الهوس بالمليارات وحرب الإشاعات في العراق!

ناجح العبيدي
2016 / 8 / 27

الهوس بالمليارات وحرب الإشاعات في العراق!
بسرعة البرق تنتشر بين العراقيين أخبار الفساد الصحيحة منها والمفبركة. وكلما تضخمت الأرقام عن صفقات الفساد، يزداد الاهتمام وتسخن خطوط شبكات التواصل الاجتماعي وهي تتداول تقارير صحفية وتلفزيونية "موثقة" وتستند إلى "مصادر مطلعة" عن سرقات بعشرات بل وبمئات المليارات. والمقصود هنا طبعا مليارات الدولارات الأمريكية وليس دنانير عراقية. ولا بأس أحيانا عندما يتم الخلط بينهما، طالما أن هذا "السهو" كفيل بجذب اهتمام أكبر. ولا يستبعد أن تنتعش حرب الإشاعات على خلفية فضيحة استجواب وزير الدفاع المقال خالد العبيدي. ولكن أكثر ما يخشاه المهتمون حقا بقضية الفساد أن يختلط الحابل بالنابل وأن تضيع الحقيقة وسط الأكاذيب.
آخر فصل في هذه المسرحية غير الهزلية هو تقرير نشره قبل أيام موقع "العربي الجديد" عن وصول وشيك لمحققين دوليين إلى بغداد للتحقيق في قضايا الفساد. وكالعادة تناقلت شبكات فيسبوك وتويتر والمدونات الشخصية هذه التقرير، ليس لدقة المعلومات الواردة فيه والجهد الذي بذله معداه في كشف الحقائق والأسرار، وإنما لتضمنه أرقاما خيالية عن الأموال العراقية المسروقة، أقل ما يقال عنها إنها تستهين بالعقل والمنطق وعلم الحساب. وللإشارة فقط فإن موقع "العربي الجديد" وصحيفته تمولان من قطر وسط حرص على عدم كشف أرقام هذا التمويل وأهدافه. غير أن التقرير الأخير عن الفساد في العراق بزّ الجميع في المغالطات وفبركة الأرقام. فالموقع الذي يستند في تغطيته إلى "مصادر حكومية" داخل مكتب رئيس الوزراء العراقي، يذكر "عرضا" في سياق الخبر أن " حيدر العبادي طلب رسميا من الأمم المتحدة مساعدته في الكشف عن مصير "361 مليار دولار مفقودة" من موازنات البلاد بين عامي 2004 و2014". وهذا الجملة بحد ذاته هي قمة في المغالطة وفي خيانة الشرف الصحفي. فالحقيقة هي أن رئيس الوزراء العراقي طلب مساعدة الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة بمكافحة الفساد في استرداد الأموال العراقية المهربة إلى الخارج. وجزء منه هربه أصدقاء قطر مالكة مشروع "العربي الجديد". أما المبلغ الهائل (361 مليار دولار) فهو مجرد رقم اخترعه معدا التقرير بهدف إثارة القارئ. غير أن هذا المبلغ لم يكن كافيا في أعين كاتبي الخبر ، ولذا ذهبا إلى أبعد من ذلك عندما ذكرا حرفيا بأن "التقارير تشير إلى أن مجمل السرقات من المال في البلاد منذ عام 2003 بلغت 850 مليار دولار!!". وهو مبلغ لا يمكن سرقته حتى في قطر الثرية جدا حيث يتمتع الأمير بصلاحيات صرف الأموال دون حسيب أو رقيب.
لكن ولإنصاف موقع "العربي الجديد" يجب القول بإنه ليس الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي تنشر مثل هذه الأخبار المفبركة، بل شهدت السنوات السابقة نوعا من التسابق في الإعلان عن أرقام لا يصدقها العقل عن حجم الفساد، ولكنها وللأسف تنطلي على الكثيرين وتساهم بالتالي في تشويه صورة الفساد ووضع عقبات إضافية أمام مكافحته.
لا ينكر أحد أن العراق يأتي في مقدمة بلدان العالم من حيث تفشي الفساد. ولا يمكن طبعا التهوين من شرور هذا الوباء بالقول بإن السرقات لم تصل إلى المليارات وإنها اقتصرت على مئات أو عشرات الملايين فقط. فليس هناك أدنى شك بأن منظومة الفساد نخرت جسم الدولة والمجتمع واخترقت السلطات التنفيذية والتشريعية وربما حتى القضائية في البلاد. وهذا ما اثبتته مؤخرا فضيحة الاتهامات التي أدلى بها وزير الدفاع المقال خالد العبيدي أثناء استجوابه أمام مجلس النواب. ومن المؤكد أيضا أن هناك حيتانا كبار استطاعت من خلال الرشوة والاختلاس واستغلال المنصب أن تجني ثروات خيالية خلال فترة قصيرة للغاية. ولكن ليس من المطلوب أن تبلغ هذه الأموال المليارات لكي ندرك خطورة المشكلة. كما أن نجاح عملية مكافحة الفساد يتطلب أيضا معرفة دقيقة لأبعاد المشكلة والابتعاد عن الاتهامات الكيدية أو المختلقة والتي تهدف عادة إلى خلط الأوراق.
فقبل الحديث جزافا عن عشرات ومئات وربما آلاف المليارات المسروقة يجب أن نعرف حجم الاقتصاد العراقي وموارده المالية، وهي مسألة لا تتطلب جهدا كبيرا. فحسب بيانات منظمة الدول المصدرة للنفط/ أوبك والتي تحظى بمصداقية لأنها لا تعتمد على معلومات الدولة المعنية فقط وإنما أيضا بيانات الشركات المستوردة، بلغت قيمة صادرات النفط العراقي خلال الفترة 2003 وحتى 2015 قرابة 677 مليار دولار. وجزء منها يذهب لصالح شركات النفط المنتجة بموجب ما يسمى بعقود الخدمة. وتؤكد هذه البيانات أيضا بأن صادرات النفط العراقية لم تزد في أي سنة من السنوات عن 100 مليار دولار. وإذا عرفنا بأن العوائد النفطية تشكل 95 % من إيرادات ميزانية الدولة، يمكن التوصل بعملية حسابية بسيطة إلى أن إجمالي الإيرادات العامة لا يزيد عن 710 مليار دولار خلال فترة السنوات الثلاث عشرة الماضية. وهي تقل بنحو 140 مليار عن حجم "السرقات" المذكورة في تقرير "العربي الجديد". وبطبيعة الحال لا يمكن سرقة هذه الأموال كلها ولا نصفها ولا حتى 10% منها . فالجزء الأكبر منها يذهب كرواتب لجيش الموظفين في أجهزة الدولة والقطاع العام والذي يقدر عددهم بأكثر من 4 ملايين، ومن بينهم عشرات الآلاف من الموظفين الفضائيين "الوهميين" في ظاهرة تعتبر من بين أهم مؤشرات الفساد في العراق. وفي كل الأحوال فإن المرتبات تستهلك أكثر من نصف ميزانية الدولة. وهناك أيضا بنود هامة في الإنفاق مثل شراء الأسلحة والرعاية الاجتماعية وتمويل البطاقة التموينية وتغطية خسائر مؤسسات القطاع العام وبرنامج دعم شراء الحبوب وغيرها. وبطبيعة الحال فإن كل هذه البنود تتخللها أعمال فساد واسعة النطاق. فعلى سبيل المثال كشف ديوان الرقابة المالية عن 16 ألف موظف يستلمون رواتب مزدوجة في مخالفة واضحة للقانون. وبعضهم بالتأكيد من أصحاب المناصب الخاصة. من جهة أخرى أعلنت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عن وجود 80 ألف غير مستحق لإعانات الرعاية الاجتماعية. وبحسب بيانات هيئة التقاعد الوطنية ازداد عدد المتقاعدين منذ عام 2003 إلى أربعة أضعاف ليصل إلى قرابة 2,4 مليون متقاعد وهي زيادة غير طبيعية توحي بوجود متقاعدين وهميين وتشكل أيضا عبئا كبيرا على ميزانية الدولة. ومن دون شك فإن وسط بحر الفساد الواسع في العراق هناك حيتان سمان تلتهم القطعة الأكبر من الفريسة المتمثلة في المال العام. ولكن ذلك لا يبرر اللجوء إلى المبالغة والكذب واختلاق التهم لأن مثل هذه الأساليب تصب عمليا في صالح الفاسدين.
فقبل نحو عام تلقفت الكثير من المواقع العراقية "خبرا" مفاده أن مجلة "فوربس" الأمريكية نشرت قائمتها الجديد بأسماء أثرياء العالم وأنها تضمنت اسم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بثروة تبلغ 50,5 مليار دولار!!. وصدق كثيرون هذا الخبر المثير رغم أن نقرة واحدة على موقع المجلة المذكورة تكفي للتأكد من زيف هذه "المعلومة" المخالفة لأي بديهية اقتصادية. بل وقيل أيضا بإن المالكي يحتفظ بـ 50 مليار دولار من ثروته تلك نقدا وعدا!. ولم يكلف صائغ هذا الخبر نفسه ليوضح للقارئ حجم الخزينة (القاصة) التي تسمح للمالكي بخزن مثل هذه الثروة الخيالية. فحتى أكبر البنوك المركزية في العالم لا تحتفظ بعشر هذه المبلغ نقدا. وبالتأكيد فإن المالكي كان الأكثر سعادة بمثل هذه الاتهامات التي تكذب نفسها بنفسها. ومن أجل إبعاد "تهمة" الطائفية عن الخبر المذكور أضاف آخرون بجرة قلم اسمي أياد علاوي وأُسامة النجيفي إلى قائمة فوربس لأثرياء العالم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن قائمة فوربس لعام 2016 ضمت أكثر من 1800 ملياردير حول العالم ولم يكن بينهم أي عراقي. وليس من المتوقع أن يتغير هذا الوضع قريبا. ولكن القوائم "العراقية" لأصحاب المليارات تضم عشرات الأسماء استنادا إلى مصادر خيالية. فقد أثيرت ضجة كبيرة عن تقرير "سري" سربته السفارة الأمريكية في بغداد ويشير إلى أن ثروات عدد معين من المسؤولين العراقيين تبلغ 700 مليار دولار، لا أقل ولا أكثر. وكانت الأسماء تتغير بحسب الانتماء الطائفي والسياسي لناقل هذه الإشاعة. فتارة يتربع القائمة مسعود البرزاني وجلال الطالباني، وأخرى مقتدى الصدر وبهاء الأعرجي، ومرة المالكي وحسين الشهرستاني وثانية أسامة النجيفي وهكذا. وانتشر الخبر كالنار في الهشيم وعلق عليه سياسيون معروفون دون أن يكلف أحد نفسه عناء التحقق من صحة المصدر. أما ما "سرقه" الحاكم المدني "بور بريمر" من المال العراقي خلال فترة حكمه التي امتدت لعام، فإن الأرقام تتباين كثيرا. فالبعض يتحدث عن 7 وآخرون عن 10 مليارات. ولكن النائب عن ائتلاف الوطنية عدنان الجنابي تفوق على الجميع واتهم بول بريمر بسرقة من 17 إلى 20 مليار دولار من العراق، رغم أن أنتاج النفط خلال فترة حكم بريمر لم يزد عن 1,5 مليون برميل يوميا وسعره كان أقل من 30 دولارا، أي أن كل إيرادات العراق كانت أقل من 17 مليار دولار "المسروقة". ويحتاج المرء حقا إلى خيال واسع ليتصور بأن مواطنا أمريكيا عاديا وليس شخصية معروفة مثل بريمر يستطيع أن يخبئ عن سلطات الضرائب 17 مليون دولار، ناهيك عن 17 مليارا.
هذه غيض من فيض من حرب الإشاعات عن الفساد في العراق والتي تشير الى وجود ما يشبه الهوس بالمليارات وربما الحلم بامتلاكه. ولكنها في نفس الوقت تلقي بظلالها على أي محاولة جدية لمكافحة الرشوة والاختلاس وتبديد المال العام والتي يتطلب نجاحها الاعتماد على معلومات موثقة والحذر من التورط في حرب الإشاعات الدائرة. ربما تقف وراء هذه الحملات المغرضة محاولات لتسقيط الخصوم السياسيين، ولكنها بالتأكيد تؤدي إلى تسفيه مكافحة الفساد وإلى تضليل الرأي العام . فأي ناشط جاد في محاربة هذا الوباء سيصاب بالإحباط عندما يتحرك بناءً على معلومات مزيفة عن عمد. ولا يستبعد أن يقف بعض الفاسدين وراء مثل هذه الحملات المفبركة. فوسط هذه الأرقام المهولة يبدو الاتهام بسرقة مليون أو 10 ملايين دولار في العراق أمرا تافها لن يثير اهتمام أحد. وقد يشعر المعني بذلك بالغبن لأنه أكتفى "بسقط المتاع" ولم ينضم إلى نادي أصحاب المليارات.

د. ناجح العبيدي