الإنتهازية والنفاق السياسي .. سليم الجبوري إنموذجا

جعفر المظفر
2016 / 8 / 25

الإنتهازية والنفاق السياسي .. سليم الجبوري إنموذجا
جعفر المظفر
بين فترة وأخرى تتنادى قوى النظام العراقي الفاسد إلى إجتماعات لتوقيع ميثاق للشرف فيما بينها من شأنه ان يعزز ويبلور صيغا أفضل للتفاهمات السياسية والمنافعية المشتركة وقد تم الإجتماع الأخير كما هو معروف بعد التصدع والهزة الأخيرة التي تعرض لها النظام بفعل الخروج النشاز لواحدة من قواه الفاعلة المتمثلة بالتيار الصدري والتي تمكن النظام سريعا من إعادتها إلى الحضيرة النائمة في عسل الخضراء, هؤلاء إعتبروا التيار مثل الإبن المشاكس الذي يجب إعادته إلى الطاعة وتعاملوا معه وفق قاعدة (عمر الدم ما يصير ماء).
لكن الظاهرة الأبرز والتي يمكن من خلالها قراءة خارطة طريق النظام ومشاهد الإصطفافات الجديدة هو ظهور سليم الجبوري وصحبه الميامين من جماعة إتحاد القوى بصورة المدافعين الأشداء عن العملية السياسية القائمة بعد أن كانوا إعتبروها قبل سنوات قليلة لا تلبي إحتياجات (السنة) وظلت مواقف أعضائه تتراوح بين النقد اللاذع للنظام وبين رفضه والهجوم عليه حتى أن واحدا من أبرز عناصره وهو سليم الجبوري كان قد طورد بقوة المادة 4 إرهاب, فإذا به يصبح بعد سنوات قليلة رئيسا لمجلس النواب وشريكا أساسيا في الحكم.
ولسنا هنا معنيين فيما إذا كان الرجل بريئا من تلك التهمة أم لا إنما قصدنا من التذكير بذلك الإشارة إلى غياب الحد الأدنى من المبدئية لدى نظام ينتقل في طريقة التعامل مع خصومه ومنافسيه تماما من النقيض إلى النقيض, فالجبوري (الإرهابي) في يوم يصبح رئيسا لمجلس النواب في يوم آخر, ومشعان الجبوري (الإرهابي الفاسد) يعود برعاية من المالكي نفسه لكي يكون عضوا في مجلس النواب وواحدا من أعضاء لجنة النزاهة رغم أن التهمة التي كان طورد بسببها هي الإستيلاء على مرتبات العاملين في حراسة خطوط النفط والكهرباء التي كانت هدفا مفضلا لهجمات الإرهابيين. وكان المالكي هو الذي أدار عملية إسقاطه السياسي والقانوني والأخلاقي, لكنه, ولحاجتة إليه في سعيه لإختراق المناطق السنية, فقد ادار من جديد عملية تبرئته وساعد على وصوله إلى مجلس النواب. وفيما بعد يقوم السيد مشعان الجبوري بالإعتراف لإحدى الفضائيات في شريط تلفزيوني جرى تداوله بشكل واسع أنه وكل أعضاء العملية ليسوا أقل من لصوص لا يتميز أحدهم عن الآخر إلا بكمية الأموال التي يسرقونها من المال العام. وحين يقال أن الإعتراف هو سيد الأدلة فإن صمت المؤسسة القضائية التي يترأسها مدحت المحمود إزاء الإعتراف الذي تقدم بها اللص الشريف مشعان الجبوري , إن لم يكن صمت المشارك في الفساد فهو صمت الشيطان الأخرس الساكت عن الحق.
إن الأحزاب الشيعية لا تتحمل لوحدها هذه الإشكالية الأخلاقية بوصفها تمتلك قوة القرار وإنما يتحمل الخصم السياسي (السني) مسؤوليتها بالتناصف لسمته التساومية على حقوق السنة التي يدعي تمثيلهم, فهؤلاء كانوا قد حازوا على مواقعهم بوصفهم ممثلين لصفوف المعارضة (السنية) التي لم تكن على ود حقيقي مع العملية السياسية القائمة على نظام المحاصة الطائفية, غير ان عملية البيع والشراء سرعان ما كشفت عن نفسها بشكل تراجيدي كي تؤكد على غياب كامل لأخلاقيات العمل السياسي, ففي اثناء أزمة إقالته من قبل متمردي مجلس النواب, ظهر سليم الجبوري ومن ورائه إتحاد القوى الذي يدعي تمثيل السنة لكي يكون من اشد المدافعين عن العملية السياسية ونظام المحاصة الذي جعل رئاسة مجلس النواب من نصيبه. إن نظام المحاصة الطائفية المُغيِب لعدالة توزيع الحقوق القائمة على المواطنة والذي أدى إلى تاسيس دولة الكيانات ونظام الأغلبيات والأقليات الطائفية قد حول العراق إلى ساحة للفرقة والفساد والإنحطاط الفكري الذي عانى منه العراقيون جميعا, أما (السنة) فقد كان نصيبهم من المآسي كبيرا. لقد حولتهم العملية السياسية الطائفية إلى أقلية بدلا من أن يكونوا مواطنين متساوي الحقوق في دولة ديمقراطية مدنية يحميها القانون, وأما الديمقراطية نفسها فقد تحولت إلى لعبة لإدارة ثقافة الخديعة ونهج اللصوصية وتمزيق المجتمع العراقي وتفكيكه إلى مكونات تتحول تدريجيا إلى كيانات يتطلع أقلها عددا لتكوين دولته المستقلة.
لقد كان من حق سليم الجبوري أن يدافع عن موقعه كرئيس لمجلس النواب بخطاب يفند فيه طريقة الإقالة بمستويات متعددة إلا أن يقدم نفسه مدافعا متحمسا عن العملية السياسية التي تضرر منها العراقيون جميعا بشكل عام و(السنة) بشكل خاص. ولقد أكد هذا من جانبه على أن الطائفيين ليسوا سوى متاجرين حقيقيين بقضايا شعبهم وطوائفهم, فحينما تتعرض مصالحهم الشخصية للخطر يظهرون على حقيقتهم تماما كإنتهازين ومنافقين وتجار سياسة