمام عينيه ونحوه شاهد المرأة تقف وسط التنور كجذع متفحم....)- الأرجوحة -
بدقة تعني الكلمات حركة الصورة الإنعكاسية للنخيل في النهر ( إنسحبت القمم الساكنة....والجذوع تنهال في المجرى الغامض...) أقول أن الذين أخرجوا الأفلام عن القصة لم يترجموا هذه السطور إلى صور.
وبعين الطائر من الأعلى نظر الصبي في (نافذة على الساحة) وشاهد الساحة وقت الظهيرة ودلالة الزمن التي رسمها ظل عمود الكهرباء, ومثله نظرت فتاة المئذنة من السطح إلى منظر المدينة البانورامي.
وفي القطارات الليلية كان التصوير سينمائياً, سريعاً, متحركاً ويعتمد تقنية التقطيع والتركيب – المونتاج والتصويرإتخذ السارد دور مخرج التصوير وتحديد زوايا اللقطات (من داخل العربة- من خارج العربة, منظور الصورة البعيدة, تصوير الخلفيات – من خلف الزجاج – من خارج المحطة –من الجانب منظور نوافذ القطار – من نافذة السائق الأمامية – عدسة صورة فوقية على السكة.....)
وفي المشاهد المظلمة كان التصوير ثابتاً ويميل إلى عصر الصورة بالأسود والأبيض كما في حكاية الموقد والشفيع وربما بوحي من قصص الليل.

– السرد الإنطباعي

وجدنا مقاربات من عصر الإنطباعية التشكيلية, مع لوحات كلود مونيه والشواطيء والأنهار والقوارب النهرية لنتأمل هذا المشهد وشعرية اللغة التصويرية... (وفوق الماء تمشي ظلال أجسام البحارة الذين يمشون على حافات السفن, وحول الصواري التي نُزعت عنها الأشرعة تتأجج النوارس, وهي بلون السماء, تخطف من قطع الغيوم البيضاء المستندة إلى رؤوس الصواري نتفاً تغزلها بأجنحتها المتحركة..) ورأيت أن من يصف هذا المشهد بهذه الدقة والإحاطة الشعورية لابد أن يكون من سكان الشواطيء ورساميها وأزعم أبعد من ذلك فأفترض أن كاتب القصة وصف المشهد في جلسة مباشرة على مسناية النهر كجلسة الرسام .

– التصوير المجهري
الذي يوهم المتلقي بعوالم متناهية الصغر وتتخذ بُعداً تشكيلياً بعد إغراقها بالضوضاء والميتافيزيقيا. ونعود إلى رؤية الكاتب – الرسام في المقطع الذي إقتبسناه أعلاه فالوصف الإنطباعي يتحول إلى الأعماق المائية فيرى التشكيل الملون وبكثافة الألوان وتدرجات القيم اللونية الخضراء للرسوم الخيالية المجهرية من إنتاج الطبيعة, لوحة تشكيلية من الرسم الميناتوري... (غيمةٌ خضراء – النوارس وهي بلون السماء – دروع حقيقية بلون أصفر....- حول رأس الصبية كانت التجاويف الخضر كالنجوم الخامدة – قطع الغيوم البيضاء – السماء بقسميها الأبيض والأزرق, الثعابين السود....صور وهمية من الثقوب في الصخور – صندوقاً صينياً مرصعاً بالعاج – رسوم طيور البحر المنقرضة – رسوم جنيات الماء – أشكال تشبه القلوب المزيفة المرسومة على أوراق اللعب.....) .
تركزت الأبعاد البؤرية في أماكن أخرى على الدلالات التأريخية وطبقات الأزمنة وبالتصوير المجهري لمعاينة الأرقام والحروف والخطوط العبثية وطبقات الأصباغ وتقادم السطوح الخشبية كما في متوالية التوابيت في قصة ( التابوت ) ولغة الإشارة واللمسة التشكيلية الدالة على شمولية التدهور في الوضع البشري ( تشير اللطخات والثلمات التي عليها إلى أن أذرعاً عديدة قد تناقلتها عبر زوابع وظلام وإنهيارات...).
وما بين السرد التصويري الشامل في توزيع التوابيت في صفوف هندسية – زعمنا بمقاربتها مع نسق القصيدة العربية العمودية - وبين السرد التشكيلي نستقريء فعل الحاسّة التشكيلية إبتداءً من تخطيط الشكل الهندسي للتابوت وتكراره وتحريكه ونقله وإعادته وتطوافه في المدن والقرى وإعادته... وأخيراً وبالرؤية التشكيلية السريالية يتحويل شكل التابوت إلى قاعة كبيرة. ومن هذا التأويل الفوق- واقعي نتجت متواليات – مجسمات – سريالية وتكعيبية لصورة الموت المتكرر. كان شبح الموت السريالي يحكم سطوته على السارد فيرى ظهور متواليات سريالية جديدة بتداخل الصور الإنعكاسية وتكرار النموذج وتشكيله في متواليات صورية جديدة (إخترقت الساحة قطة سوداء, من مكان ما, شطرها الضوء إلى مئآت من القطط الصغيرة التي أخذت تعدو في كتلةٍ واحدةٍ, مافتئت تنشطر إلى قطط أصغر فأصغرحتى تلاشت في الضوء..).
يقول ريكاردو الروائي والناقد وهو يبحث عن فاصلة عجيبة في قصص بورخس يسميها -الدهشة- ونزعم أن السطور التي إقتبسناها من قصة ( التابوت) تعني تلك الفاصلة المدهشة.
لم تتوقف التداعيات الصورية عند حدود التكرار من المجسمات الهندسية إلى تكرار صور القطط السود بل إتجه السارد إلى تخييل جديد تحولت في الشخوص الجالسة في المقهى إلى تماثيل تتحرك وتتناول الكؤوس في المقهى, وكان يرى مقاطع وأجزاء من الجسد التمثال تؤدي تلك الحركات. (قدح تخرج نصف قاعدته عن حافة المنضدة, لن يسقط, ذلك أن يداً خفية, اليد التي كانت رفعته ثم أرجعته إلى مكانه على المنضدة, لازالت تُمسك به...) . - هل نزعم أن هذا المقطع نموذج لقصة قصيرة جداً- .

حصل مثل ذلك الإيهام في الأسماك والقطارات الليلية والعلامات المؤنسة.
نقول إن قصص (المملكة السوداء) قدمت أنماطاً من التجارب السردية سبقت عصرنا التكنولوجي ومرجعية الإنترنت وظهور أنماط وتقنيات سردية جديدة ومنها ما يسميه الكاتب جميل حمداوي بالمايكروسردية ( مقال في صحيفة المثقف عن القصة القصيرة جداً ) وبتقديري أن المايكروسردية تعني في بعض حالاتها ما نجده الآن في سرديات المملكة السوداء وما نسميه السرد التشكيلي والذي إشتغل فيه محمد خضير قبل الإنترنت بعقود من الزمن وقد كشفنا في رحلتنا في قصص المملكة تلك البؤر السردية الشبيهة بمقاطع الكولاج التصويري وإفترضنا, خطأً , إمكانية (إستخراج- إنتزاع) قصص قصيرة كامنة في القصة الواحدة وذلك لأن بعض المشاهد والمقاطع, بحجم صفحة أو أقل, كانت على قدر كبير من الكثافة والتراصّ كقطعة نسيجية مصغّرة شكلاً ومضموناً وينطبق عليها مفهوم القصة القصيرة جداً. ولكن عصر (المملكة) غير عصر الإنترنت ولكل عصر قاريء ووقت للقراءة.

المؤثرات

يواجهنا سؤال عن المؤثرات التي لامست القصص وهيمنت على بناء القصة, الشكل والتصميم والمساحة الورقية ونرى الآتي: - الشخصيات الواقعية...وخاصةً النساء فهن حقيقيات كما أفاد بذلك الكاتب الفنان في حوار معه في مجلة (إمضاءآت).
أما الأطفال فقد إستدعاهم الفنان من بيئةٍ طفوليةٍ تسكن في ذاكرته.

- تأثير الهندسة الشرقية للبيت العربي المكون من غرف وسلّم وسطح وفناء مفتوح – حوش - وأبواب وسكان في الداخل وخاصةً النساء. إنعكست هيكلية البيت القديم على تصميم القصة فنجد الهياكل المعمارية الأساسية – الثوابت – والتوزيع للكتل والمساحات والفضاءآت والإنعطافات, إلتواءآت معمارية في النص وتقطيعات تحاكي الغرف وفيها تنطوي الأسرار وجذور الشخصيات وكالشجرة داخل الحوش تعني شجرة العائلة. وكما هو الحال في هندسة البيت التي تبدأ من مساحة جغرافية أُفقية مقسمة بإنتظام زائداُ كيان عمودي متماسك يحاكي وقفة الإنسان.
نرى الأبطال في المراكز الهندسية وهي مراكز أرضية, غرف, سلالم, طرقات, وفضاء... فمن المساحة الأفقية الجغرافية للسرد ندخل عالم المخبوءآت والأسرار التي على منوالها صممت البيوت الشرقية... مساحة للتأمل.. مساحة للدهشة... مساحة للحلم...مساحة للجنس.... مساحة للصدمة...
ويندر أن نرى شخصيةً مكشوفة خارج المكان. فالشخصيات تتناغم مع نبض العاطفة المكانية وتكتسب منها سحنتها الزراعية.أبطال المملكة يموتون في الغربة ولذلك وجد بطل الإرجوحة (حلمه) الأخير في القرية وفي ماء النهر. أو جنة الخلاص من عالم الحرب ( وفيما هو يسبح في مياه سعادته كان يحادث الطفلة وتخبره عن جدها الذي كان أيضاً جندياً ويقول كل الناس يصبحون يوماً ما جنوداً...) وبلسان الطفلة يُخبرنا الراوي بأن معادلة السعادة- الحرية تتكون من عالمين... الطبيعة الجميلة – المكان الأليف - أولاً والعالم الخالي من الحروب ثانياً.

– تأثير الجدران وما عليها من رسوم ومصورات وسجاجيد ونزعم أن التصاوير البريّة والحكائيات المصورة نفذت إلى أعماق القصص بشكلٍ أو بآخر, وتأثرت القصص بالنسيج الملون للسجاد ومساحته المكونة من أجزاء متناظرة وزخارف ملونة وموضوعات غرائبية متجاورة وتأطيرات زخرفية شعبية الملمس فكان تأثير السجاد يوازي أفقياً إمتداد مساحة القصة بينما تتصاعد الأحداث والشخصيات عمودياً. وكانت بؤرالتداعيات السردية تتصاعد في المصورات الجدرانية والمدونات الورقية والمخلفات المهملة بالتوازي مع تصاعد التأزم في مقومات الشخصية, بل إن الجدرانيات شهدت حالات من العنف والتوحش وموجات المخلوقات الغريبة إمتدت جذورها إلى أعماق التأريخ ومثلها الإيحاءآت بالجنس ورموزه التأريخية.

- فن الحكاية العربية وتحولات السرد من التبئير الواقعي إلى الخيال التنويمي في مسلسل حكايات السلاطين والجن والأميرات. وهنا تكمن اللعبة التشكيلية – فانتازيا – الإستعارة بإستدعاء المتضادات والغرائب إنطلاقاً من الرموز كالصور والوجوه , ذلك التنافذ السرّي للزمن الليلي الذي تراسل مع بقية العناصر التشكيلية-الخرافية في حكاية الموقد ونافذة على الساحة وكان السارد فيهما حكّاء قصص الليل وكان يروي لمستمع مُخدر بتراكم الخرافات وينتظر المعجزات السماوية. وكانت الخرافة تنساق بموازاة تطور الأحداث –حكاية الموقد – مثالاً, بما سميناه المتوازيات السردية.
يُنقب السارد في الغرائبيات واللاّمعقول إنطلاقاً من بؤرة الحدث المعقول مروراً بالشواهد والعلامات وسلسلة الدلائل الأثرية والشفرات والفانتازيا وصولاً إلى الصدمة. إن إستعراض الإكسسوارات تمَّ بزجها في حوارات مع محيطها ومجاوراتها من المخلوقات ويجري تصعيد الحدث ورسم الشخصية من خلالها فالشظايا والمرايا والمسبحة والمشط القديم والصورة الشمسية إذا جمعناها تكاملت أمامنا الشخصية الغائبة وإتضحت ملامحها.
كتب أحد النقاد عن أورهان باموق وعن إستنطاق الأشياء الجامدة كقطعة النقود تتحدث عن نفسها... نقول أن قصص المملكة حفلت بالعديد من الأمثلة الشبيهة بهذا النوع من السرد ومنذ وقت بعيد.

– تأثُرت بالتنقيبات الآثارية والأماكن الباطنية والأقبية المظلمة وهندسة السراديب والمدافن الفرعونية والكنوز الخرافية الغائرة في اللاّوعي الشعبي الحكائي. وقد تأثر ماركيز بهذه الحكايات – الف ليلة وليلة - ونفذت إلى سرديات روايته ( مائة عام من العزلة).

– تأثير فاعلية الزمن وتنويعاته,
الزمن الكوني الشامل , زمن الحروب والمرويات
زمن الشخصية الذاتي زمن الإنتظار.زمن القصة
الزمن الليلي الذي أضفى على السرديات مناخاً سكونياً, تنويمياً,

– مهيمنة البيئة وموروثاتها الشعبية.

– مهيمنة السيرة الذاتية

في قراءتنا للقطارات الليلية إستوقفتنا تقنية السيناريو والسرد التصويري المتحرك ومنه إلى السرد التشكيلي ويخدمنا تصريح الكاتب المنشور في كتابه – السرد والكتاب - حول هذه التجربة (جربت في قصصي ذلك النوع من الإسترجاع الصوري للواقع في حالتي التحفيز والتحريك سرعان ما تجاوزته إلى حالة التشكيل....مثالها قصة – القطارات الليلية -) والنبرات الصوتية وتباين سرعاتها. كان السارد يلهث مع سرعة القطار ويهدأ في محطات الوقوف ويتحول إلى حركة الأضواء ( الأضواء الشمعية... والكلاب الشمعية... والدخان الأبيض....) وتُقربنا تلك الإيحاءآت الصورية من بياضات وأوهام ذات دلالات في المضمون على شكل رسالة بيضاء تحملها إمرأة وتريد إيصالها لمجهول في الجبهات المجهولة.
– تأثير المدارس الفنية التشكيلية المعاصرة وتداخلها مع الفنون الأدبية كالشعر والقصة. أشار محمد خضير إلى تأثره بهذه الموجة في بعض قصص المملكة السوداء. – حوار في مجلة إمضاءآت -

وتزامن المؤثرات مع الموجة الستينية الصاخبة وتزامنها مع الأحداث السياسية والعسكرية الساخنة...( إنقلابات العراق – هزيمة حزيران – ظهور المقاومة الفلسطينية.....)
نقرأ هذا النص من دفتر ( العلامات المؤنسة ) ونستشعر فيه السيرة الذاتية للمؤلف في تنقلاتهِ (أُسافر مُطلاَّ ومحاذياً الصحاري وأسلاك التلفون وشواهد الطرق....مع الشمس الغاربة وحلول الليل.....من المرتفعات المحيطة أُشرفُ على السياج القديم تغطس فيه صخوره في ضباب الصباح المتسلل إلى داخل المدينة.)- العلامات المؤنسة -
ويتطلب الأمر,هنا , الرجوع إلى الشخصيات والأماكن والأحداثيات والإستناد إلى مراجع إسناد البحث ومنها مقالات الكاتب محمد خضير ومؤلفاته الأخرى. وجدت أحد المقالات له بعنوان ( الأب بالسدارة) المنشور في إسبوعية الصباح الثقافية. وطلبت منه أصل المقال لأستنتج مهيمنة صورة الأب القديمة وتسيدها كبؤرة مركزية مباشرة لقصص " المملكة السوداء" "وحكاية الموقد" وبصورة تأثيرية غير مباشرة على قصص أخرى. ونرى السيرة الذاتية تظهر في موجات عابرة تتوسط الحدث أو تجد مساحتها في ختامها كما ظهرت في صفحة دفتر العلامات المؤنسة. وفي كافة المواقف المتصلة بمحطات القطارات كالمقهى المجاورة للمحطة في قصة " التابوت" والبيوت القديمة كبيت قصة " المئذنة " وحتى شارع الكورنيش الموصوف فيها وفي " شجرة الأسماء" والطريق الريفي في "الأرجوحة" وحين نستعرض شخوص الرواة نرى أن الصبيان التلاميذ يروون ويشاهدون ويشهدون على تناقضات وقساوة الزمن وبتصورنا أن هذا التلميذ الباحث عن صورة أبيه هو كاتب جميع القصص. فيما مضى سؤلَ فلوبير عن الشخصية التي تُمثله في روايته مدام بوفاري قال أنا مدام بوفاري وواجه نابوكوف نفس السؤال عن شخصيات روايته لوليتا فقال أنا لوليتا. فالصبي أينما ظهر في قصص المملكة هو الدليل الدال عن محمد خضير.
....



* المحاضرة التي ألقيت ونوقشت في جلسة إتحاد الأدباء في البصرة صباح السبت 3/9/2016