التربية ثمّ التربية ثمّ التربية!

راضي كريني
2016 / 8 / 31

31-08-2016
التربية ثمّ التربية ثمّ التربية!

هل عمليّة التربية والتعليم في المدارس أصبحت مشكلة؟
أراد مؤسّسو دولة إسرائيل، أن تكون دولة يهوديّة (صهيونيّة، وعنصريّة) مرتبطة بالمشاريع الاستعماريّة، ونظيفة من سكّانها العرب الفلسطينيّين؛ ففشلوا، وبقينا في وطننا، بالرغم من جهنّمية خطط التشريد والترحيل، ووحشيّة الاقتلاع والقتل و... بقينا رغم "نداءات" القيادات الرجعيّة العربيّة للجوء، ومؤامراتها، وتحالفاتها الاستعماريّة القويّة و... بقينا، ونمونا، و...، وشببنا عن الطوق، ،وتحالفنا مع القوى التقدّميّة اليهوديّة، المناهضة للاستعمار والصهيونيّة والنازيّة، و...، وتعلّمنا، وانتصرنا على سياسة التجهيل والعدميّة القوميّة. لم نصبح حطّابين وسقاة ماء، كما أرادوا لنا ... وانتصرنا على سياسة سدّ الأبواب الجامعيّة في وجوهنا، بفتح الحزب الشيوعيّ أبواب جامعات الدول الاشتراكيّة في وجوه خرّيجينا؛ فتخرّج منها الآلاف من العرب واليهود التقدّميين، وقاومنا سياسة الخنق الاقتصاديّ لمدارسنا ومؤسّساتنا التربويّة بالعمل التبرّعيّ؛ فبنينا الغرف التعليميّة، والمختبرات، وجمعنا التبرّعات الماليّة، لشراء وسائل الإيضاح الضروريّة، ووزّعنا على الفقراء المعدمين الكتب والدفاتر و...، وأصبحت نوادي الحزب خليّة نحل للتثقيف ,... وللدروس، والدعم، والمساندة، والتحفيز و...، وللمساعدة في الاندماج بالمجتمع.
صبر أهلنا، وما رحلوا، وما استسلموا، قاوموا، وجاعوا وعطشوا، واكتفوا بكسرة خبز وشربة ماء، وعملوا وتعبوا، و ... هكذا تعلّمنا وصرنا... ودخلنا المجتمع الصناعيّ والزراعيّ وطوّرناه.
لكنّ العالم تغيّر بسرعة، ولم يعد العصر عصر صناعة، واتّسعت ثورة المعرفة، وازداد تأثيرها، لا بل تحكّهما، في المجتمعات؛ فما تعلّمناه لم يعد يكفي لمواجهة العصر، ومشاكله الاقتصاديّة والمعرفيّة والرقميّة و"الهايتيكيّة".
واليوم، تريد السياسة الرسميّة للحكومة أن تربط التربية والتعليم بسوق العمل، وللأسف نجد سلطاتنا المحليّة العربيّة "تشعبط وتلعبط" في هذه السياسة، وفي تحويل المدارس إلى مصانع علامات، ومراكز امتحانات نهائيّة ..
نحن نعيش أزمة إنسانيّة، ثمّ اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة و"هايتكيّة" وتكنولوجيا رقميّة واتّصالات ومعدّلات وبورصة!
لا يمكن لشبابنا ولصبايانا أن يصبحوا مبدعين في بيئة مهدِّدة، غير آمنة، مسكونة بالعنف، ومكسوّة بالقشور، ومغطّاة بصغائر الأمور وبالدونيّة، وبتخلّف الشرف، وبالعدمية ...
كما لا يمكن لشباب ولصبايا إسرائيل أن يكونوا إنسانيّين، وهم يعيشون في البيئة التي نعيشها، وعلى ثقافة الاستعلاء، والإقصاء، والحواجز، والإذلال، والاحتلال، والظلم، و... والفاشيّة، وبناء المستوطنات.
ما الذي نريده من عمليّة التربية والتعليم؟ خصوصا، وقد انتشر "التعلّم عن بعد"، ولم تعد الشهادات التي تؤهّل الشباب والصبايا للدخول إلى الجامعات، مقتصرة على مدارس وعلى جامعات إسرائيل!
عرض وزير التربية والتعليم، نفتالي بينيت، سياسة حكومته التربويّة والتعليميّة في المدارس الإسرائيليّة، وفيها يكشف عن أنّ أهداف وإصلاحات وزارته، إصلاح جوهريّ في تعليم اللغة الإنجليزيّة الاستهلاكيّة، تحت شعار: "أقلّ شكسبير، وأكثر عمليّ"، وتعليم رياضيّات خمس وحدات تعليميّة، وهدفه أن يتحدّث الطالب اللغة الإنجليزيّة المحكيّة وأن يكتب بواسطتها الرسائل الإلكترونيّة!
إسرائيل تعيش أزمة فكريّة تربويّة، والمشكلة الأعظم أنّ الذين يمسكون بزمام التربية والتعليم هم الذين خلقوا المشكلة، وساعدوا على تفاقمها.. تفرّغ إسرائيل مدارسها من مهامّها الأساسيّة في منح التلاميذ فرصة التعبير عن قدراتهم الإبداعيّة والحياتيّة! وتحشرهم في ثكنة عسكريّة، يمنع فيها ممارسات الهوايات الفنيّة من تمثيل وموسيقى وغناء ورقص و... ويعدّونهم لخدمة الصناعيّين ورأس المال.
ويسير معظم رؤساء السلطات المحليّة العربيّة على هُدى هذه السياسة، وعلى غير هدى .. على "هدير البوسطة فاضين البال"!