إلى تلميذي النجيب

إبراهيم الوراق
2016 / 8 / 29

تلميذي النجيب:
إن اللحظة التي أحدثت ذلك اللقاء الأول، ما زلت أتذكر تفاصليها، وأتعهد تصاريفها. وأنى لها أن تنسى، ولا أن ترمى، لأنه جزء من تاريخ صيرورتي، ومرحلة من المراحل التي أسست ما مررنا على جسره من معان غامضة، وغريبة. لكن ما أثارني، واستفزني، هو ما قرأته في صفحتك من قرع، وقذع، وكأني به يفصل في ذهني بين مرحلتين، لم أك أتصور الثانية بعدما أيقنت بوجود الأولى. والأغرب أنني ذهلت لما اندس فيه عقلي من مخاضات صاخبة، ألفيت معها ذاتي مستلبة لما ينزف فيها من دماء مدارات واسعة. ولا أخفيك أنني تخيلت كيف تخرج تلك الكلمات من فمك، وكيف تدل على معانيها الحقيقية، وكيف صار لها أثر على شخص تحكمه طبيعة ورثها من صغره، وتربى عليها في كبره، لا لأنها أجمل ما نحله أب لأبنه، بل لكونها تذكرني بلحظة أدركت معها معنى أن نمدح أحدا في البداية، ومعنى أن نذمه في النهاية. وذلك متعذر في القانون الأخلاقي الذي نشأت عليه بين صخور بلاد حاحا، ومستبعد في تطور مفهوم العلاقات الإنسانية، ولو أدى ذلك إلى ظهور خلاف ما نطمئن إليه في لقاءنا الأول مع من كتب علينا أن ندرجه بين حنايا قلوبنا. فصعب علينا أن نخرجه لزلة حصلت، أو لمعرة طرأت، بل كُنُّه مخبوء في أعماقنا، لا يصل إليه طعن طاعن، ولا نشوز ناشز. إذ هو التصور الأول الذي لم يمتد في ذواتنا، إلا بعد أن رسمناه بأجمل ريشة نقدسها بأناملنا. وطبعي أن يتركنا لغيره، ومهما تغير الحال، أو المقام، بل ما تغير من ظواهر في السيرة المتآلفة، كان تبرجه ممتعا في عين تتذوق جمال الحركة القاهرة. ويا ليتني استمعت إلى جلجته كفاحا، حتى أحس بنزو ذلك الطفل البريء بين أطلال الماضي، وأشهد كيف صار جميلا، بعد أن تفطر صوت الطفل المشاغب في عمقه الدوي. فتصور معي كم كتم في صدره من آهات، وأنات.! وكم التف عليه غوره من بسمات، وطفرات.! وهو في تلك اللحظة التي التقينا فيها سُمَّدا لما يكبح جماح أنظارنا، لم يكن الأقدر على مجابهة البوح بالسر الذي التوى عليه، ولا الجهر بالرأي الذي يرنو إليه. وها هو قد زفر به، وانفكت عنه عقدة الخوف منه، ثم انطلق حرا، لكي يختبر عقله من ذاته، وقلبه من روحه.
فواها، واها، لم يشأ لي أن أسمعها صرخة مزلزلة، إلا بعد أن ولدت في مهدها آمنة من خوف الموروث، وتجاوزت من العمر عقبات كئودة، وصارت صوتا حقيقيا، له حظه من المبنى، والمعنى. ولأمر ما، لم يحق لي أن أسمعها ناقصة، ولا أن أحبس زفيرها لحظوظ خاسرة، بل سمعتها كاملة بلا خجل، ولا رهب، لكي أكون واثقا من أنها صولة لا يقاومها اغترار نجتر غصته في لحظة الفجوات العنيدة. فيا لها من لحظة جميلة، وأنا أتخيلك ضاحكا، أو ساخرا، وتقول بقولك الذي يضج من وراء ستار، وأنت لا تفترض إلا إنسانا بدون ملامح، ولا معالم.
ربما تتصور في ذهنك أنني كنت أرغب في ماضي العزم أن أكون أستاذك، وتكون تلميذي، ونكون معا تلامذة لشيء لا نمتلك بدايته، لكي نصل إلى نهايته. ربما تتصور ذلك.! وتلك فروض تركة ورثناها من المشيخة التي منحتنا رقاب الناس بجبروت التاريخ، لكي نسوقها إلى مسلخ الجمود، والركود. وأنى لي أن أنزل عن إنسانيتي، لكي أجسد ذلك المطلق الذي تُبنى عليه حياة تلامذتي، ثم أدع الحبل على الغارب، وأترك من يحبوني تائهين بين زوابع الانتشاء بصوابي، أو بخطئي. وحقا، لم أكن راضيا عن كثير ممن منحوني مفتاح باب العلم الذي تجرعت من حياضه لب سره، لا لأني لا أعير اهتماما بالآصرة التي تربطني بمشايخي، ولو لم يكن بعضهم في محل الأمن على عقلي، بل لكوني أيقيت بأن الأستاذ، لا يكون محل الثقة في بناء شخصية العلم، إلا إذا أحسست بأبوته، ورحمته، وأدركت فيه شقاءه، وتعاسته. والأب لا يراك في نقصك إلا كاملا، ولو عز عليه لجهلٍ أن يعثر على جوهرتك في قاع حبه، وعطفه. وأي أستاذ لم ينل مرتبة إخراجك من عبوديتك، فلا أمل لك فيما يزفه إلى ذاتك من صور، وألوان. لهذا أحببت أستاذي الذي أكمل نقصا يجوس حولي، وكرهت أن أنكس شيئا من خرافاتي التي رضيت بها في سري، لئلا أجد للاعتراض محلا في دائرة فكري، فأقول اليوم، أو غدا: إنه قد هداني إلى الحصيد، ولم يهدني إلى زرع الرصيد.
تلك هي حقيقة الأستاذ، ولا فضل له إن لم يطق أن يسمع صوت المكنون في الذات، ولو كان رشحا لرذيلة، أو غبنا في فضيلة. فكلاهما صوت الإنسان، ولا بد للأستاذ أن يسمعه، لعله يتعرف على خطوات المشي بين حطام الأفكار، والآراء، والمواقف، والاختيارات. ولذا، أقول لك صادقا: إن أفجع شيء ينال الأستاذ في رغبته، هو فقدانه للخيط الذي يربطه بتلميذه. ولا يضيع ذلك إلا إذا حدث الانفصال بين الدوائر المتحاورة. ولا يحدث ذلك إلا إذا أحس التلميذ بأنه أمام من يبحث عن عيبه، لا عن سموه. وهنا فقدنا سر الأستاذية التي احتاج إليها طول الزمن الذي مر علينا في البؤس، والشقاء.
إني أصدقك القول في أني أحس بامتعاض حين تقول لي: سيدي، وأضيف إليك، إني ترجيت أن تنعتق من ذلك القفص الذي كتب عليه أن تكون جزءا منه، لكي تشعر بشيء آخر لم تعتد على رؤيته في هذا الكون الفسيح، وتحس بأن ما نظرنا إليه، لم يكن منظورا إلا لأنه يقبل التعدد، والاحتمال. وأصعب ما يعترضنا في ترسيخ هذه المعادلة، هو جريُنا وراء ما ورثنا خطأه عنوة، وبحثُنا في الوقت نفسه عن ذواتنا في مستنقعات غيرنا. وهنا نكون بين صوارف عدة، فإن استيقنا بأحدها، ضاع منا سواها. وحينئذ نكون نسخة تطابق ما أريد منا، لا ما نحاول أن نبلغه في ذواتنا. لكني، ولو لم أرغب في أستاذيةٍ غايةُ ما وكل بها في زمن رديء، أن تكون استعلاء، وتمطيطا، وتزييفا، فإني لم أطق أن أكسر خاطرك، ولا أن أخبرك على اختيار ظن غير الذي عقدته في عمقك. فالنظرة الأولى التي تهبنا تصورا ذهنيا للأشياء، يكون تغييرها وعرا عند المحاولة، لأننا لم نكن ضحايا إلا لأخطاء في الذهن المفكر، ولن نكون عبيدا مع إيقاننا بالضياع إلا لفكر مستحوذ، ومتسلط. فلو أردت أن يقال لي: سيدي، أو أستاذي، أو شيخي، لما عدلت عن رسم الخطوات الحقيرة. وإذ ذاك، فلن أعدم في كبدي حيلا تصطاد بشباك أوهامها الغافلين، والكاسدين، فأنال بذلك ما يترنح به وضيع خال سماع التسييد هبة الأزل، ومنحة القدر. وأنى لي أن أعثر في كيس اهتمامي عن فكرة تجوز لي أن أكون بصفةٍ غيرِ ما عَنَّ لي أن أكونه إرادة، واختيارا. ربما قد يكون هذا اغترارا في محل يكون أسمى ما يتعزز به الناقص الاجترار، وربما قد يكون للكلام محمل آخر غير الذي انصهر في غورنا، لا يستظهره اللفظ، ولكنه مدسوس في أحشائه، ومخبوء في أوصاله. لكن أؤكد لك أني لم أصب بغرور، ولن أصاب به، وقد مر في زمن الغربة ما يجعل النجم ساطعا، والجبل شامخا. ولو أصبت به، لما انحنى رأسي إجلالا لما تحرر في كلية ذاتك. وما تبقى من جزئياتها القابلة للاشتراك، والتضاد، فالزمن الآتي قادر على بناء الحجرة المفتوحة على النسيم العليل، والفوح الظليل.
يتبع
هذا الاغترار سمة على من يستقوي بغيره، لا بذاته، وإذا أدركت في ذاتك ما لا يدركه سواك فيها، فأنت الأقدر على وصفها، والأجل في رسمها. وحين أصفها، أو تصفها، فكل واحد منا يمتلك حق لسانها الناطق. وإذا تجبر عليها أحد بالشقاق، وأراد أن يتحدث نيابة عنها، فقد أهال التراب عليها، وهي حية في مكامنها باتفاق. فالمعادلة إذن صحيحة، لأن عدم الجرأة على بدعة انتقاص قدرة الآخر، هو الدليل على انعدام الاغترار في ذوات تعبر عن تقديس حوزتها بنفسها، لا عن ادعاءِ غيرها أنه يمتلك حق وجودها، أو يحتوي حكمه على واجب إماتتها. وإذا تأكد لي ذلك، وجزمت به، وأيقنت بأنه عين ذاتي، ونبع طبعي، فلا أخفيك أنني كنت حريصا على أن لا ينفلت منك زمامك، فتصحو من سكرك، ثم تبحث عنه، فلا تجد بين الحبال المفتولة بخداع، ودهاء. ولعلي لا أراني أمتلك برهانا أكثر من صمتي على سؤالك التي ابتدرتني به، وأنت تتخلص من سكونك، لكي تعلن ثورتك على الموجود الذي لم تلبس فيه ثوب حريتك. وها أنت قد أسميته بعد مرورك على دروب منكوسة "اللامألوف"، بعد أن كان متوطنا في ذاتك، ومنتشيا في لذاتك.
لم أخنك الجواب، وقد كان مرمى النظر بعيدا، ومطرح الأمل أخفى على من رآه فوضى، وعبثية. فلم لم أنصحك في لحظة بهذه الجفوة التي تجيز الانتقام.؟ ربما قد يكون ذلك جبنا مني، وأنا أشد على طرف حبل يجر سانية أكرع منها حياة، وأمنية، وربما قد يكون لذلك تأويل آخر، لكن ما لا يمكن كتمانه، هو ما أشاهده من انتهاء حرية كل واحد منا في بؤرة كيانه، وإذا تجاوز حده، وتعدى طوره، عاقبته الطبيعة بقانونها الأعلى. فالهتاف، والشعار، والصراخ، كلها أقوال، ولا روح فيها، إذا لم تتحول إلى أفعال، وإذا أخذت حظها في الوجود، كان الحكم عليها بالسلب أو الإيجاب عدالة أسمى. فما نبنيه في لحظة الهوان من قناعات، قد لا يستقيم منطقه في ساعة الهدم بمعاول الاعتراضات. فاهدم ما شئت، إذا كنت تمتلك حريه في رفع عماده. إذ ما كان قناعة، أو ما كابدت جهده في إظهار دلالته المقبولة في عقلك، لن يزول إلا بانتهاء صحة حجته. وإذا تبينت ما اقتنعت به، وترسخ في رسم فكرك أنه يستحق الفناء، فما قولي أو قول غير إلا حشو لا قيمة له. فالسر الذي سيجعلك حقيقة، هو امتلاكك ليدك الممدودة في الفضاء، وهي تريد قهرا أن تجبر لقُبضتها الهواء. وهنا، لا نجني ذلك المبحوث عنه، ما لم نبحث عنه في ذواتنا، وإذا شخص بين أعيننا، وأحسسنا بالسيطرة عليه في كُنهنا، حينئذ لن يزف أحد عروسا مزينة بالقبح إلى عقولنا. فالأذهان يحق لنا بطبعها أن ترتسم فيها الصور، ولكن ما لا يمكن أن ينقش عليها، هو ما كل واحد خاضع لحتميته في واقع نعيش على سطحه بلا جدوى، ونغوص في عمقه بلا معنى. وتلك هي الحقيقة الذاتية التي لا يمكن أن يهبها أحد منا للآخر، لأن وجداننا الباطني، وما كتب عليه، لا يقرأه إلا صاحبه. والأغرب أن ذلك لغته الخاصة به، ولن يفهمها أحد سواه. فأعظم شيء يحجب قوتنا في مجال التربية، هو ما يريد الأستاذ أن يوصله إلى ذهن من يحبه، بل هو ذلك القرار الذي نثق فيه بعدم الطوبى، ولكننا مجبرون على القول به، ولو اقتضى ذلك أن نعاند الحقيقة، لئلا نكون سببا في طيش الحيرة، وسفه الشك. وهنا نكاد نختلف، فالأستاذ يدرك يقينا أن الأشياء لا تأخذ إلا غلابا، ولكنه يخشى أن لا تكون الولادة سليمة، فيصيرا حربا على من يريده آمنا. فلو حدث النقض لما هو مؤثل في السابق، لما كان وجوده سببا على الاتفاق. فهل تدري ماذا يعني ذلك.؟ ألا يعني إنهاء للأمل عقلك.؟ فالإدراك الفج الذي يغذي فينا هاجس الألم، هو إحساسنا بأننا نمتلك صورة المركب الذي نؤصله في حنايا غيرنا، ونحن لا نستطيع أن نفي بحق تلك القيمة الموهوبة لنا. ولا أجمل ممن منحك قدرته، لكي تستعين بها على تأسيس ذوقه في التفكير، والمعرفة. وإذا منحك خلاصة ذاته، فقد أقامك في محل روحه، وكل من نزل عن قراره لك، فقد أراد منك أن تغمره بمعنى في حياته. وهذا المعنى هو الذي يبحث عنه، وهو الذي صيره جوادا بأغلى ما يملك، وهو استسلامه لأستاذه، واستلهامه للحقيقة من صفته. فكيف يستحق هذا أن يرد على محله خبث الخيانة، وقد ابتغاك ماسحا لما تشاجر فيه من أحزان، وأوجاع.؟ فهل أطيق هذا، والجسد مثخن بالجراح، والعقل منتحب بالاختلاف، والقلب مضرج بالاغتراب، والروح ساهمة بين ديار لفها صداع، وضجيج، وعويل.؟ فالمعنى الذي تبحث عنه، هو ما فاض به الحزن عندي، وهو الذي يذود عنه من أغرق ذاته في سبة الدفاع عن عجزه بأخس الوسائل. وإذا أردت أن أكون ذلك الكتاب المبين عن المبتغى، فلا محالة، سيكون لزاما علي أن أعيد كل من نطق بجوامع الحكمة إلى أثر ذلك المنطوق به منذ سابق الأزل، ليدل الكلام على المعنى المحبر في أصل اللغات قبل تطورها. لأن قيمة ما سأنطق به، هي روحه التي دلت عليه التجربة في سني الأحوال. فهل أطيق الاستدلال على النطق بقابلية الفاعلية المتجددة في الزمان، والمكان.؟ إني لا أطيق ذلك، إذ ما تراءى لنا أنه الأكمل، لم يكن يومه دليلا على أمسه الأنقص. وهنا يعسر علي أن أصف الدواء، وأنا لا أجزم في وصف النتيجة.! وإذا أردت الجزم، فقد أقمت ذاتي في ذاتك، وحينئذ، لن يكون لصوتك صدى في الوجود. فنحن لا نمتلك القدرة على إرجاع الزمن، لكي نجد البسمة على وجه من دعونا إلى الأخلاق الفاضلة، ثم ساقونا إلى مجثم الذل بالفظاظة الجائرة. وهب أننا ابتسمنا، وأدركت في ابتسامتنا معنى الصدق، فهل ستنفي عنك آلامك، وأوجاعك.؟ قد يتحقق بعض ذلك لحسن ظن، وأنى له أن يكون قائما على امتداد الزمن الواصل بين الفرح والقرح بلا تراخ.
وما دمنا نبحث عن ذلك المعنى، وهو المرغوب لنا في كل إهانة نذل بها ذواتنا لغيرنا، فصعب علينا أن نزرعه، ولا أن نحصده، بل تحمل عبء إنهاء هزيمة الإنسان أمام نزواته، وشهواته، هو المغامرة التي يتكلفها من جلس فوق القبة اغترارا بنهاية وصل أحشائه بصوت الأشياء. وذلك هو الكذب الحقيقي، وقد اختاره الحقراء لدرء سبة الجهل المكتوبة على جباههم النتنة. فكيف يستطيب أن يحول هذا الوغد المرارة إلى حلاوة، وهو يدرك أن ما يبنيه من جنان، ما هي إلا صورة رسمها للقربان، ونتيجة لشيء يدبر مكيدته بإمعان. فالصورة واضحة، واختلاف الفكر، والواقع، هو الذي يبدد كثيرا من هدوئنا، وأماننا، وإذا فطم منا أحد عن حرج هذا التنافي، فهو الأنسب في الإتباع، والتداني