سوريا واللعبة الدولية المتجددة

بدر الدين شنن
2016 / 8 / 29

سوريا بين لعبة دولية انتهت ، وأخرى قادمة . كان هذا عنوان مقالي السابق . وما قلته في ذاك المقال ، لم يكن مجرد توقعات ، وإنما كان فهماً واقعياً ، لمعاني أمور عدة :
- معنى أن يكون العالم تحت هيمنة القوى الدولية الرأسمالية المطلقة .
- معنى أن التنافس الدولي الراهن ، يجري تحت سقف أسلوب إنتاج واحد ، بين قوى العالم الواحد ، بديلاً للصراع الوجودي بين عالمين متعارضين ، كما كان في القرن الماضي .
- معنى أن تقوم حروب ظالمة مزيفة ، في هذا العالم ، باسم " ثورات حرية وجهادية " بزعم إجراء تغييرات بديلة لواقع سيء ، بمضامين وغايات هي أسوأ في الشكل والمضمون لما تدعي تغييره ، وبأساليب مدمرة متوحشة ، مخالفة لأبسط القيم الإنسانية .
- معنى أن تكون كل القوى المتحاربة في سوريا .. محكومة بعلاقات خارجية معنوياً ومادياً ، وخاضعة للإملاءات ، والقرارات ، والحلول الدولية .
- معنى أن ما يحدث من أزمة .. وحرب .. في سوريا .. هوجله نتاج صراع - جيوـ سياسي دولي - ، وأن الطرف الأقوى في موازين القوى في هذا الصراع ، هو من سيقرر مصير سوريا .

ومن أسف أن كل السياسية السورية ، المتعارضة والمتحاربة ، رغم أنها تفهم ذلك أيضاً ، فهي تستمر في تجاذباتها .ز وصراعاتها .. وتذابحها .. ورهاناتها ، ليس على قدرات قواها الوطنية الموحدة ، وإنما على معجزة - صفقة - دولية ، ترجح ميزان القوى لحساب هذا الطرف أو ذاك ، أو تتوصل القوى الدولية فيما بينها ، إلى الحل السياسي - الصفقة - الذي سيقوم حكماً على مساحات التراضي بين القوى الدولية .. قبل مساحات التعبير عن وجهات النظر الحوارية ، العبقرية ، بين القوى والشخصيات التفاوضية ، تستمر .. بل وتستبعد بأي شكل من اللقاء ووحدة الصف .. للانتقال إلى ممارسة دورها الوطني الفعال ، ونقل سوريا من الحاضنة الدولية ، الصديقة ، أو المريبة ، إلى استقلالية حراكها ، وقرارها ، لدحر الغزاة من خلال جبهة تحرر وطني سورية شاملة .

ولما كانت ملامح ومؤشرات اللعبة الدولية القادمة تبدو في الأفق ، فقد كان واضحاً أن اللاعب السوري الوطني مستبعداً .
وقد بدأت هذه اللعبة كما أشرت في مقالي السابق ، بلاعبين كبار ، ومهرة ، ويملكون آليات وفعاليات تحقيق الإنجازات المحددة الجديدة المطلوبة .
ما نراه الآن يجري في سوريا وحولها ، هو اللعبة الدولية ، التي تدور فصولها ، متسارعة ، مفاجئة . وأكثر من فوجئ وذهل من سيناريوهاتها ، وحركاتها المسرحية ، هم السوريون .. والسوريون هم الآن وحدهم يدفعون الثمن .

كان كثير من السوريين يتصورون ، أن القوى الدولية المعنية بالشأن السوري ، بصدق ، أو بخبث ، ستوصلهم إلى ما يرمون إليه .. أن يترسخ النظام من طرف .. أو أن تتمكن المعارضة من القفز إلى الحكم من طرف آخر . ولم يتصوروا أن القوى الدولية ، إنما تعمل لصالحها هي ، واستراتيجيتها هي .. وما على السوريين سوى انتظار فتات ما تتفق عليه من حلول .

الخديعة في هذه اللعبة هي ، أن اللاعبين الكبار ، أميركا ، روسيا ، إيران ، تركيا ، يظهرون أمام الجمهور ، أنهم على تناقض لا حل له ,, وعلى خلاف عميق لا يسمح بالتسويات والصفقات في المستقبل المنظور ، ويتحركون في لقاءاتهم تحرك الخصوم ، دون أن تشي لقاءاتهم بجدية على المسرح .
كانت تركيا في وضع حرج جداً مع روسيا ،وعداوة قاتلة مع سوريا ، ودماء بينها وبين الكرد وداعش . وكانت تصر على منع الكرد من إقامة كيان كردي على حدودها مع سوريا ، وتواصل دعمها المكشوف للجماعات المسلحة بما فيها داعش .
وروسيا تواصل دعمها لسوريا ، وترفض أي تدخل عسكري تركي مباشر في الحرب السورية ، وتدعو لحضور الكرد جلسات مفاوضات الحل السياسي ، وتطلق القاذفات الحربية العملاقة من " همدان " في إيران لضرب الجماعات الإرهابية في سوريا ملوحة باستخدامها في أي مواجهات مع الآخرين في الشرق الأوسط .
أعقب ذلك المشهد التالي :
- ناطق إسرائيلي يعربد قائلاً : إن إقلاع طائرات روسية من إيران مقلق لإسرائيل .
- وزير الخارجية الفرنسي ، يردد ببغاوية الموقف الإسرائيلي : نحن قلقون من تزايد القصف في سوريا .
- وزيرة سلاح الجو الأميركي تدخل السياسة من هذا الباب وتقول : استخدام القاذفات الروسية من إيران يعقد الوصول إلى حل .
- الكرد يفتحون معركة الفيدرالية الكردية في سوريا .. وسط استعداد أميركي لتنفيذ التزاماته العسكرية والجوية .
- لافروف يتجاوز نتاج حوارات جنيف وفيينا ويعلن ، ينبغي حل الأزمة السورية وفقاً للقوانين الدولية .
- جون كيري يهدد في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن سوريا مع روسيا ، فإن أميركا ستستخدم إجراءات لإطالة أمد الحرب .
- وزير الدفاع الروسي يؤكد حتمية إنهاء المعارك في سوريا قبل نهاية هذا العام .

وفجأة هناك من قلب الصفحة .
- أردوغان التقى بوتين في موسكو .
- وزير خارجية تركيا يزور طهران .. ويقوم نظيره الإيراني خلال أيام بزيارة أنقرة .
- الكرد يعبرون الفرات غرباً .. ويفتحون معركة الحسكة .
صار الصراع في سوريا قومياً قاطعاً بالكامل تقريباً مع الصراع المذهبي .
سوريا تدين الهجوم الكردي في الحسكة .. تركيا تهدد ،ن إن اقترب الكرد من حدودها ستتدخل ..
بوتين يسحب قاذفاته من إيران مطمئناً أميركا وإسرائيل وفرنسا ؟
لافروف وكيري بلا مواعيد مكوكية .. لا جنيف سوري آخر في الأفق .. ديمستورا .. يلعب الغولف بانتظار فرصة للتعبير عن حضوره .
الأمم المتحدة أغلقت النافذة على سوريا .

خلال أيام ظهر المشهد التالي :
المواجهة الكردية التركية دفعت داعش للا نسحاب من جرابلس ، ويقال أن داعش سلم جرابلس لأر دوغان بموجب اتفاق استراتيجي بينهما. حيث انسحب دون أن يطلق رصاصة واحدة . ودخلت الدبابات التركية ومئات الجنود الأتراك إلى الأراضي السورية ، يتقدمها " الجيش الحرالمعارض " .
وحققت تركيا احتلال جرابلس .. ليس إسقاطاً للفيدرالية الكردية ، وإنما إحياء للحلم الأردوغاني العثماني . والكرد بناء على الإملاءات الأميركية أعدوا أعتدتهم لعبور الفرات شرقاً

المشهد التالي يكاد يسدل الستار على فضيحة العصر التاريخية :
- الائتلاف السوري المعارض رحب باحتلال تركيا لجزء من أرضه الوطنية .
- داعش ذريعة التدخل التركي انسحب دون قتال ، ويات الأمر احتلالاً مفتوحاً على احتلالات تركية أوسع في الأراضي السورية .
- بايدن نائب الرئيس الأميركي أيد احتلال تركيا لجرابلس .
- سوريا احتجت .. استنكرت لعدم التنسيق معها في عملية التدخل التركي في جرابلس
إيران طالبت تركيا بالتنسيق مع سوريا ضد داعش
- بوتين حادث أردوغان وطالبه بالتنسيق مع سوريا والقوى الدولية في الحرب ضد الإرهاب .

.. لا صوت لمجلس الأمن الدولي .. لا صوت لجامعة الدول العربية .. لا صوت لباريس ولندن وبرلين .. لا صوت للاتحاد الأوربي .

وقد برز في هذه اللعبة لاعبان إقليميان سوف يجلبان الأضواء في الأيام القادمة .. هما الكرد وداعش .. والسؤال المتعلق بذلك حكماً هو من يقود الكرد في جبهاتهم المتعددة ، في مواجهة الدولة السورية ، وتركيا ، و
داعش .. ومن يقود داعش بعيداً عن تركيا وإعادة الانتشار إقليمياً ودولياً
يوازيهما لاعبان دوليان مكلفان بإدارة تجاذبات .. وحوارات .. وسيناريوهات .. وصفقات اللعبة ، هما " سيرغي لافروف " و" جون كيري " اللذان يحتكران الأضواء السياسية ، ويستقطبان الأسئلة ، حول ما يتفقا ن أو يختلفان عليه في الحرب السورية .. حول تقاسم النفوذ من خلال الحلفاء والموالين لكل منهما .

يقابل كل هؤلاء لاعبان سوريان .. يصنعان أسطورة سورية نوعية معاصرة ، في مقاومة الغزاة .. وصنع النصر .. والنهوض من جديد .. هما الجيش .. والشعب .
المطلوب الآن وبإلحاح شديد ، كي تكتمل الأسطورة بأقل الخسائر والدماء .. وأقل ما يمكن من الوقت .. أن تقوم القوى الوطنية بتشكيل جبهة موحدة شاملة .. ينبع اسمها من المهام المكلفة بها .. وهو .. جبهة التحرير السورية .