فى أصول الفوضى الراهنة

سمير أمين
2016 / 9 / 2

لن ينكر أحد مظاهر فوضى أخذت تتفشى كبقعة الزيت فى جميع مناطق العالم المعاصر، أو يكاد جنوبا وشمالا. سواء ارتدت هذه المظاهر أشكالا قصوى تتجلى فى بزوغ كيانات إرهابية أم اتخذت شكلا هادئا ظاهريا فى قبول صامت لتحكم النظام القائم بالرغم من انه فقد مصداقيته لدى الأغلبيات. حتى يسود هنا وهناك جو من الإحباط والإحساس بالعجز عن الخروج من النفق.

وسوف أقدم هنا تحليلا عما يبدو لى أنه السبب الرئيسى لهذا الوضع. ويتخلص طرحى فى إبراز الطابع المزدوج للأزمة الراهنة، وهى فى آن واحد أزمة تشغيل الرأسمالية من جانب وأزمة الحركات الشعبية فى مواجهتها لعواقب السياسات الليبرالية المزعومة الفاجعة من الجانب الآخر.

أولا: أزمة النظام الاقتصادى والسياسى الحاكم وطنيا وعالميا، والمعروف بالليبرالية المعولمة والمأمولة.

يتسم هذا النظام بدرجة من التمركز فى إدارة رأس المال قد ارتفعت لمستوى غير مسبوق فما حدث خلال حقبة قصيرة من الزمن (من عام 1975 إلى عام 1990) ليس أقل من نقلة كيفية من حيث درجة التمركز فى السيادة المالية. فقد انخفض عدد الاحتكارات العملاقة المتحكمة على صعيد عالمى إلى الخمس مما كان عليه فى المرحلة السابقة من حوالى خمسين ألف وحدة إلى ما لا يزيد على عشرة آلاف، وذلك بالاعتماد على نفس المعايير لتعيين حجم المؤسسات المعنية.

فأتاح هذا التحول الكيفى مزيدا من التمركز فى الاستيلاء على فائض الناتج لمصلحة أوليجاركيات محدودة العدد إلى أقصى حد، حل محل توزيعه السابق على اضعاف مضاعفة عددها من اصحاب الأموال.

وقد أثبتت التطورات اللاحقة خطورة تفوق درجة التمركز المحقق على مقتضيات ديمومة التراكم الرأسمالي. بعبارة أخرى صار هذا التمركز المفرط عقبة فى سبيل استمرار النمو الاقتصادي. لذلك بالتحديد دخل النظام فى أزمة هيكلية من أول وهلة من انجازه النقلة المعنية، أى انطلاقا من الثمانينيات فى القرن السابق.

ثمة تباين جوهرى بين مفهوم الأزمة الهيكلية ومفهوم الأزمة الظرفية العادية. إذ ترتدى الأخيرة شكلا يمكن وصفه بالحرف اللاتينى U بمعنى أن نفس التفاعلات التى تمخضت عن الكساد عند لحظة معينة قابلة بفعلها الذاتى ان تسبب العودة إلى النمو، بعد فترة قصيرة من الركود لا تزيد على بضعة أعوام.

هذا بينما للأزمة الهيكلية شكل آخر يوصف بالحرف اللاتينى L بمعنى أن التفاعلات التى آلت إلى الانحسار ليست قادرة على اخراج النظام من الركود. فليس من ثمة حل للأزمة بدون مناهضة فعل المنطق الذى يحكم تشغيل النظام. لذلك أقول إن الأزمة الهيكلية الراهنة ـ التى أهلت فى سبعينيات القرن العشرين ولا تزال قائمة بعد أكثر من ثلاثين عاما ـ لها طابع أزمة شيخوخة النظام الرأسمالى فى حد ذاته.

بيد أن مثل هذا النظام ـ غير القابل للاستقرار والديمومة ـ يخدم مصالح اجتماعية محددة وهى مصالح الأوليجاركيات الحاكمة حيث إنه يتيح مواصلة سيرورة التفاوت فى توزيع الدخل والثروة لمصلحتها، على حساب جميع الأطراف الاجتماعية الأخري. وبالفعل ما نلاحظه إنما هو صعود هذا التفاوت عاما بعد عام ولو على اساس قاعدة اقتصادية راكدة فى مراكز النظام.

على أن تغليب مصالح مثل هذه الأقلية الزهيدة يتطلب بدوره، فى المجال السياسي، إفراغ ممارسات الديموقراطية الانتخابية من مغزاها. الأمر الذى يترتب عليه تآكل مصداقيتها. كما أن تحكم مصالح الأوليجاركيات المعنيةعلى صعيد عالمى يتطلب اقامة ودعم ديكتاتورية أوليجاركيات محلية تابعة فى التخوم تشارك أسياد المنظومة العالمية فى نهب الثروات الوطنية. ويصعب لمثل هؤلاء الحكام ان يتمتعوا بدرجة معقولة من الشرعية فى نظر شعوبهم.

خلاصة القول إن المطلوب للخروج من أزمة شيخوخة الرأسمالية لا يمكن أن يكون غير الخروج من الرأسمالية ذاتها بصفتها المحددة لجوهر منطق تشغيل المجتمع. على ان رسم استراتيجيات فعالة للتقدم فى هذا الاتجاه يتطلب تعيين أهداف مرحلية متتالية يمكن انخراطها فى إطار المشروع التحررى الطويل الأمد.

ولعل من الممكن تلخيص أهداف المرحلة الأولى فى الخروج من الليبيرالية المعولمة والمأمولة. وقد سبق ان طرحت بهذا الصدد أمثلة من السياسات البديلة المطلوبة والتى أسميتها مشروعات سيادة وطنية مستقلة وشعبية وديمقراطية. قاصدا بالوطنية فتح هامش للتحرك على الصعيد الدولى حتى يفرض على القوى الإمبريالية أن تتكيف هى مع مقتضيات التنمية فى التخوم المعنية. واقصد ايضا ان انجاز تكتل قوى شعبية تضم الأغلبيات من ضحايا المنظومة الحاكمة المتأزمة يعتبر شرطا ضروريا لتحقيق المشروع.فيتطلب الأمر وضع حد للتفاوت فى توزيع الدخل وتطوير سياسات تميل إلى إنجاز عدالة اجتماعية صحيحة ذات معني. كما ان تبلور هذا التكتل التقدمى يفتح بدوره سبيلا لإبداع أساليب ديموقراطية مستحدثة.

يمكن نعت هذه المرحلة الأولى بطابعها بأنها رأسمالية دولة تميل إلى ان تتطور فى اتجاه اشتراكية دولة، بسبب توافر مضمون اجتماعى تقدمى يلازم دفع الخطة المعنية. علما بأن اشتراكية الدولة لا تمثل المرحلة النهائية فى التطور المطروح بل هى فقط كيان يفتح السبيل لاختراع وسائل لحم النسيج الاجتماعى على اساس تكريس مبادئ التعاون لتحل محل مبادئ الرأسمالية (المنافسة) فى مجال إدارة المؤسسات الاقصادية.



ثانيا:

أزمة حركات النضال من أجل »عالم آخر أفضل«

أضر مشروع الليبرالية أقصى الضرر بمصالح الأغلبيات الكبرى من الشعوب شمالا وجنوبا بالتحديد، حيث تم تخريب منهجى لمؤسسات الدولة والمجتمع. فخرج مشروع سيادة الأوليجاركيات الإمبرالية الحاكمة فائزا حتى استطاع ان يحقق أهدافه فى فترة بضع أعوام فقط.

ولم تثبت القوى السياسية التى كان منتظرا منها ان تناهض بقوة وفعالية هذا المخطط (مثل الأحزاب الشيوعية فى الاتحاد السوفيتى وشرق أوروبا، والأحزاب الوطنية الشعبية فى عدد من دول الجنوب)، لم تثبت قدرة على توقيف دفع الخطة الامبريالية. بل استسلمت القيادات الحاكمة للأمر الواقع فانحازت لليبرالية ، آملة بذلك ضمان بقائها فى الحكم. وقد أدى هذا الانقلاب الفجائى الى تفكك التكتلات الاجتماعية الوطنية الشعبية وإحلال انفراد سلطة أوليجاركية محلية فاسدة وخاضعة فى محلها. وكذلك تراجعت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الغربية حتى تحولت إلى جناح للتيار الليبرالي.

وقد فاجأ هذا الانقلاب غير المتوقع جماهير ضحايا النظام الجديد، التى وجدت نفسها بلا حيلة فى مواجهته. ولكن لم تلبث من جديد فى مواجهة تدهور أوضاعها الاجتماعية، ففتحت جبهات نضال من اجل الحفاظ على ما كانت اكتسبت من حقوق. إلا أن هذه الحركات أقيمت على قاعدة خط دفاعى فقط دون طرح بديل إيجابي، شأنها فى ذلك شأن جميع الحركات النضالية فى المراحل الأولى من ظهورها. ثم خطت الحركة بخطوات دفعتها نحو اختراع الوسائل التى تتيح ربط الحركات بعضها ببعض. وأذكر هنا بعض المبادرات التى اتخذت فى هذا المضمار مثل تأسيس المنتدى العالمى للبدائل فى القاهرة عام 1997 ثم انعقاد المنتدى الاجتماعى العالمى فى البرازيل عام 2001.

وفى مواجهة خطورة التحدى الذى تمثله سيادة الاحتكارات الامبرالية المعولمة ما هى البدائل التى طرحتها الحركات المناضلة من أجل «عالم آخر أفضل» كما يحلو أن نقول؟

اقترح هنا تصنيف الإجابات تحت العناوين الخمس التالية:

1ـ مشروعات تدعو إلى اتخاذ إجراءات من شأنها أن تحقق تقنينا صالحا للأسواق المالية والأخري.

ثمة عدد من الخبراء المنتمين إلى المدرسة الليبرالية (مثل stigliz ) الذين يلقون مشروعات اصلاحية من هذا النوع، المطلوبة والكافية فى نظرهم للخروج من مأزق الأزمة. واقتنع البعض فى صفوف الحركة الاجتماعية بصلاحية المنهج. أما أنا فلا أشارك هذه الأوهام التى أراها ساذجة، حيث إن الإصلاحات المطروحة لا تمس مبدأ البحث عن الربحية المالية بصفته المتحكم فى اتخاذ القرار فى شئون إدارة الاقتصاد.

2ـ العودة إلى نماذج إدارة الاقتصاد التى سادت بعد الحرب العالمية الثانية (الاشتراكية الديموقراطية الصحيحة فى الغرب، الاشتراكية السوفيتية والصينية، الوطنية الشعبية فى الجنوب).

لن يستغرب أحد من ازدهار موجة الحنين لهذا الماضى القريب. فالمقارنة بين انجازات النظم المعنية وبين التدهور المأساوى الذى لازم ازدهار الليبرالية تشجع بشكل طبيعى هذا الحنين.

بيد أن العودة إلى الماضى أى نمط الرأسمالية قبل حدوث النقلة الكيفية فى درجة التمركز فى السيادة على الأموال ـ إنما هى دائما أمر مستحيل التحقيق. فلابد من تصور استراتيجيات نضالية تنطلق من واقع الرأسمالية كما هى اليوم، وليس كما كانت بالأمس.

3ـ البحث عن توافق واسع على أرضية مشروع إنسانى الطابع . يقوم هذا المنهج على وهم إمكانية إنجاز تلاؤم اصحاب مصالح متناقضة من أجل دفع مشروع مشترك. واعتقد أن النظرة الساذجة إلى مشاكل البيئة تنتمى إلى هذا الصنف من الأوهام.

4ـ المشروعات الماضوية القائمة على التأكيد الخاطئ أن الماضى يوفر الإجابة على تحديات الحاضر. وقد ترتدى هذه المشروعات اشكالا ذات طابع دينى مزعوم أو طائفى طبقا للظروف المحلية.

5ـ إضفاء الأولوية لتكريس الاحترام للحريات الفردية.

لقد خلق الإحباط وخيبة الآمال فى فعالية النشاط السياسى ظروفا ملائمة للتقوقع على الذات والجماعات القريبة، وبالتالى إلى إعطاء الأولوية للحريات الفردية، ثم بذل بعض المفكرين (فى إطار التيار الفلسفى المعروف باسم «ما بعد الحداثة») مجهودا لتنظير صالحية هذا المنهج بصفته وسيلة تتيح تغيير العالم دون تغيير نظام السلطة.

لعل القارئ يلاحظ أن المناهج المذكورة يجمعها قاسم مشترك ألا وهو أنها لا تنطلق من استقصاء تحليل المضمون الطبقى الذى تتكمن من ورائه ممارسات الليبرالية المعولمة والمأمولة فى إدارتها للاقتصاد (وبالتالى بما يتمخض عنها من عواقب اجتماعية) وكذلك فى إدارتها لسياسة الدولة، وتعيين دقيق لما استحدث فى هذه المجالات.

سبق أننى نسبت هذه النظرة المنقوصة لما أسميته «الفيروس الليبرالي» الذى أنفذ جسم المجتمع من جميع مسامه حتى كرس سيادة أيديولوجية الطبقة الحاكمة المستحدثة (الأوليجاركيات) بصفتها الأيدولوجية السائدة فى المجتمع بكليته، بما فيه من طبقات شعبية.

ويرجع سر نجاح هذه المخرقة الفكرية إلى التآكل السابق فى فعالية النظم الثلاث التى حكمت بعد الحرب العالمية الثانية إلى منتصف السبعينيات (الاشتراكية الديموقراطية فى الغرب، السوفيتية فى الشرق ، الوطنية الشعبية فى الجنوب). والمقصود هنا هو تآكل مزدوج فى تناول عالية آليات إدارة الاقتصادات المنوعة المعنية من جانب وفعالية مناهج إدارة الصراع الاجتماعى والسياسى الشاغل فى إطاره. بعبارة أخرى لقد خلق هذا التآكل فراغا سياسيا وأيديولوجيا وفكريا يتجلى فى غياب نفاذ البصيرة لدى الجميع ولاسيما لدى المحكومين. فشجعت هذه الأمور المأساوية تحويل مركز ثقل الفكر والعمل من الأرضيات الحقيقية التى تمس بصفة أساسية إدارة الاقتصاد الليبرالى إلى أرضيات أخرى بعضها ملازمة للأولى (مثل البيئة والديمقراطية) وبعضها تتسم بالهروب نحو نقاش الغيبيات (الاهتمام بالحياة الآخرة).

خلاصة القول إن تلازم أزمة الحركات الشعبية وأزمة النظام الحاكم قد حال دون إمكانية إنجاز خطوات جذرية فى سبيل تجاوز حدود ما يسمح به نظام الحكم المعني. ثمة سبيلين يتيحان تجاوز حدود نظام أصابته الشيخوخة: سبيل الثورة بمعنى قيام الضحايا بتقديم بديل محدد مضمونة بنفاذ البصيرة.

وفى غياب ذلك سبيل الفوضى والانحطاط حيث يترك تطور الأمر لنفسه. علما بأن التاريخ يوفر أمثلة من هاتين المسيرتين.