الجنس في الرواية -5- المثقف العراقي والجنس

سلام إبراهيم
2016 / 8 / 27

الجنس في الرواية -5-
العراقي المثقف والجنس
فتح الباب.. جاوز العتبة.. كبس زر مصباح السلالم.. تدفق الضوء شلالًا ليسقط على الكتلة المتكورة بموضع ليل البارحة نفسه. اقترب منها ظانًّا أن أخيلته بدأت تخرج من نطاق غرفة الشقة.. لكنه عندما مدَّ يده ولمس معطفها الثقيل، تأكد أن الجسد المطروح على سلالم المبنى حقيقي.. صعد درجة كي يتبين الوجه المخفي بياقة المعطف الطويلة، فأطل على قسمات امرأة تسقط في نومٍ عميق.. بدت شديدة البراءة وكأنها قسمات طفل.. نزل إلى الفسحة أمام الباب حائرًا.. ودفعًا للشبهات، أطفأ النور ودلف إلى الشقة.. البرد شديد ودرجة الحرارة تقترب من العشرين تحت الصفر:
- ستتجمد!.
قال لنفسه متذكرًا ما قرأه قبل أيام عن مئات الروس المشردين الذين يقضون في الشوارع بردًا كل عام.. ملأ الكأس.. صار كلما عبّ واحدًا ازداد صحوًا، فغادرته الأخيلة إلى أن وجد نفسه ينفجر ببكاء غامض، وكأن عزيزًا جرحه في القلب:
- الشقة فسيحة دافئة والفراش متوفر.. فَلِمَ تدعْ هذه المخلوقة المسكينة تنام على السلالم في البرد؟!. سأل نفسه، لكنه لا يدري من تكون؟!. وما قصتها؟. يضاف أنه لا يجيد اللغة.. في لحظة خاطفة تخيل نفسه أنه تعرف إليها في رواية من روايات «ديستويفسكي».. فطالما شغلته تلك الشخصيات المسحوقة المدمنة للخمرة والعذاب؛ حيث لمس باطن عالمها الدفين في حياتها على الورق.. حتى أحبها أشد الحب وهو يجد فيها من عذاب أبيه السكير شيئًا حينما هجرته أمه، وجعلته يعيش في غرفة داخل البيت، وحيدًا مع خمرة ليله وأغاني زهور «حسين».. كان ينفلت في بعض الأيام صارخًا شاتمًا ويضربها في محاولة يائسة؛ كي يستعيدها دون جدوى.. وعندما أدرك محنة أبيه وبدأ ينسج معه علاقة صداقة متأخرة، لكنها لم تستمر طويلًا؛ إذ اضطر إلى الهرب وتركه وحيدًا.. هب من جلسته وجعل يدور كالمسعور بأرجاء الغرفة.. خرج إلى الشرفة.. حدق في الظلام الشاحب والثلج المتساقط بحفيف خفيف كخطى متسللٍ.. دخل إلى الغرفة.. عبر عتبة المدخل.. استدار نحو المطبخ.. عمَّر كأسًا.. عاد إلى المدخل.. احتدم.. فتوجه نحو الباب المسدود صارخًا:
- ليس عدلًا.. ليس عدلًا!.. ليس عدلًا!.
فتح الباب.. كبس زر المصباح.. انحنى نحوها.. ربت برقة على خدها الأبيض المائل إلى الاحمرار..أبعد أصابعه الوجلة.. المرأة تغط عميقًا في نومها.. شدّد من قوة الربت.. وببطء شديد تحركت الأهداب مرتجفةً.. تباعدت للحظة وعادت تطبق، متضايقة من شلال ضوء المصباح الساقط من سقف السلالم على وجهها مباشرة.. مسح جبهتها بأصابع حنون، وكأنها زوجته التي أحبها ويعرفها منذ سنوات طوال.. نبضتْ مسامه بذاك الحنان القديم الحبيس، الذي كانت تبثه الأصابع عندما يسكر أبوه ويسقط في النوم على كرسيٍ في حديقة المنزل.. يضطر إلى إيقاظه كي يساعده في الوصول إلى فراشه.. جعلها الحنان الساري عبر بشرة الخد تباعد أجفانها كاشفة عن فصين أزرقين أكثر صفاءً من ماء البحر والسماء في يوم شديد الصحو.. لبثتْ على سكونها تدوّر عينيها بين السقف ووجه «إبراهيم» المنحني عليها وباب الشقة المفتوح، قبل أن تتمسك بذراعه الممدودة لتنهض واقفة.. سحبها برفق نحو باب الشقة. دخلت بصمت.. وتفحصت بعينين نشطتا لحظة أرجاء الشقة وقالت بالروسية شيئًا فهم أنها تسأل:
- هل يعيش وحيدًا!
أشار لها برأسه بنعم.. انفرجت أساريرها وسألت عن الفودكا. أشار لها بالجلوس على الأريكة.. وجلب من المطبخ قنينة وكأسين. وجدها تنضو عنها المعطف الأسود الرث، فبان جسدها الطويل الرشيق.. فخذان ممتلئان لا تخفيهما التنورة العريضة البالية. قدمان صغيرتان ظهرتا وهي تنزع حذاءها المطاطي.. خصر ضيق.. وركان جالسان في الوسط بتناسق وبروز مثير.. بطن ضامرة. ومن تحت القميص الممزق بانت صلابة النهدين الناصعين من خلال ثقوب القميص.. لم تكن ترتدي حمالة صدر. صعّد «إبراهيم» ناظريه إلى عنقها الأبيض الطويل.. إلى قسماتها المتناسقة الجميلة وهي تنبض بالسعادة حال رؤيتها قنينة الفودكا.. نفس سعادته حينما يعثر عليها في محلٍّ بعد عناء.
لم يكن مستغربًا من هذه الروسية المتشردة والجميلة.. «ديستويفسكي» جعله يلمس عميقًا أرواح السكيرين الروس قبل أن يراهم.. أبدت رغبتها في الشرب.. أخفى القنينة خلف ظهره.. وأشرّ لها كي تذهب إلى الحمام لتغتسل، فحينما سحبها كي يساعدها على النهوض من على السلالم، ورغم أنه يشرب طوال اليوم هبت من كتلتها رائحة عطن خانقة، فأدرك أنها لم تغسل جسدها منذُ أشهر.. بعد طول عناء فهمت المطلوب منها، فهدرت غاضبة وتكورت بزاوية الأريكة متشبثة بمسندها، عندما أمسكها «إبراهيم» من تحت إبطها وتحت فخذيها قاطعًا أنفاسه.. نزعها بقوة من الأريكة وحملها وهي تصرخ بالروسية شتائم.. قدّر أنها شتائم. وضعها في حوض البانيو وفتح الماء. استسلمت فجأة تحت الماء المتساقط من الدش متحولة إلى طفلة فرحة. غادرها رادًّا باب الحمام خلفه.. أخرج حقيبة كبيرة من الأريكة، وأخرج ملابس كانت زوجته قد تركتها.. حمالات صدر.. قمصان.. بلوزات.. ألبسة داخلية.. أردية منام.. وضبها على الطاولة.. وعاد إلى الحمام.. فتح الباب وجدها عارية وسط البانيو مغمورة بالماء ورغوة الصابون.. ترمقه بودّ.
أشارت إليه كي يساعدها في الاغتسال.. دنا من حافة البانيو.. كان جسدها أبيض بياضًا آسرًا مشوبًا بحمرة خفيفة يتموج في غمرة الماء والرغوة.. ظاهرته وأقعت نصف جالسة في البانيو.. دلك بشرتها براحة يده اليمنى.. مستمتعًا وأطراف أصابعه تنزلق على الظهر الأملس الناصع .. الغريب في الأمر أنه دلك كل جسدها بيديه.. لكنه لم يُستثر!. أكمل غسلها.. ونشفها بيديه.. أجبرها على غسل أسنانها بالمعجون..
جعلها ترتدي ملابس زوجته قبل أن يبدأ الشرب معها.. بعد أن عبت في جوفها عدة كؤوس، شرعت في الحديث باللغة الروسية بوجه منفعل. كان يتأمل نغم الكلام، حركة يديها، ما تبوح به عيناها المتألقتان، تشديدها على كلمات بعينيها لفظًا، وكان يرى تجسيدًا حيًّا لشخصية مذلة مهانة من إحدى روايات «ديستويفسكي».. فما تسرده لا يختلف كثيرًا عما أبكاه مرارًا عند قراءة تلك الروايات.. من المؤكد أنها عاشت عذابًا متصلًا منذ الطفولة.. والصبا والشباب.. قد تكون تزوجت من سكير جعلها تدمن.. أو أدمنت بسبب خيانة الزوج.. أو أنها فقدت ولدًا في حادث.. أو أن ولدها أصبح عاقًّا كأن يكون مجرمًا انضم إلى عصابة.. أو تكون شديدة الفقر طردت من العمل بسبب الإدمان.. لكنها بالتأكيد ليست عاهرة.. فجسمها الذي جسه بيده في الحمام كان متناسقًا بضًّا مثيرًا، كانت تستطيع لو - أرادت - أن تستخدمه كوسيلةٍ للكسبِ.. وهذا يرجح أنها امرأة تفتقد إلى الحب والحنان.. امرأة أقحلتها الوحشة ودفعتها نحو الإدمان.. هو الآخر لولا المخاض العراقي الذي اضطره إلى الالتحاق بثوار الجبل، وعلاقة الحب التي ربطته بزوجته لكان مثلها..
كانت تسرع في السرد وقت الغضب.. وتبطئ وقت هدوء القسمات، فيتحول إيقاع الكلمات وكأنها تلقي قصيدة حب رقيقة.. وكان «إبراهيم» يندمج رويدًا.. رويدًا بعالمها حتى أنه عندما شرعت بالصراخ والبكاء، انفجر هو الآخر باكيًا معها وذلك جعلها تغادر الأريكة لتجلس على السجادة المغبرة جوار قدميه.. وتمسك بكفه وتنهال قبلًا عليها. تبللت كفاه بفيض دمعها الساخن.. أعول مثل طفلٍ فأجهشت بصخب. اعتنقته.. فخفف ذلك من عويلها.. تخافت مثل صوت يضعف.. ويضعف ليتلاشى في الصمت. وعندما سكنت وجدها غافية في حضنه بعد أن هبط هو الآخر إلى السجادة المغبرة الخانقة.
- تمامًا كما كتب «ديستويفسكي» قبل أكثر من قرن.. تمامًا!
قال لنفسه هكذا لابسًا ثوب القس أليوشا في «الإخوة كرامازوف». سحب جسده من تحتها. وضع ذراعه في وضع الوسادة. تناول الوسادة ودسها تحت ذراعه. هبط برأسها إلى سطحها.. أعدَّ الفراش على السجادة.. وحملها ليضعها عليه. وقام ليجلس على الأريكة.. صب كأسًا عبها في رشفة واحدة منتشيًا وهو ينظر بصفاء روحي افتقده منذ الطفولة نحو هذي المخلوقة المشردة الغافية بسلام تحت ناظريه.. منتشيًا من الناصية التي اعتقد أنه قد وصل إليها.. إذ كانت أثناء تقبيلها كفيه تردد:
- يسوس.. يسوس!.
فتخيل نفسه «عيسى» العازف عن شهوات الدنيا.. مذلول شريف من شخصيات«ديستويفسكي»:
- أنا في باطن رواية من رواياته.. وفي موسكو حقا!.
أطربه الوضع، فهذه المرأة التي عثر عليها وحممها، واستمع إليها عدته قديسًا في ساعات وبكت في حضنه وغفت مثل طفلٍ في حضن محب.. أليس ذلك عجيبًا.. فهو في حقيقة الأمر لا يختلف عنها قيد أنملة إلا في طبيعة الظروف المختلفة.. هو بائس الطفولة.. ارتكب من الذنوب ما قد يفوق ذنوبها؛ لذا كان يحس أنه في باطن رواية لا في واقع حقيقي. تذكر «أسعد» بشدة:
- أين صرت يا «أسعد».. لو كنت معي!.
قال مع نفسه في أول خروجٍ من قالب العائلة المحكم الطاغي:
- لولا سفرهم لما رأيت من يعتبرني المسيح!.
صب المزيد من الكؤوس.. ليطير في نشوة الخمرة والخيال إلى أبعد نقطة.. إلى الطفولة.. إلى خيوط الفجر التي تسللت من النافذة.. إلى غناء العصافير القادم من الغابة المجاورة.. ترنح عند قيامه. جهد حتى استطاع الاستلقاء جنبها.. وغفا غفوة طفلٍ وديع.. أيقظته شدة انتصابه.. نظر إلى ساعة الحائط القديمة كانت تشير إلى الحادية عشرة صباحًا.. لا يزال في حومة الخمرة وخيالاتها.. تلمس الجسد اللصيق.. كان شبه عارٍ، وثوب المنام الشفاف منحسر حتى أعلى البطن. كان في وضع مختلط فيه كل شيء.. ورائحة ثوب النوم أليفة تتغلغل في حواسه قادمة من نسيجه.. أشعلت شهوته ، وفاقم من تصلب رمحه المشدود، لصقه الجسد الأنثوي ملمومًا بوضع الجنين.. الردفان الضخمان الناعمان الملتصقان بحضنه يؤججان نيرانه العميقة، وهو المحشود بإرث حرمانِ مخيلةٍ لا ضابط لها ولا حدود .. الرائحة نفسها.. رائحة الزوجة القادمة من ثيابها الحميمة.. لكن اللحم غير اللحم.. هذا أبيض بض شديد السطوع.. التحم بها.. عندما تململت قبَّلها .. كان محتدمًا بغزيرة ثور بري .. استيقظت مباعدة أجفانها ورمقته بنظرة استغراب.. فتح فخذيها الملتصقتين بعنف .. متدفقًا لاهثًا .. محتدمًا .. منصهرًا في فوران شهوة عمياء .. ناسيًا تجلي البارحة.. في اللحظة التي أولج فيها حاولت المقاومة بحركة خفيفة من الفخذين المفتوحين بقوة جسده بصمت حاولت دفعه، ولكنها استسلمت وظلت تحدق نحوه بحياد وهو يخترقها عميقًا بعنفوان.. سوف تظل نظراتها الشديدة الحياد المستسلمة.. الشاخصة نحو كتلته الراهزة بشدة تعذبه، حينما يصل إلى الذروة وحيدًا.
لن يكرر العملية ثانية، وهي تتردد طارقة بابه كل مساء بعد أن تغيب طوال النهار، وتأتي جائعة تشكو البرد والبشر..
من فصل المتشردة الروسية في -الحياة لحظة-