الشيطان لا الله .. يضمن لنا راحة البال !

ليندا كبرييل
2016 / 8 / 18

( الرجاء التفضّل بقراءة المقال السابق وما قبله لربط الأحداث . وشكراً )
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=526914


مع بشائر الصباح الطالِعة كان الكلل قد نال من لسان شهرزاد، فاستسلمتْ بوداعة لرائحة القهوة الذكية عندما جلسنا نشربها في الحديقة.
كانت تحْتسيها باستمتاع وتعْقب فحيح رشفاتها أحححح ~~

فجأة كادت تختنق وهي تقهْقِه وتقول :
ــ تذكرتُ زوجي المرحوم .. لم يكن يحب أبي، فكان يتقصّد إغاظته بصوت رشفاته الشاي.
تابعتْ وقد اشتدّ ضحكها :
ــ وأنا أيضاً .. هيهيهيهه .. لا أحب أبي ! اسمعي اسمعي .. إنها قصة طريفة.

اعتدلتْ شخصيتها في لحظة ! وبدتْ كمفكّر طلبوا رأيه في موضوع هام . قالت :
ــ خرجتُ عن طاعة أهلي أن أكون وريثة والدي في مهنته التي نتناقلها أباً عن جد . مات أخي فلم يضعف أمَل والدي لأحلّ مكانه، وامْتنعَ عن دَعْمي بالمال لمتابعة دراسة الفلسفة التي أعشقها لكي يجبرني على التفرّغ لمخططه، وكنتُ آنذاك في سنتي الجامعية الأولى ..
؟؟ !!!
فأدّى موقفه إلى إصابتي بصدمة نفسية عنيفة .. ذلك أني اسْتقْتلْتُ في امتحان القبول الجامعي، فهل يذهب جهدي وتعبي هباء تنفيذاً لرغبة أبي لأنه لم يجد سواي لتحقيق مراده ؟ مستحيل ! أكون مجنونة لو فعلتُ.
هه .. ! عاشقة أرسطو وفولتير لم تجد غيري تضحك على ذقنه .. كلام لا جمرك عليه .. هاتي نسمع فلسفتكِ .. هاتي ~
انتبهتُ وهي تسألني :
ــ خمِّني .. ما المهنة التي ترشّحيني لوراثتها عن أبي ؟
هززتُ رأسي متسائلة بلا اكتِراث، فأجابتْ بصوت تتقطّع الضحكات على الضحكات فيه :
ــ أن أكون كا .. هاهاها .. كاهِنة في معبد بوذي هيهيهيه ...
ــ كاهنة ؟؟؟ غير معقول !
أجابتْ وهي تغالب الضحك :
ــ ولِمَ لا ؟ ليس في الدين البوذي ما يمنع المرأة من الكهانة، وإن كان قليل الحدوث وله شروط طبعاً.

أخذتْ نفَساً عميقاً لتهدِّئ انفعالها وتابعت :
ــ الأديان عندنا زعامات متوارَثة نحافظ عليها كتعبير عن الحياة الثقافية . لا أبدو لكِ الآن في أطيب حالاتي، لكني قبل إصابتي بالمرض العصبي كنتُ قادرة على القيام بالمسؤولية.
مرض عصبي ؟! وأنا أقول .... !
تابعتْ بهدوء وهي ترشف القهوة :
ــ اختار لي أبي بعد إصراري على رفضي مزاولة هذه المهنة، أن أتزوّج برجل سيتنازل عن كنيته ويحمل اسم عائلتي، ويصبح بذلك كاهن المعبد الذي ورثناه عن أجدادي، و وَعدَني أن يدعم طموحي في دراسة الفلسفة ..
ها .. عاد أرسطو يحدّثني عن عشقه للفلسفة .. أقْطعُ ذراعي إن كنتِ صادقة يا مينامي !
.. إلا أني رفضت عرض أبي، ذلك أني كنت أحبّ زميلي في المدرسة وهو الذي أصبح زوجي فيما بعد، فغضب أبي وامتنع عن مساندتي في تكاليف الجامعة المرهقة، فانفصلتُ عن أهلي واستأجرت غرفة متواضعة، في بيت له شهرة كبيرة في صناعة ال ( ساكيه Sake ) المشروب الكحولي، حيث عملت، إلا أني للأسف عجزتُ عن تسْديد الأقساط في السنة الثانية فتركتُ الجامعة، وكنت من المتفوّقين . ماذا ؟ أرى نظرة الشك في عينيكِ !

لم أعد أعرف كيف أدير حرَجي وقد فضحتْني نظرات الشك في قولها، إذ لا يُعقَل أن يدلّ هذا الإغراق في الضحك، و.. هيْأتها .. وتصرفاتها على ذكاء وتفوّق !

قبضتْ مينامي على ذراعي التي كنت سأقطعها قبل قليل وهي تهزّها مبتسمةً وقالت :
ــ مرضي العصبي ليس فادحاً، وفي أدنى درجاته الآن، لكنه كان وما زال العائق لتواصُلٍ طبيعي مع المجتمع، وسبّب لي ولعائلتي الكثير من سوء الفهم . للوراثة دور، لكن المحن التي تكاثرتْ عليّ عمّقتْ الأعراض . ثِقي أني كنت في كامل قواي العقلية هاهاهاها وطالبة متفوّقة حقاً .. بعكس زوجي الكسول هيهيهيه .. في الثانوية وجّهني أستاذنا إلى قراءة الفلسفة اليونانية القديمة، إذ كان يرى أن فجر الإنسانية بدأ مع حكماء الإغريق، وكان يشير دوماً إلى فولتير ونيتشه .. ياااه ~ العالم رحب وجميل ..

توقفّتْ مينامي فجأة ثم وضعت كفّها على فمها تكتُمُ ضحكة تتردّد في صدرها وتَخرُج نفخات من أنفها، نظرتُ إليها فواجهتْني بفمٍ مزموم، ومن بين أسنانها خرج صوتها رفيعاً مخنوقاً مقهقهاً وهي تضربني مرة على كتفي ومرة على ركبتي :
ــ زوجي كان يغار عليّ من أستاذنااااا ~~ ههههههههههه !!

ولما هدأتْ نوبة ضحكنا، تابعتْ والانشراح على وجهها :
ــ كان يرافقني إلى المكتبة العامة، فيقرأ في قسم القصص المصوَّرة ال ( مانغا )* التي يحبها الأطفال والمراهقون، ليشاهد صور البنات الحلوات لأن التي أمامه ليست على مستوى طموحه هيهيهيه، لكنه للأمانة كان يحبني .. وأنا أيضاً وأنا أيضاً وأنا أيضاً ..
واللهِ إلى أن تنتهي من التعبير عن حبكِ لزوجك ستخلعين كتفي بضرباتك لو تعلمين !
أنقذني من خبطاتها حديث الفلسفة فتابعت بسعادة :
ــ وأنا في المكتبة كنت أقرأ في قسم الفلسفة . لا تنسي أن تذكّريني لأسألكِ عن معلومة لم أقتنع بها لعلك تعاونيني على فهمها ؛ قدراتي الذهنية لم تعد تساعدني على الاستيعاب بسبب الدواء، أكتفي بقراءة ملخّصات لا تعطي توضيحاً كاملاً لكل النقاط.
تحسّسْتُ ذراعي التي كانت مشروعاً للقطْع لو كانت مينامي صادقة ! يبدو لي أنها لا تكذب .. أوليييي ~~~ !!! حديث في الفلسفة ؟ في حياتي لم أقرب الفلسفة إلا من أطرافها ! وخشيت أن يغلبها تداعي الأفكار كعادتها، فتنفّذ وعدها في لقائنا الماضي بنقاش رواية الكاتب جورج أورويل .. أنا التي لا أعرف عنه إلا اسمه ! ماذا كان عنوانها يا الله .. ماذا ؟ .. ذكرتْ فيها كلمة : الأخ .. يللا ~ ليس وقتها .. فرجوْتُ مينامي أن تتركنا من أمر الفلاسفة وتسترسل في قصتها الشيقة !!! فقالت :
ــ لولا عقلي غير المقتنع بعمل والدي لما قابلتكِ، وكنت أمارس اليوم مهنة مضحِكة تعمل على سرقة البشر، هيهيهيه .. وهذا ما قلتُه لأبي فاتّهمني بالجنون.
أنّبتُها مستنكِرة :
ــ لا أظن أن مرضكِ العصبي يمنعك من الحديث باحترام عن عمل أبيك الجليل . كيف تتحدثين هكذا عن مهنة سامية تمنح الناس شعور الاطمئنان وتحثّهم على السلام والمؤازرة ؟
أجابتْ ولهجتها تنطوي على استخفاف وهزء :
ــ السلام .. المؤازرة ، هه .. المؤازرة لرفْد القائمين على شؤون الآلهة بالمال ! الكهنة يقبضون ثمن بيع مكارِم الآلهة، لقاء حفنة من الاطمئنان الكاذب يقدّمونها للمؤمن، لِحجْز مساحة طويلة من العمر على الأرض بلا مصائب، ومكان في الجنة إلى جانب الأجداد المقدَّسين، ليستمرّ وهْمُ الخلود مع هذا التقديس الزائف . أما السلام ؟ فهو الذي يدفع الناس إلى الاستقامة بلا دهشة ولا سؤال ! عالم يختلط فيه السحر بالوهم، ونحن نغذّي هذه التجارة بأموال النذور الضخمة . هذه سرقة لعقول البشر وجيوبهم.
ــ ضخمة ؟
ــ وإلا ؟ مَن اخترع لنا شعائر خاصة لنتّقي غضب آلهة الخراب وشرورها ؟ أخبِريني كيف لِلوْحةٍ كُتِبت عليها عبارات مقدسة ستدفعين ثمنها خمسين دولاراً أن تحصّنكِ ضد حوادث المرور ؟
ــ خمسون دولاراً ثمن تعْويذة ؟؟!
ــ احْسبيها .. عندك مصائب من الأرض إلى الفضاء، بدءاً من الدراجات الهوائية إلى صواريخ كوريا الشمالية هاهاهاها، مروراً بالقطارات ومراكب الصيد والطائرات ....
ــ يا بلاش إذاً ! بسيطة لو كانت التعويذة تضمن السلامة من كل هذه الحوادث.
ــ طيب .. بسيطة أيضاً ؟ لو دفعتِ فوقها خمسين آخر رشوةً للآلهة لضمان نجاح ابنتك في الامتحان .. أو رجاء الحصول على عمل ممتاز لابنك .. وخمسين للوقاية من الحريق، وخمسين للزلزال... الإقناع بالشعوذة سياسة وفن، فنكتب توسلاتنا للإله على ورقة نعلقها على شجرة مقدسة... أين تذهب أموال المذعورين إلا لمنافع الكهنة ؟ لم يفكر بوذا بامتلاك الأراضي والقصور الفارهة .. لم يتنقَل بسيارة فاخرة كسيارة أبي .. ركب نعْلَين مهترِئين ومَشى في الأصقاع درويشاً مبشِّراً.

أدهشني قولها وهي ابنة كاهن بوذي . خاطبتْني مينامي بصرامة :
ــ لا تتعجّبي هكذا ! من مصلحة الكاهن أن يزيّن الخرافة ويلبّسها بمراسم أراها مَسْخرة، مُضجِرة لا تنتج شيئاً للمجتمع ومُهدِرة للوقت.
أجبْتُ فوراً وأنا أعبّر عن قناعتي الإيمانية :
ــ ماذا يضيرك أن يعلق الإنسان ورقة على شجرة فيها أمنية ورجاء إن كانت تبعث في نفسه الأمل ؟ مهنة والدك التي لا تقنعكِ، هدفها جلْب الراحة النفسية للمؤمن، هي وسيلة لرفْع قدرة الإنسان على تحمّل المعاناة ومفاجآت الحياة القاسية.
ردّدتْ نظرها بيني وبين الفراغ وفمها يَشي بالسخرية قبل أن تقول :
ــ نحن نتوهّم أننا نعيش في سلام نفسي بتقديس الأسْلاف والتوسّل إلى الآلهة الطيبة، لكن المنطق يقول إن سلامنا مقيَّد بالآلهة الفاسدة، والالتصاق بها تجنّباً لشرورها وسحْرها الملعون الذي يقلب حياتنا سواداً، وباسْتِرضائها المتواصل بطقوس خاصة تعمل على امتصاص القوة من نفوسنا لأنها تُبقينا في حالة خوف دائم .. وليس دفْع القوة في نفوسنا كما تظنين . إذا كانت رشوة الشيطان تضمن لنا راحة البال، فما فائدة الآلهة الطيبة ؟!

هل مينامي تكذب علي فتقول إنها مريضة ؟ والله هذه المخلوقة سليمة العقل !
هممْتُ باستغلال لحظة صمت لأسألها، فقاطعتني :
ــ لم أنتهِ من اعتراضي بعد .. لاحِظي أنه نفس الوضع على أرض الواقع ؛ نحن لا نبالي بالأنقياء، ولا نكترث جدياً للطيبين إلا التماساً لِصَوْن الضمير من الوخْز ! إنما نسعى بالتزلّف إلى الخبثاء، ونُريق ماء وجهنا عند عتباتهم لتحقيق سلامة مصالحنا .. الجارات يُلقينَ السلام علي رفْعاً للعتب، يستبعدْنَني لأنه لا يليق بالمتكبّرات أن تظهر ثرثارة مثلي إلى جانبهن، وهنّ لعلمكِ أكثر ثرثرة مني ! وأبي حرمني من كل شيء إلا من نزْر يسير، وانصرف تماماً إلى أختي وزوجها لتقوم أعمال المعبد على أكتافهما، الدنيا ظالمة.
نظرتُ مليّاً في عينيها الجاحظتين أتأمّل قولها، ثم علّقتُ :
ــ أحياناً نضطر إلى مُداهنة منْ يحقق مصالحنا.
فعَلا صوتها :
ــ وهذا ما نفعله في معابدنا ! يقول لكِ أرسطو : إن ..
ــ يا أختي دَعينا الآن من أرسطو ورفاقه وتابعي قصة الآلهة الغاضبة !!
ــ لا كرامة لمنْ يتوسّل للآلهة الغاضبة ويطلب رضاها فزَعاً من أن يلحق به سوء.
فسألتُها مستغربة :
ــ ما دام للآلهة الخيّرة وللأجداد المقدسين المقدرة الفائقة على حمايتكم، فلِمَ الهلع من مِحَن الحياة ؟
ــ هذا السؤال الذي أنتظره منك ! مئات السنين ونحن نسْتعطِف الآلهة، فأين ذهبت شفقتها ومفعول التعويذات عندما سقطت القنبلة الذرية على رؤوسنا ؟ ولكن .. ماذا نقول لمنْ استولى الفزع على عقله فلا يلتفت إلى عجْز السلف المقدس عن حمايته ؟ يقول لكِ أرسطو : إن ..
قاطعتُ مينامي :
ــ قلنا اُتْركينا من سيرة أرسطو وأجيبيني : هل بعد هذه القفزات الجبارة ما زال إنسانكم يلجأ إلى الأوهام ؟
فردّتْ محتجّة :
ــ الخوف ملازم للإنسان ؛ يخشى المرض، الخرَف، غضب الطبيعة، المجهول .... ، العقل غير قادر على الإحاطة بكل أسباب المصائب فيضْعف تجاهها، لكنه لا ينهزم ولا يكفّ عن البحث . أعتب على الإنسان المتعلّم الذي لا يواجه ضعفه بالتفكير الشجاع.
ــ ولكني لا أجد أن ..
ــ هذا التملّق للآلهة وتصديق كل ما من شأنه أن يُبعِد المرض والألم، أراه عملاً مُهيناً للعقل.
ــ ولكني لا أجد أن..
ــ ما عمل أبي ؟ إنه يوحي للمؤمن أنه بصلاته يطرد الأرواح العابثة بمصائرنا، لكنه في الواقع يغذّي القلق في النفوس، ليظلّ المرتعِشون يرفدون صندوق النذور ببركاتهم !
ــ ولكني لا أجد أن ..
رفعتْ مينامي كفّها في وجهي وقالت بصوت متقطّع :
ــ لم أنته من كلامي بعد .. انتظري .. عندما أنتهي يحين دورك !
ضحكتُ لملاحظتها، لكن زعْقها أجهدها، فغلبَتْها نوبة سعال، وأخذتْ تضرب على صدرها بيد، وتشير إليّ بيدها الأخرى أن أدقّ على ظهرها . ولما هدأت قليلاً تابعت بصوت مجروح وعيناها دامعتان :
ــ أنتِ لم تسأليني حتى الآن : أليس بمقدرة الآلهة الطيبة إيجاد عالم بلا شرور وتضمن سلامتنا من المصائب بدون هذه البرْطلة ؟ حسناً سأجيبكِ ... ؟!! ومن أين سيعيش المتاجِرون بالخوف عند الإنسان ؟ صمتتْ قليلاً وأنا أتابع كلامها بإعجاب، ثم أردفتْ بسخرية وتهكّم :
ــ هذا يخترع لنا حجراً كريماً يردّ المرض، وذاك يروّج للعين الزرقاء العنصرية مانعة الحسد، ولماذا ليست سوداء ؟ وثالث يبيعنا تمائم تدفع الأرواح الشريرة ..... حان دورك الآن، قلتِ لي : لكني لا أجد أن .. ولم تتابعي، ماذا أردتِ ؟
ــ ماذا أردتُ ؟ ..... نسيتُ !
ــ هاها سأحمل لكِ تميمة من دكان أبي هدية حتى لا يصيبك النسيان هههههيه.

يتبع

* مانغا :
http://www.sasapost.com/japanese-anime/