4 سبتمبر: بدء تقويم هجري جديد أم فرصة للاندماج؟

ناجح العبيدي
2016 / 9 / 2

4 سبتمبر: بدء تقويم هجري جديد أم فرصة للاندماج؟
لا أحد يعرف كيف سيحكم التاريخ على "أنغيلا ميركل". ولكن من المؤكد أن اسمها سيرتبط إلى الأبد بالرابع من شهر أيلول/ سبتمبر . ففي هذا اليوم من العام الماضي قررت المستشارة الألمانية فتح حدود بلادها أمام مئات الآلاف من المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط وشمال افريقيا. لن تتذكرها الأجيال القادمة والمؤرخون مستقبلا بسبب نجاحها في تسريع نمو الاقتصاد الألماني أو تخفيض معدلات البطالة أو إنقاذ اليونان من الإفلاس. ولن تدخل كتب التاريخ لأن مجلة "فوربس" منحتها لقب أقوى سيدة في العالم لست سنوات متتالية . الكل سيركز على إرهاصات ما حدث في خريف 2015. ويبدو أيضا أن ميركل تشعر في قرارة نفسها بأن مصيرها السياسي سيتوقف على تداعيات أزمة تدفق اللاجئين. لا أحد يعرف ماذا كان يدور بخلد المستشارة الألمانية وهي تتخذ هذا القرار الخطير بمفردها دون عرضه على البرلمان الألماني ودون التنسيق مع شركائها في الاتحاد الأوروبي. هل كانت الصور المأساوية للاجئين عبر طريق البلقان والخوف من موت عدد منهم على الحدود الأوروبية هو ما دفع ابنة القس البروتستانتي للإقدام على هذه الخطوة المفاجئة وهي المعروفة بتأنيها في اتخاذ القرار؟ أم أنها رأت في مئات الآلاف من الشباب فرصة للحد من ظاهرة الشيخوخة التي يعاني منها المجتمع الألماني؟ أو أنها أرادت تلميع صورتها داخليا وخارجيا وهي تظهر مع لاجئين في صور "سيلفي" انتشرت حول العالم وأثارت إعجاب الكثيرين؟
ومها كانت الإجابة فقد دخل منذ سبتمبر 2015 وحتى الآن اكثر من مليون لاجئ ، نصفهم من سوريا والبقية تأتي بالدرجة الأولى من العراق وأفغانستان، أي تلك البلدان التي تشهد حروبا أهلية دامية يتحمل مسؤوليتها بالدرجة الأولى الإسلام السياسي المتشدد. ووسط هؤلاء استغل أيضا فرصة فتح الحدود الآلاف من الجزائر والمغرب وتونس وباكستان، أي أن الأغلبية الساحقة من اللاجئين جاءت من "دار الإسلام". كان من الواضح تماما بأن موجة الهجرة الجديدة ستغير وجه ألمانيا وربما أوروبا كلها. وفي ظاهرة ملفتة للنظر شهد خريف عام 2015 ما عرف بثقافة الترحيب التي شاعت وسط المجتمع الألماني حيث وقف الآلاف من الألمان في محطات القطارات لاستقبال الوافدين الجدد. وعمت ألمانيا حملة تبرع غير مسبوقة قام خلال عشرات الآلاف بتوزيع ليس فقط الماء والمواد الغذائية ولعب الأطفال والملابس وإنما أيضا عربات الأطفال والدراجات الهوائية والأثاث، بل وحتى بتبني قاصرين أجانب. وتطوع الآلاف للعناية بالمهاجرين ومساعدتهم في خطواتهم الأولى في المجتمع الجديد. من جهتها أقدمت الحكومة الألمانية على تغيير جذري في سياستها في مجال اللجوء والهجرة. ولا يقتصر الأمر على تخصيص قرابة 20 مليار يورو سنويا للإنفاق على إيواء ومعيشة اللاجئين وتوفير الرعاية الصحية لهم. ولحسن حظ ألمانيا واللاجئين معا فإن البلاد تمر حاليا بفترة انتعاش اقتصادي ساهم في تحقيق فوائض مالية غير مسبوقة. وبدونها كان الوضع سيكون مغايرا تماما. من جهة أخرى شرعت الحكومة ببرنامج غير مسبوق لدمج الوافدين تضمن تقديم دروس مجانية لتعلم اللغة الألمانية ودورات تدريبية لرفع مستوى التأهيل المهني للمهاجرين والإسراع بمعادلة شهاداتهم. حتى الشركات أعلنت عن برامج خاصة بها لمساعدة السوريين والعراقيين والأفغان وغيرهم في الانخراط في سوق العمل. ويبدو أن ألمانيا يحدوها الأمل أيضا بأن يساعد الوافدون الجدد في ضخ دماء جديدة لإنعاش التركيبة الديمغرافية المترهلة للمجتمع ولتغطية النقص في العمالة الماهرة في بعض المجالات رغم أن انه هناك أكثر من 2,5 مليون عاطل عن العمل.
غير أن تحقيق هذه الآمال لا يتوقف على الجانب الألماني فقط، وإنما بالدرجة الأولى على تصرف المهاجرين واستعدادهم للاندماج في مجتمع مختلف حضاريا وثقافيا. وبطبيعة الحال فإن من السذاجة التصور بأنهم سيردون الجميل إلى ألمانيا لأنها احتضنتهم وأنقذتهم في فترة حرجة في حياتهم . فكل المتاعب التي رافقتهم أثار رحلة الهروب من أوطانهم الأصلية تصبح بالتدريج طي النسيان. ومن كان يحلم بالأمن فقط سيطرح عاجلا أم آجلا مطالب جديدة ومتزايدة قد يصعب تلبيتها. وسينشغلون بمتاعب الحياة في المجتمع الجديد وسيواجهون الكثير من الأسئلة حول التعامل مع محيطهم الجديد. والسؤال الهام هنا: كيف سيرد اللاجئون على قرار ميركل الإنساني بفتح الحدود؟ هل يندمجون في المجتمع الألماني أم يتقوقعون وربما يحاولون تغيير المجتمع وفق تصوراتهم؟ وهل يتكيفون مع القيم الجديدة أم يتمسكون بعاداتهم وتقاليدهم التي جاؤوا بها من بلدان تعيش صراعات وحروبا دينية ومذهبية أكلت الأخضر واليابس وشوهت العقلية والسلوك الاجتماعي لأجيال عديدة؟ من المؤكد أن جزءً كبيرا ينظر إلى هجرته على أنها بداية جديدة في حياته وسيستفيد من الفرص الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية ومن أجواء الحرية والتسامح السائدة في المجتمع الجديد. ولكن يصعب في الوقت الحاضر تقدير نسبة هؤلاء، لا سيما وأن تجارب دمج الجاليات المسلمة حتى الآن لا يمكن وصفها بالإيجابية. ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى عوامل ثقافية وحضارية. فمن الواضح أن عنصر الدين يلعب دورا محوريا بالنسبة لأغلبية المهاجرين القادمين من مجتمعات مسلمة، بل وبينهم إسلاميون متشددون يحلمون بتكرار تجربة الهجرة على غرار ما فعل نبيهم محمد عندما هاجر من مكة إلى يثرب هربا من ظلم قومه. ولم يشكل هذا الحدث بداية لتقويم جديد فحسب، وإنما أيضا منعطفا هاما في تاريخ البشرية.
ويبدو أن مفهوم الهجرة تغيّر لدى المسلمين. فبعد انتقال محمد وأتباعه إلى يثرب في خطوة شكلت اللبنة الأولى لبناء إمبراطورية مترامية الأطراف، أصبحت الهجرة تعني عادة الخروج من "أرض الكفر" إلى "أرض الإسلام". وهذا ما يحاول تنظيم الدول الإسلامية/ داعش تطبيقه في القرن الواحد والعشرين من خلال إغراء الآلاف من الشباب المسلمين المقيمين في أوروبا على ترك "دار الكفر" والذهاب إلى سوريا والعراق بغرض "الجهاد" وقتل السوريين والعراقيين. لكن مقابل هؤلاء هناك مئات الآلاف والملايين يسيرون في الطريق المعاكس، من "بلاد الإسلام" إلى "بلاد الكفر" أو "دار الحرب". فهل سيسعى هؤلاء إلى أسلمة المجتمعات الجديدة كما فعل نبيهم قبل 1400 عام عندما أنشأ بالقوة دولته الدينية في يثرب؟ فمن الثابت تاريخيا أن النبي اللاجئ تعامل بقسوة مفرطة مع أي صوت يعارض مشروعه الديني والدنيوي في موطنه الجديد وصل إلى حد تصفية وذبح يهود يثرب وتهجيرهم رغم أنهم سكنوا يثرب قبله بقرون. وللأسف فإن مسلمين كثيرين يعانون من لعنة التمسك بالتاريخ. ولعل مجرد تداول كلمات مثل "دار الإسلام" و"دار الحرب" بين رجال الدين المسلمين وعدد من أتباعهم وترديد أحاديث منسوبة إلى النبي محمد عن الهجرة هو بحد ذاته دليل على تعلقهم بمفاهيم يُفترض أن الزمن قد عفا عليها. وهناك مخاوف جدية من أن ترافق هذه اللعنة بعض اللاجئين إلى ألمانيا. فمن بين هؤلاء أقدم اثنان على تنفيذ اعتداءات إرهابية هذا العام: الأول لاجئ أفغاني شاب طعن ركاب قطار في جنوب ألمانيا وقتل خمسة منهم، والثاني لاجئ سوري نفذ أول تفجير انتحاري في تاريخ ألمانيا على الإطلاق عندما فجر نفسه أمام مهرجان موسيقي في مدينة أنسباخ في جنوب البلاد . وللأسف يصعب التكهن بأن هذا الهجوم الانتحاري سيكون الأخير. ولكن المشكلة الأكبر تكمن في صراع القيم. فمن الواضح أن قسما كبيرا من المهاجرين من العالم الإسلامي غير مستعد لتقبل قيم الحضارة الأوروبية. ولا يقتصر الأمر هنا على الموقف من حقوق المرأة أو مشاركة البنت في دروس السباحة ومصافحة الذكور للإناث والزواج القسري للفتيات وغيرها، بل يمتد إلى رفض مبدأ فصل الدين عن الدولة والتمسك بوضع الدين والشريعة فوق الدستور والقانون. وبعكس بقية السكان من أصول مهاجرة لا تزال أغلبية الجالية المسلمة في أوروبا ترى في الدين العنصر الحاسم في تحديد "هويتها" على الرغم من أن الدين هو أخطر عامل فرقة واحتراب بين المسلمين أنفسهم. ويتجسد رفض الثقافة الأوروبية أيضا في الموقف المتناقض من حرية العقيدة والتدين المكفولة في ألمانيا ولأوروبا. ففي حين تستغل الحركة السلفية والجمعيات الإسلامية المدعومة من تركيا والسعودية وإيران هذا المبدأ للتبشير بـ"الدين الحنيف" وسط أتباع الديانات الأخرى ولشراء كنائس وتحويلها إلى مساجد، لا يزال اعتناق أي مسلم لدين آخر يُعتبر جريمة لا تُغتفر. من جانب آخر نجح المسلمون في فرض "رموز" دينهم ، أو بالأحرى رموز الإسلام السياسي في الحياة العامة. فقد انتشرت ظاهرة الحجاب في المدارس والجامعات والمرافق العامة واحتشاد المئات للصلاة في الشوارع بطريقة استعراضية، وبدأت موضة لباس السباحة الإسلامي "البوركيني" تغزو الشواطئ والمسابح الأوروبية. و"تطوعت" مقاصف العديد من المدارس والمعاهد بإبعاد لحم الخنزير من قائمة الطعام خشية "استفزاز" مشاعر الطلاب المسلمين الأتقياء رغم أنهم أقلية. وأصبح من المألوف تهديد المطاعم القريبة من الجوامع في الأحياء حيث يعيش عدد كبير من الأتراك والعرب لمنعها من تقديم المشروبات الكحولية. ومن المرجح أن صراخ المؤذن عبر مكبرات الصوت سيوقض قريبا المسلمين و"الكفار" في العواصم الأوروبية في فجر كل يوم لتذكريهم بأن إله الإسلام أكبر من بقية الآلهة. ولا تزال أغلبية مسلمي أوروبا وبعكس أتباع الديانات الأخرى غير مستعدة لتفهم أن الدين قضية شخصية وأن لا مكان له في الدولة والسياسة والمدرسة والجامعة وشاطئ البحر. ولا يحتاج المرء إلى خيال واسع ليتصور كيف ستكون مطالب الجالية المسلمة عندما تزيد نسبتها عن 10% من السكان. ومن الملفت للنظر أن عددا كبيرا منهم لا يشعر بالولاء للدولة التي يعيش فيها منذ عقود ويتمتع بمزايا نظامها الاقتصادي والاجتماعي. وهذا ما أثبتته المظاهرة الضخمة في مدينة كولونيا الألمانية عقب الانقلاب الفاشل في تركيا عندما احتشد نحو أربعين ألف شخص من أصول تركية مرددين هتاف "نحن ألمانيا" المثير للاستغراب. وعبروا فيها عن دعمهم للنهج الاستبدادي لزعيمهم المحبوب رجب طيب أرودغان في تعارض صارخ مع الرأي الشعبي والرسمي السائد في ألمانيا. ومن المرجح أن هذه التجربة ستشجع الإسلاميين "الأوروبيين" على التفكير بدخول معترك العمل السياسي في القارة العجوز تحت راية الإسلام وتأسيس حزب على غرار حركة الإخوان المسلمين. وسيحاول مثل هذا الحزب استغلال الحريات الديمقراطية والادعاء بتمثيل "الجالية أو الأقلية المسلمة"، مستخدما النهج المعروف القائم على إقحام الدين في السياسية. ولا يستبعد أن تشهد بلدانا أوروبية في المستقبل غير البعيد استقطابا بين الإسلام السياسي وبين اليمين المتطرف الأمر الذي ينذر بتدهور الثقافة السياسية في أوروبا وتوفير أرضية خصبة للشعبوية.
ومما يدعم هذه الفرضية التي قد تبدو الآن أقرب إلى الخيال، حقيقة أن المجتمع الألماني عموما، وباستثناء جماعات اليمين الشعبوي والمتطرف، يبدي تراخيا غير مسبوق في التعامل مع المظاهر الإسلاموية. فحتى الآن لا تُظهر القوى الديمقراطية تمسكا صارما بالقيم والمعايير الأوروبية مقابل التمدد الواضح والسريع لقيم الإسلام المحافظة. ولعل الجدل حول منع النقاب والبرقع يجسد هذا الموقف المتهاون. فباسم الديمقراطية والتسامح تتحفظ الأغلبية على تحريم ارتداء النقاب رغم أنه يتعارض تماما مع تلك القيم ويعتبر رمزا لامتهان المرأة. ومنذ أن أعلنت ميركل أن الإسلام "جزء من ألمانيا"، أصبح انتقاد هذا الدين من المحرمات تقريبا وتركت هذه المهمة للأحزاب والجماعات اليمينية والعنصرية التي تستغل ذلك لتأجيج مشاعر العداء ضد الأجانب وتكسب المزيد من الشعبية على حساب القوى الديمقراطية. وعلى الرغم من أن ميركل تعتبر مقولتها الشهيرة تلك محاولة للتقرب من مسلمي ألمانيا وتشجيعهم على الاندماج، إلا أنهم يرون فيها تنازلا واعترافا بالوضع الخاص للإسلام وتميزه عن بقية الأديان. فعلى الرغم من وجود مئات الآلاف من معتنقي الديانة البوذية، لا يخطر على بال ميركل وغيرها القول بإن "البوذية جزء من ألمانيا". ويعتبر هذا بحد ذاته إقرارا بأن صعوبة الاندماج هي مشكلة "إسلامية" بامتياز. ومن الملفت للنظر أن المثقفين والفنانين والمؤرخين الألمان الذين يتحمسون عادة لانتقاد المسيحية واليهودية والسخرية من رموزها، باتوا يبدون ترددا واضحا إزاء انتقاد الإسلام. ولا يعود ذلك إلى الخشية من ردود الفعل العنيفة للمسلمين فحسب، وإنما أيضا إلى الرغبة بعدم صب النار في زيت اليمين المتطرف. غير أن التجربة التاريخية تثبت بأن انتقاد الدين بذاته هو الخطوة الأولى نحو التنوير. وعسى أن تتذكر ألمانيا هذه الحقيقة قريبا، لا سيما وأنها تستعد للاحتفال بذكرى مرور 500 عام على قيام المصلح الألماني الشهير "مارتين لوثر" بتعليق أفكاره المناهضة للكنيسة الكاثوليكية على بوابة كنيسة فيتنبيرغ وسط ألمانيا، مطلقا بذلك حركة غيرت وجه التاريخ ومهدت لانتصار فكر التنوير وتكريس مبدأ فصل الدين عن الدولة. وهذا بالذات ما يحتاجه دين محمد في "دار الإسلام" وفي "دار الكفر" أيضا. وبدون ذلك سيصبح قرار ميركل بفتح الحدود قبل عام خطوة نحو المجهول. وبطبيعة الحال فإن أي فشل في دمج اللاجئين لن يعني انتكاسة كبيرة لألمانيا فحسب، وإنما أيضا ضربة قاصمة لمصالح الأغلبية الساحقة من الجالية المسلمة فيها.

د. ناجح العبيدي
2 أيلول/سبتمبر 2016