وهل ظلَّ لنا نفق لكي يبقى هناك نور في نهايته

جعفر المظفر
2016 / 8 / 20

وهل ظلَّ لنا نفق لكي يبقى هناك نور في نهايته
جعفر المظفر
كنت أنتظر بعد التصويت البرلماني الكاسح الذي يعتبر إستثنائيا في تاريخ البرلمانات جميعها والمتعلق بشأن عدم قناعة النواب بإجابات وزير الدفاع على أسئلة النائبة عالية نصيف, والذي تتكامل إعجوبته مع السرعة العجائبية التي اصدر فيها القضاء العراقي الحكم على براءة سليم الجبوري من تهم الفساد التي أطلقها ضده وزير الدفاع, كنت أنتظر أن تمتلئ صفحات التواصل الإجتماعي والصحف من أولها إلى أخيرها بالمقالات والحوارات التي تدين هذا التصويت وتحمل على أصحابه بأقسى المفردات وأشدها توبيخا وتقريعا, غير أن الأمر المفاجئ خلو هذه الصفحات تقريبا من أية مقالة نقد وهي التي إعتاد اصحابها أن يقفوا بكل إهتمام أمام ظواهر لا تعادل من حيث الإهمية والإثارة جزءا ولو يسير مما حمله ذلك الموقف المثير.
نحن نعرف الوضع جيدا ولم نكن نتوقع بالمطلق أن يفتح مجلس (النوائب) النار على نفسه او على النظام السياسي, فالجميع بات يملك وثائق الإدانة ضد الجميع, لذلك فإن العقل الجمعي للبرلمان, الذي كان قد أفلح بالوصول إلى صيغ فاعلة لإدارة الأزمات والتوازنات وتوزيع المصالح بين القوى كان متوقعا أن يتحرك لتعطيل كل حركة خروج على السياق , وهو سوف يتحرك بأشكال شتى لتعطيل تداعيات الأزمة الأخيرة التي خلقتها طريقة إستجواب وزير الدفاع, ولو حدث ان خرجت الأزمة إلى المساحات الممنوعة فستتكفل القوى الإقليمية والدولية صاحبة القرار بإطفاء نيرانها أو حلها بما يكفل للنظام القائم قدرة الإستمرار.
لا شك أن فضائح الفساد ليست جديدة كما أن قوى هذا النظام باتت مقتنعة بغياب قوى وآليات ووسائل المعارضة الفاعلة ضدها لذلك فهي قد باتت مطمئنة إلى أن أي فضيحة جديدة, حتى على مستوى تلك التي فجرها وزير الدفاع سوف لن تغير من الحال شيء, وما نتحدث عنه هنا لا يكمن في عنصر المفاجأة من حجم ونوع الفساد الذي كشفته الفضيحة الأخيرة, لأن نظام الفضائح ما زال فاعلا على أشده, والواقع أن لا شيء يربط بين أطراف العملية السياسية الحالية سوى مشاركتها في عملية توزيع الأرباح التي تدرها تلك الفضائح, وإن إنتظار أن يخرج نبيا أو مصلحا أو ثائرا من داخل النظام نفسه ستكون اشبه بالمستحيلة, لأن جميع قوى هذا النظام قد بصقت في أفواه بعضها, أما سياسة تجميع الملفات الفضائحية ضد الخصوم فقد صار الجميع أساتذة لها, ولم يعد المالكي أبرع من الآخرين إلا بصفته كان السّباق في رسم وتنفيذ تلك السياسة المافيوية. أما قضية إستجواب وزير الدفاع فقد قدر لها أن تنفجر بوجوه الجميع, لكنها في الحقيقة لم تكن خرجت على حكاية (أمي رأت أمك البارحة في ذلك المكان الموبوء, ليتساءل الأول وماذا كانت أمك تفعل في المكان الذي رأت أمي فيه).
إن الجميع هو شريك في فساد هذا النظام الذي بات ينقسم إلى نوعين, ما تحت الطاولة وما فوقها, وإذ يتضمن فساد ما تحت الطاولة نظام الرشى والإستيلاء المحاصاتي على المال العام وأمور اخرى مشابهة, فإن فساد ما فوق الطاولة لا يقل تخريبا لأنه يتضمن توزيعا منفلتا للثروة الوطنية عن طريق خطة متعمدة للإفساد العام الذي تمت شرعنته من خلال نظام الإمتيازات التي يتمتع بها جهاز الدولة الوظيفي من اصحاب الدرجات الخاصة من مدراء عامين ووكلاء وزارات ووزراء ورؤساء هيئات ومجالس وأعضاء متنفذين وقادة وكوادر عساكر وامنيين ومتنفذين ميليشياوين, وهؤلاء وغيرهم يشكلون جهازا إداريا وأمنيا وسياسيا يفوق من حيث العدد الأعضاء المسؤولين لعدة دول عظمى مجتمعة, وهم كانوا بالتالي قادرين على المساهمة في إستهلاك ميزانية يقدر مدخولها السنوي بمدخول أكثر من دول عدة مجتمعة.
لا جديد مطلقا في الحديث عن الفساد وليس متوقعا لأية فضيحة جديدة أن يكون لها وقع المفاجأة, لكنني أتحدث هنا عن هذا التصويت العجائبي الذي جاء بالمطلق تقريبا إلا من أربعة اصوات, والمتعلق بقرار عدم إقتناع المجلس بردود وزير الدفاع على إسئلة الإستجواب التي تقدمت بها النائبة عالية نصيف ومن ثم نجاح هذه الأخيرة بجمع التواقيع اللازمة لسحب الثقة من الوزير في جلسة يوم الثلاثاء القادم, وهذا الحديث لا شك يشمل السرعة العجيبة التي تعامل بها (مجلس القضاء والقدر العراقي) مع ملف سليم الجبوري والذي سمحت له بالعودة من جديد لأدارة (مجلس النوائب) بدلا من الإنتظار ولو لمدة اسبوع أو اسبوعين لغرض تبريد الأجواء, حتى كأن مجلس القضاء والقدر العراقي كان أراد من قراره الذي يفوق سرعة الصوت أن يفحص بدوره ما إذا ظل بمقدور الفضائح أن تحرك ساكنا بين صفوف هذا الشعب المغلوب تماما على أمره. وفي إعتقادي فإن هذا مجلس القضاء والقدر العراقي كان تيقن تماما من (عدم) براءة رئيس مجلس النوائب لذلك رآه صالحا لإدارة مجلس فاسد, ولو أنه كان شاكا في برائته لما سمح له أساسا بالعودة ولكان إعتبره غير مؤهل لإدارة مجلس يجب أن يكون رئيسه لصا..
ليس متوقعا لحركة الإحتجاج الجماهيرية ولا لدور المثقف الطليعي أن يحدث تغييرا سريعا وملموسا لكن الوصول إلى حالة اليأس سوف يطفىء حتى بصيص النور في آخر النفق, وهذه لا شك هي المرحلة الثانية التي بات النظام يعمل في مساحتها.
وغدا إذا ما أفقنا فسوف نكتشف أن النظام الطائفي المحاصاتي لم يكن قد أدخلنا في نفق كما باقي الأنفاق وإنما أدخلنا في قنوات تصريف المجاري التي لا نور في نهايتها غير حلكة المستنقعات الآسنة.