البوذيون فتافيت بشرية ؟!

ليندا كبرييل
2016 / 8 / 29

لا جِدال .. هذه " مينامي " متأثّرة بهرطقة الفلاسفة وفيها منهم عِرْق الإلحاد ! البوذيون والشنتويون صنميّون على كل حال ولا يعرفون الله.
. .. ؟ ما لك أنتِ ؟ كأنكِ مُطّلِعة على ضميرها ! هل طعنتْ في دينك أو أنكرتْ ما أتتْ به سماؤكِ لوصْمها بالإلحاد ؟ هل أعطاكِ الله الصلاحية لِرَمْيها بتهمة قائمة على الظنّ ؟ فَلْتطعنْ بدين أبيها كما تشاء، ألا يراهم العليّ القدير، ويعلم أنهم يعبدون أسلافاً وأصناماً وأشجاراً وجبالاً وطقوسهم وثنية بحتة ؟
مساكين .. لماذا لم يرسل لهم عظيم الرأفة والمحبة رسالة سماوية ؟ هل هم فتافيت بشر لِيحرمهم من دين سماوي فيتركهم منقوعين في الضلال ؟ كيف سأصادقُ هذه الضالّة ؟
. .. ؟ وكيف عرفتِ أنكِ مستقيمة وهناك من ينكر عليكِ هذه الاستقامة ؟
عجباً ، لم يبقَ إلا أن أمتنع عن وصْفهم بالمشركين لعبادتهم مئات الآلهة، بحجّة أننا نؤلِّه المقدَّسين البشر مع الله !
هي قاعدة على صدركِ ؟! لا هي ضالة ولا مشركة ولا ملحدة .. لا هي تعبد ما تعبدين، ولا أنتِ عابدة ما تعبد، والسلام.

وجاءني صوت مينامي بالجواب بأسرع مما تصورتُ . قالت :
ــ نحن شعب مؤمن . لولا هذه الطبيعة أكنّا اليوم في هذه الحياة ؟ كل ما فيها آلهةٌ، منحتْنا نعمة الوجود.
ــ بل إنه الله الواحد ! الذي خلقني وخلقكِ والذي خلّفكِ وهذا الكون وما فيه وكل ما يُرى وما لا يُرى !!!

كانت نبرات الحدّة في صوتي كافية لألجم اندفاع مينامي في الكلام الذي لا يعرف حتى استراحة المحارب، وتعبّر عن قلقي من هذا الجديد الصادِم، وضجري من صخبها .
تأملتني باستغراب ثم ردّتْ بلهجة متبرِّمة ملؤها الانتقاد :
ــ أي منطق عجيب هذا يشبه منطق تلك الأرجينتينية أليسّاندرا ! تتكلمون كأنكم مالكو الله والقائمون على شؤون الكون .. لي أن أردّ على دعواكِ كما رددتُ على تلك المغرورة التي لمجرّد أني انتقدْتُ تصوّركم لإلهكم ادّعتْ أن عابد الأوثان كافر ! لِمَ يحقّ لها أن تنتقد آلهتي ولا يحقّ لي ذلك ؟ أستطيع أن أحْكم على عقل متكلِّس من هذ الموقف فحسب .. هل تعلمين أن كلمة ( كافر ) لا نعرفها ولا وجود لها في حياتنا ؟ لا يهمّ ماذا يعبد الإنسان ؛ شجرة حجرة بقرة .. المهم أنه يعبد ما يدفعه إلى عملٍ يخدم به الحياة ويُسعِد الآخر، أنتم نرجسيّون غارقون في ذواتكم المشوّهة التي لا تعرف حرية الاختيار، أُحادِيّو التفكير تَسْتَميتون لسَلْب الآخر حقّه في التشكيك، تَصِمونه بالكفر والباطل لمجرّد أن يخرج عن قواعدكم المتصلِّبة التي قيّدتموه بها لاستعباده ..علّمني سيدي كونفوشيوس أنّ أُوْلى القواعد الأخلاقية : احترام المخالِف، لا يضيركم أن تقرؤوا أرسطو ونيتشه خارج كتبكم المقدسة ..
{ شمَّرَ الإعصار عن ساقَيْه .. الله يرحمك ..}
ويا للمهزلة أن لا يقتنع الإنسان بالمطروح فيُرمَى بالكفر ! لدينا مئات الآلهة .. لكِ أن تؤْمِني بمن تريدين منها، ولك أن تنصرفي عنها تماماً دون أن يرميكِ أحد بهذه الكلمة القبيحة ؛ الكفْر .. هه ~ كفّار ! أين القيمة الأخلاقية في نظام حياتيّ يدّعي أنه يحقق الإنسانية عندما يحرم الإنسان من حرية اختيار ما يوافق قناعاته ؟ قاموسكم اللغوي يعبّر عن عقل ضعيف قاصر متخلف ! نعم " ألسندرا " متخلفة ..
{ لا تؤجّلْ عمل اليوم إلى الغد .. تابعي~ }
جاءتنا المتقمِّصة روح الله تبشّرنا بقصص مضحكة لا تقلّ خرافةُ عما لدى البوذيين والشنتويين وخرافات كل الأديان، لا تمرّ على عقل طالب ابتدائية إلا واسْتَسْخفها، أساطير لا دليل عليها ولم يعايشها أحد ممنْ كتَبَ عنها، طرحَها عقل بدائي في رؤيته للكون وتفسيره للوجود.
لكمتْني مينامي المنفعِلة في كتفي لكمةً خفيفةً وقالت بصوتٍ هادرٍ وريقها يتناثر في وجهي :
ــ هاتي ~ حدّثيني عن إلهك هذا.
فمالتْ قبعة القش على رأسي من لكْمتها ثم غطّت عينيّ، وإذ بالرياح التي اشتدّتْ تحملها فتطير ثم تهْوي وتتدحْرج على الأرض وأنا أقفز وراءها . عدتُ بقبعتي أكرْكِر في الضحك ومينامي تلمّ ما وقع من حقيبتي، ثم وقفتْ واعتذرت بحرارة عن تصرّفها غير المقصود . وكان هذا المشهد إيذاناً مني بانتهاء فاصل الحدّة التي اعترتْني فجأة . لكن مينامي لم تنتهِ ولم تضحك ولم تهدأ ؛ بلغَ السيْل الرُّبى، وتابَعَ الإعصار اقتحامه وجرتْ الرياح بما لا تشتهي السفن :
ــ إلهكِ هذا .. كل شيء بأمره يكون ؛ خلقَ الحيوانات والحشرات والفيروسات والبكتريا المؤذية القاتلة والنافعة والتي انقرضتْ والتي ستظهر وتقتل البشرَ خليقته .. وخلق الصحارى التي يموت أهلها من قلة الماء ومدناً تغرق في الفيضانات .. وخلق بلاداً تحترق تحت الشمس وبلاداً لا ترى نورها .. وخلق الإنسان الأسود والأصفر والأحمر ليسْتعبِده الأبيض باسم إلهكم .. وخلقني أحمِل مرضاً وراثياً ستظهر إعاقتي منه مع الزمن وأورثْتُه لابني وخلقكِ أنت سليمة ..
{ عين الحسود فيها عود }
وخلق وجهاً يشبه القرد ووسيماً مثل كلارك جيبل .. وخلق لنا الزلازل والبراكين والأعاصير ومثلث برمودا وحرائق الغابات المرعِبة وأنتم في أمان منها ..
{ أيوووب .. صبرك يا أيوب }
مطّتْ شفتيها تعبر عن امتعاض وقالت :
ــ أليس من الأجدى صَوْناً لصورة إلهكم الاعتقاد بأن ظروف الطبيعة والجغرافيا خلقتنا بهذا التمييز وحكمتْنا بهذا العبث وساهم فيه الإنسان ؟!! ليس عيباً أن يخاف الإنسان من المجهول فيلجأ إلى قوى خارقة ليطمْئِن قلقه، لكن العيب وكل العيب أن تدّعي أليساندرا البلهاء أن اعتقادها هو الحقيقة الوحيدة التي تسْتوجب التسليم بلا نقاش .. هكذا علّمني كونفوشيوس !

ــ أراكِ مؤمنة بالأرواح الكامنة في مظاهر الطبيعة.
ــ وهل تشكّين في ذلك ؟ وأؤمن أيضاً بالروح الكامِنة في عقل الإنسان، الذي كبرَ وتطور وعْيه بفعل انخراطه مع أرواح الطبيعة، فطوّعها لمشيئته وإرادته المتمرِّدة فاستجابتْ له . علاقة روحَيْن ؛ أخْذاً وعطاءً، هل الحجر يُصدِر الشرَر إن لم يُقدَح ؟ ولكني لا أعتقد أبداً بأرواح الأسلاف التي تعيش في جنة بوذا النقية، ومقدرتها على حمايتنا من المصائب إذا لجأنا إليها، هذا دجل خداع وهْمٌ يماثِلُ كل وهْم يُسنِد المقدرة إلى قوى غامضة.
فأسْرعتُ باستغلال لحظةٍ توقّفتْ فيها لبلْع ريقها، وعاجلتُها بسؤال قبل أن تتابع غارتها الكاسِحة :
ــ لكني أرى في التلفزيون كبار رجال الدولة وكل من يطمح إلى النجاح يزورون المعابد، اِلْتِماساً لبركة الآلهة وسعياً لتقديم النذور، كما في ليلة رأس السنة، كيف تجدين هذا السلوك الذي لا يتفق مع ما وصل إليه عقلكم من تقدّم وتحضّر ؟
تأمّلتني ملياً ثم سألت باسغراب :
ــ وماذا في الأمر ؟ يحصل هذا في كل العالم، المتخلف منه والمتقدم، ما المانع ؟ أليس رجال الدولة بشراً ككل الناس يبحثون عن الطمأنينة والخلود ؟ نعم تناقض عجيب .. أن نرى عقولهم متطوّرة بينما يعيش وجدانهم على بركات الأجداد ! لكن الإنسان ما يزال رغم كل التقدّم الذي حققه يخاف من المجهول، ويفتقد القوة لمواجهة العالم الأرضي المعقّد فيهْرع للتمسّح بعالم القوى الخارقة، لعل وعسى ..
سكتتْ لحظات ثم استدركتْ :
ــ وما يُدريكِ .. لعل هذه الأعراف الاجتماعية سبيل للنفاق وكسْب ثقة الشعب لاعتلاء المناصب !

تركتْني مينامي وهرعت لاحتضان قطة صغيرة خائفة وهي تسأل من أين أتتْ، فما أنْدر رؤية حيوان سائب في الشارع، وأخذت تمسح برقّة على ظهرها فاطمأنتْ القطة لهذا الحنان وسكنتْ . ولما اقتربتْ برأسها من فنجان قهوة مينامي، رفعتْها ووضعت عينيها في عينيّ القطة وأخذت تحدّثها كأن القطة تَعي ما يقال لها :
ــ القهوة للكبار فقط ههههه، أعِدكِ أن أحمل لك في الغد حليباً.
لكن القطة ما فتئتْ تموء، وعلا صوتها، فرجتْني مينامي أن أمسح على ظهرها ريثما تشتري لها حليباً من ماكينة البيع الذاتي.
راقبتُ مينامي وهي تدور حول نفسها كأنها تبحث عن شيء ما، ثم اتجهتْ إلى صندوق القمامة، ومن بعيد صاحت بي وهي تصفّق : وجدتُها ! ماذا وجدت في القمامة ؟؟ وماذا تغسل تحت الصنبور ؟ آه ~ علبة بلاستيك ! ثم عادت ووضعتْ العلبة على الأرض وأخذت تصبّ فيها الحليب وهي تسأل : أين الشكر ؟ ثم ضغطتْ على رأس القطة كما يفعل اليابانيون مع أطفالهم لتعليمهم طريقة الشكر، فماءَتْ القطة، فضحكت مينامي قائلة :
ــ نياو شاطرة .. غداً سأحمل لك حليباً، لا تتأخري، وإلا ~ شربتُ حليبكِ ها !
انتهى الحليب، لكن القطة أخذت تعافر بضراوة لتحصل على اللعْقَة الأخيرة التي تبقّتْ في زاوية العلبة، فجعلتْ تقفز حول العلبة وتمرِّغ وجهها فيها . وأدركت مينامي غرض القطة، فحملتها لتشتري لها عبوة حليب أخرى، لكن القطة قفزت من بين ذراعيها وهي تموء مواء حاداً وأسرعت إلى العلبة ثانية تعافر بجنون لتحصل على آخر قطرة من مشروب الحياة، حتى استطاعت نَيْل حقّها بالقوة والمثابرة ! عادت مينامي ، وصبّت لها الحليب ثانية، فماءت القطة بصوت هادئ، فأجابتها مينامي : نعم هكذا .. عندما يقدّم لك أحد طعاماً اُشْكريه . سمعتُها تقول بصوت منخفض وهي تتأمّل ضيفتها تشرب الحليب بمتعة :
ــ ذكّرْتِني بابنتي عندما كانت صغيرة ..
هرعت القطة بعيداً عنا بعد انتهائها من تناول وجبتها، فراحت مينامي تلوّح لها بيدها وتصيح :
ــ رافقتكِ السلامة، اِحذري السيارات، أنتظرك غداً ها !

شعرتُ بتيار المحبة يسري في قلبي ويغمر كياني.
مينامي كهذا البحر البديع الذي أراه، في هيجانه وفي هدوئه وفي وَساعته.
أعشق البحر، أحبّ بوسيدون، أحب مينامي !

تملْملتْ مينامي قليلاً وهي تنظر إلى ترمس القهوة ثم قالت :
ــ نعود لموضوعنا، أين وصلنا ؟ انتظري، أنا كتلك القطة .. نشف حلقي، لا أستطيع متابعة الكلام قبل أن أبلّ ريقي بشفّة من القهوة.
راقبتني وأنا أصبّ القهوة في الفنجانين، ثم مدّت عنقها ونظرتْ في داخل الترمس، حدّقت في وجهي غاضبةً وصاحت :
ــ بخيلة !! شفّة واحدة فقط ؟ هه ~ وفنجانك يمتلئ إلى الحافّة !
غالبْتُ ضحكة المزْح، وأجبتها متصنّعةً الجدّ والدهشة :
ــ ماذا أغضبك ؟ أردتِ شفة قهوة فقدّمتها على طلبك.
فهدأتْ وقالت :
ــ قصدْتُ القليل.
وبكل برود صببتُ لها شفّة ثانية . حدّقتْ ثانية في وجهي ثم هزّت رأسها بأسف وقالت :
ــ نتابع الكلام.
فقلت أستفزّها :
ــ ما بك ؟ ها ~ تفضلي.
ورحتُ أملأ فنجانها نقطة وراء نقطة، وفي كل مرة أسألها إن كانت تريد المزيد، فتهزّ رأسها حتى بلغ بها الضيق أقصاه، فأرسلتْ نظرة بعيدة وتنهّدتْ ثم خاطبت نفسها :
ــ سمعتُ أن الأجانب بخلاء، وقرأت أن أرسطو كان يصبر على زوجته المُقتّرة.
مسكتُ الترمس ضاحكةً وقدّمته لها وأنا أقول :
ــ أنا اكتفيتُ، هذا كله لكِ.
انبهرتْ بهذا الكنز الذي هبط عليها من حيث لا تتوقّع .. ففركَتْ يديها بسعادة وقالت :
ــ يا لفرحتي ~ نحن اليابانيين نفخر بمشروبنا الأول : الشاي الأخضر، نعرف النسكافيه، لكني بالكاد أشمّ منها رائحة القهوة الزكية، أنتم الأجانب تشربون القهوة على الأصول.
ففاجأتُها بدعوتها إلى زيارة بيتي في الغد، لنشرب القهوة الأصولية ونتناول الطعام العربي، فغطّتْ وجهها بيديها، وكطفل صغير هزّتْ كتفَيْها وقالت بصوت مكتوم :
ــ حقاً ؟ أكاد لا أصدق !
لكنها انتفضت فجأة وقالت :
ــ غداً ؟ لا لا لا ~ يجب أن أقف صباحاً عند إشارة المرور لمراقبة الأطفال وهم يعبرون الطريق إلى باب المدرسة، ثم سأحمل الحليب للقطة في طريقي إلى بيت سيدة عجوز أساعدها في التسوّق، ثم أعود ثانية لمراقبة التلاميذ إن كانوا يلتزمون بإشارات المرور وهم خارجون من المدرسة، حرْصاً على سلامتهم.
ــ امرأة عاملة ؟
ــ لا، هذا تطوّع.
ــ !!! .. طيب ~ موعدنا بعد غد في بيتي، الساعة العاشرة صباحاً.
فضمّتْ كفَّيْها شاكِرةً وأسندتْهما إلى رأسها المُنْحني.

آن الأوان لِتضعي اسماً جديداً في أعلى قائمة أصدقائك :
مينامي ت .

يتبع

الشاي الأخضر ( ماتشا )
Macha

http://image.search.yahoo.co.jp/search?rkf=2&ei=UTF-8&gdr=1&p=%D9%85%D8%A7%D8%AA%D8%B4%D8%A7