الطبخة.. مغشوشة...

غسان صابور
2016 / 8 / 21

الـــطـــبـــخـــة.. مــغــشــوشــــة...
كتب محمد الماغوط ( 1934 ـ 3 نيسان 2006) هذا الكاتب السوري الذي حاول, قدر المستطاع أن يبقى شريفا.. ولكنه اضطر للاحتراف ومشى على الخط المرسوم.. حتى يأكل كل يوم.. كغالب الكتاب السوريين... تذكرته البارحة وتذكرت الفترة القصيرة التي التقيته بدمشق.. ببدايات الخدمة الإلزامية.. مع بدايات الكتابة بالخمسينات.. وكم أريد أن أتذكره وأن يتذكره السوريون اليوم, أكثر من أي يوم آخر.. لهذه الكلمة التي كتبها قبل سنوات معدودة, قبل رحيله... إذ قال :
" كل طبخة سياسية في المنطقة.. أمــريــكــا تـــعـــدهـــا... وروسيا توقد تحتها...وأوروبا تبردها....... والعرب يغسلون الصحون !!!... "
يا بشر.. يا قوم.. يا جماعة.. يا سوريين... يا عــرب... ويا من يقرأ ويسمع ويشاهد... هذا الكلام لو سمعناه من محمد الماغوط بذلك الزمان.. رغم فهم الحقيقة.. وصعوبة ممارستها بظل صعوبة قطع الأرزاق والأنفاس, بسوريا بذاك الزمان.. أو بأية دولة عربية.. لو غامرنا.. لو تشجعنا.. لو تصارحنا.. بلا خوف.. لو تحدينا الخوف.. لما وصلنا اليوم إلى خراب البلد بكامله.. لو منعنا بين بعضنا البعض هذه الطبخة التي سموها لنا ألف ألف مرة " الــربــيــع الــعــربــي " ويا لمأساة التسمية.. لما وقعنا بهذا الفخ المدمر المتفجر الإسلامي السلفي الطائفي المعتم الأسود.. والذي لا بادرة بصبوص خلاص منه, بعد ستة سنوات من حرب يائسة بائسة مجنونة.. ولا نلحس حتى الصحون.. ولا نلملم حتى فضلات القذارة التي تقع تحت طاولة الآكلين المنتفخين من الداخل والخارج.. لنطعم أطفالنا الجائعين.. أطفالنا المرضى.. أطفالنا الذين يموتون من المرض والجوع والعطش والقذارة.. والإرهاب المفتوح باسم الدين.. بمدننا المهدمة المتفجرة بثلاثة أرباع البلد المجزأ...
وعندما أسمع أصوات بعض المنتفخين السوريين القابعين بفيلاتهم الأوروبية, وكل ما يكتبون عن نهاية القصة.. كأنما هذه الحرب المقيتة قصة.. كأنما زلازل الخراب وملايين الموتى والمشردين رواية.. يتحدثون بالصالونات عن مفاوضات ستنتهي بأيام قليلة.. وبأن المحاربين انسحبوا من هنا وهناك.. وأن ممرات تجارية (إنسانية) دخلت حلب لثلاثة ساعات.. ويتكلمون ويكتبون.. ويكتبون ويتكلمون عن عودة تجاراتهم.. كلما عبرت شاحنة أو شاحنات للجياع والمرضى ونقل النعوش والتوابيت... أريد أن أصرخ بوجوههم.. أريد أن أبصق على تجاراتهم وقصص حياتهم.. أريد أن أحرق تاريخ ميلادهم.. وشهاداتهم ووظائفهم وتاريخ حياتهم وماضيهم وحاضرهم الفاسد الأسود... وأينما عبروا بكل مكاتب الوزارات والسفارات السورية.. وبكل مكان وزمان... وأن أذكرهم كلما انحنوا على بساط صلاتهم.. أنهم أول الخونة.. وأول من غادر السفينة المهزوزة برياح العاصفة...
أبصق عليهم من سمائك يا مــاغــوط.. وأنا أتذكر شتائمك البذيئة الخشنة ايام الشباب.. إنها اليوم على رؤوس هؤلاء المنتفخين الكذابين أصدق من صلواتهم المزورة ألف الف مرة... أنظر إليهم كيف أصبحوا اليوم أما زعماء معارضة, أو خطباء ومشايخ... بلحى وبحصة سوداء مطبوعة مزورة على جبينهم ..علامة ورع وإيمان.. مؤمنة رواتبهم وبهرجاتهم.. أو موالين بالمنفخات والعنتريات.. متفرجين متأكدين مما سرقوا وأودعو بالبنوك الأوروبية.. بانتظار العودة.. بانتظار وزارة أو إدارة أو وظيفة.. يستطيعون من زواريبها وممراتها ومكاتبها وعبيدها وسيافيها.. متابعة النهب والسلب والغنى الفاحش ونهب أموال الشعب والفساد.. مثلما عاشوا.. مثلما تعودوا هناك وهنا.. وما من شــيء تغير.. وما من شيء سيتغير... وكل قواعد "الفهلوة والشطارة " المعتادة...
ما من شيء تغير.. وما من شـيء سوف يتغير.. يا خــالــتــي.. سوى طريقة لحس الصحون.. مهما تغير الجالسون حول طاولة المائدة.. وتــقــاســم الطبخة!!!...
حـزيــن ما أرى.. وما أشاهد وأشهد.. من هذا العصر.. من هذه الطبخة.. وما أتـــصـــور...
***************
عــلــى الـــهـــامـــش :
ــ ذكــــرى
نشرموقع Mediapart الفرنسي المعروف, صفحة كاملة بصدر موقعه بمناسبة وفاة الشاعر الاسباني المعروف فيديريكو غارسيا لــوركــا Federico Garcia Lorca (5 حزيران 1898 ــ 10 آب 1936) الذي أعدمته قوات الجنرال الاسباني الانقلابي فرانكو... ورموه بحفرة مجهولة حيث لم توجد جثته حتى هذا اليوم. لأن قصائده كان تتحدى الظلم والظلام والفاشية وخاصة الاقطاعية التي تنهب وتسبي الفقراء والفلاحين والضعفاء.
الموقع توسع بشكل كامل عن أشعار فيديريكو غارسيا لـــوركـــا وحياته القصيرة التي أمضاها بقوة قصائده وصراحته التي كانت تتحدى اسبانيا الكاثوليكية.. حيث كان خارجا عن جميع القيود والتعاليم التقاليدية.. مدافعا عائشا دوما خارجها... وكانت أشعاره المنتشرة آنذاك بكل اسبانيا وأوروبا.. تلهب الخارجين عن المجتمع والعادات والتقاليد.. تلهب الأقليات والمفكرين والأنتليجنسيا وكل عشاق الحريات المطلقة والثورة الكاملة على الظلام...
والذي لفت نظري سطور قليلة لأحد المعلقين على هذه الصفحة الكاملة عن حياته اليوم, بعد ثمانين سنة من قتله بسبب أفكاره.. أنه يتحسر ويأسف ويحزن.. أن قلائل من يقرؤون قصائده التي كأنها توصف ما يحدث اليوم بالعالم كله من مجازر ضد الإنسانية ومظالم وظلم وعتمة وصمت يغمر الجرائم الجماعية.. كما كانت أيام الحرب الاسبانية, بالثلث الأول من القرن الماضي قبل الحرب العالمية الثانية...
فأرسلت رسالة شخصية لهذا المعلق الحر مؤيدا. لأنني شعرت مثله أن الشعر والكتابة الحرة ونادر ما نلقى من الإعلام الحر.. عما يحدث بالعالم وبالمشرق والبلد الحزين الذي ولدت بــه ســوريـا.. من مـــآس إنسانية تدير حكومات العالم كله وجوهها وأعينها عنها.. ما عدا ما زرعت من مصالح رأسمالية آثمة.
هذه هي حال عالمنا اليوم... ولم يعد يسمع أحد Federico Garcia Lorca... ولا أدونيس ولا محمد الماغوط... مكتفين أما بمسلسلات " باب الحارة " وأشباهها من الانتاجات التافهة العربية.. أو أخبار كرة القدم والبطولات الأولمبية.. متغاضين عما تحمل من غـش وحــقــن مغشوشة... إذ أصبح الغش أمرا طبيعيا... بعيشنا اليومي والذي لم يــتــبــق فيه أي شـــيء طـبـيـعي... حتى صورة الطفل السوري التي وزعتها وكالات الإعلام الغربية.. قال خبير بالتصوير, البارحة مساء أنها "مركبة" مغشوشة... لا أنكر أن هناك آلاف الأطفال ماتوا بحلب, ضحية حذه الحرب المغشوشة.. ولكن ما من إعلامي حــر.. قال لنا مرة واحدة أن داعش والنصرة والزنكيين وغيرهم من المحاربين الإسلامويين الملتحين المغبرين.. تسببوا بقتل وتجويع وذبح آلاف الكبار والصغار من سكان حلب الأبرياء.. واستعملوا الآلاف دروعا بشرية...
الــحــرب يا لــوركــا.. أكبر عملية غـــش ضـد الإنسانية... بكل زمان ومكان... وأبشعها من يدعون أنهم يحاربون باسم "الله ورسوله" وراياتهم السوداء... مثل عقولهم وأفكارهم.. وحــروبــهــم!!!...........

بــــالانــــتــــظــــار...
للقارئات والقراء الأحبة... هــنــاك وهــنــا... وبكل مكان بالعالم.. كل مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي ووفائي وولائي.. وأصدق وأطيب تحية إنسانية مهذبة...
غـسـان صــابــور ـــ لـيـون فــرنــســا