سوريا بين لعبة دولية انتهت وأخرى قادمة

بدر الدين شنن
2016 / 8 / 16

إن الأرقام التي نشرها في الأسبوع الماضي ، مركز الدراسات الألماني " فيريل " ، حول عدد المسلحين الأجانب في سوريا ، لا تكفي وحدها لتقدير حجم وفظاعة الجريمة الدولية ، التي قامت بها دول ، تصف نفسها .. وتوصف عالمياً .. بالتمدن والتقدم الحضاري ، بحق الشعب السوري ، الذي لم يقم بأي عدوان على أي منها .
ولدى البحث العلمي ، والإنساني ، يتضح أن السبب الكامن وراء هذه الجريمة ، إنما هو ، أسلوب الإنتاج الرأسمالي ، الاستغلالي ، العدواني ، الذي يسود مجتمعات هذه الدول ، ويتواصل فيها تحكم عقلية وقوانين الغاب ، التي تفرز الفكر العدواني المتوحش ، على الأفراد والشعوب .

يقول " مركز فيريل " أن ( 360 ) ألف مسلح من ( 93 ) دولة ، قد دخلوا سوريا بصورة غير شرعية للقتال فيها ، وذلك منذ ( نيسان 2011 .. حتى نهاية 2015 ) . أي بمعدل ( 6400 ) مسلح شهرياً تقريباً . وإذا أضفنا إلى هذا العدد ، أعداد المسلحين الذين دخلوا سوريا ، في الأشهر الماضية من العام الجاري ، بنفس المعدل ، فإن الرقم الإجمالي يتجاوز ( 400 ) ألفاً . ومن الجدير ذكره ، أن معظم المسلحين الأجانب ، قد دخلوا سوريا ، عبر الحدود السورية مع تركيا ، والباقي دخلوها عبر الحدود مه الأردن ولبنان والعراق .
وقد اعتبر " مركز فيريل " أن هذا الذي جرى في سوريا ، هو أكبر تجمع للمسلحين الأجانب ، في بلد واحد في التاريخ .

وبصرف النظر عن الغايات الفردية ، والعصبوية ، والمذهبية ، للمسلحين الأجانب ، المرتبطة بأوهام الأرض والسماء ، فإن الغاية المشتركة ، لأكثرية الدول ، التي تدور بالفلك السياسي " الأورو ـ أميركي " ، التي لعبت أدواراً مباشرة ، في تجنيد ، وتمويل ، وشحن وتسويق المسلحين الأجانب ، هي في الحد الأدنى ، إلغاء الكيان السوري القائم ، وتقاسمه ، وإقامة كيانات أ قلوية عرقية ومذهبية متنافسة على أنقاضه ، لا تخدم حقيقة سوى الكيان الإسرائيلي ، والمنظومة الرأسمالية الغربية ، ضمن مخططاتها للهيمنة على العالم .
أما الغاية الكبرى ، أي الحد الأقصى ، للدول الاستعمارية العريقة بالقرصنة والغزو والنهب ، فهي ضم " الجيو ـ سياسية " السورية " .. وبعض البلدان الإقليمية ، إلى خريطة نفوذها الاستراتيجية ، العسكرية ، والسياسية ، والاقتصادية ، لتعزيز قواها وقدراتها التنافسية ، مع معسكر رأسمالي آخر يقلقها ــ " دول بريكس " وتجمعات اقتصادية أخرى يتعزز تكاملها مع بريكس ــ ، ليس لنسب نموه المتصاعدة بعامة ، وانتشاره الدولي وحسب ، وإنما لأنه من المستحيل التغلب عليه ، في السلم أو في الحرب ، وذلك لامتلاكه الطاقة ، والثروات ، والأسواق ، ولامتلاكه قوة ردع نووية مرعبة .. وهذا هو الأهم .

ولذا ، فإن الدول الاستعمارية العريقة لم تعد تستطيع حسم صراعاتها مع دول مناهضة لها ، حول الأسواق والثروات الطبيعية ، والنفوذ الإمبريالي ، كما حصل في الحربين العالميتين ، الأولى والثانية ، في القرن الماضي . بدلالة أنه بعد تسلح الدول العظمى بالسلاح النووي ، لم تجر حرب عسكرية مباشرة بين التكتلات الرأسمالية المتنافسة . وما جرى من حروب ، كانت حروباً بالوكالة ، بين دول موالية لهذا التكتل أو ذاك .
وفي هذا السياق ، فإن إسرائيل بعد تمكينها من السلاح النووي ، لم تخرج عن نطاق دورها ،في أداء مهام عسكرية بالوكالة ، لصالح الغرب الاستعماري .

وللتعويض عن ذلك ، وهذا أمر بات محسوماً ، لجأت هذه الدول ــ الاستعمارية ــ إلى إنشاء آلية حربية جديدة ، لاستخدامها في مشاريعها الحربية ، تحت مسميات براقة مخادعة ، مثل " الثورات البرتقالية .. والربيع العربي " كما ذكنا آنفاً . وعند تمكن هذه الآلية من نجاح ، لا مانع من كشف حقائقها ، وغاياتها ، مهما كانت موغلة في الدم والتعصب .

وبالعودة إلى الرقم الذي أورده " مركز فيريل " تتضح هذه الحقيقة الخبيثة في الحرب الكونية المعاصرة . إذ كيف خلال مدة وجيزة ، أو نتيجة لردود أفعال عنصرية ، أو طائفية ، متطرفة ، عاجلة ، أن تتجمع هذه المئات من الآلاف من الإرهابيين ، ولو بصورة متدرجة ، من أماكن وجنسيات مختلفة ، وتتجه حاملة بوصلة واحدة ، تحت قيادات مجهولة ، ولغايات متباينة ، نحو بلد واحد ، ليس بين شعبه وحكومته وبينها أي حالة حرب ، أو عداوة مولدة لحرب . إن لم يكن هناك ، حسب المنطق العمليات العسكري ، قيادة مركزيو دولية ، تقود كل هذه الآلاف المؤلفة ، وتتمتع بأسوأ عقليات الغاب المتوحشة ، وأسوأ أساليب القرصنة والغزو .

وقد برهنت الوقائع ، والتحقيقات السياسية والإ علا مية الموضوعية والنزيهة ، أن هذه القيادة موجودة فعلاً ، وهي : الإدارة الأميركية وحلف الناتو . وفي مرحلة الانتخابات الرئاسية الأميركية الجارية ، كشف المرشح الجمهوري " دونالد ترامب " ‘، أن أوباما ووزيرة خارجيته السابقة " هيلاري كلينتون " هما من أنشآ " داعش " . ومن ثم أصدرت " كلينتون " كتاباً تحت عنوان " خيارات صعبة " اعترفت فيه بأن الإدارة الأميركية قامت بتأسيس " الدولة الإسلامية في العراق والشام ، لتقسيم منطقة الشرق لأوسط . وتم الاتفاق مع بعض الأصدقاء على الاعتراف بالدولة الإسلامية فور إعلانها . وخلال 72 ساعة فشل الإقدام على القيام بذلك .. وعزت الأسباب إلى تداعيات حدثت في مصر .

ولما تأخذ هذه الحقيقة مكانتها من المصداقية ، تبدو " ثورات ، البرتقال ، والياسمين ، والربيع العربي " ثورات باهتة فاشلة . وإن حققت هنا أهناك بعض النجاح ، فلا تلبث أن تنكشف أنها مجرد حركات مشبوهة ، وتتحول إل مصدر للإرهاب إلى مناطق أخرى في العالم . مثلما حدث في أ فغا نستا ن ، والبلقان ، وجورجيا ، وأوكرانيا ، وليبيا ، والعراق .
وتبدو الشعارات الشعبية المحببة ، مثل الحرية والديمقراطية ، والحياة الدستورية ، مشوهة ، ونازفة ، ومقزمة ، والرايات التي تخص هذه الشعارات ، تتبدل برايات سوداء تعبر عن تراكم مزمن ، من التعصب والتخلف .
وتبدو القوى السياسية ، التي ركبت موجات ، الليبرالية والعولمة ، وتحللت من قيم ومعايير العقل والمنطق ، تزحف خارج مفاهيم السياسة الوطنية .. خارج قيم وأخلاقيات المعارضة تحت سقف الوطن وفي الظروف المناسبة البناءة ، أملاً بمكاسب آنية ، ومستقبلية ، تحظى بها ، في زمن الحرب ، وفي زمن ما بعد الحرب .
يقول " برهان غليون " رئيس المجلس الوطني السوري المعارض " الأسبق ، وهو أحد المعارضين الذين تحدث عنهم لموقع " شبكة شام الإلكتروني " : " الشعب السوري تعرض لخدع متتالية ، لكن أكبرها خدعة ، خدعة معارضة التي تسلق عليها أشخاص لا يريدون بذل أي جهد وهم إلى جانب ذلك عديمو الخبرة والشعور بالمسؤولية والرغبة في التعلم " .

ولما نستعرض بالمقابل ، أرقام نتائج الأفعال البشعة ، باسم " الجهاد .. والثورة " ينكشف كذب ونفاق الدول العدوانية ، التي دعمت وتدعم المسلحين الأجانب ، بمختلف متطلبات الحرب . كما ينكشف كذب ونفاق وخيانة الساسة والنخب المعارضة الداعية والداعمة للحرب ، بدلالة ما تصرح به مختلف المنظمات السياسية ، والحقوقية ، والإنسانية ، الدولية ، من حقائق حول الكارثة السورية ، منها:
- أن عدد القتلى في الحرب الدائرة في سوريا منذ خمس سنوات ونيف ، تحت مسميات .. شهداء .. وقتلى .. وضحايا .. بلغ مئات الآلاف . ومن البديهي أن يكون إلى جانبهم أكثر من مليون مصاب وعاجز ومشوه .
- أن عدد النازحين في الداخل الذين فقدوا الأمان في محل إقامتهم ، أو فقدوا بيوتهم بالاستيلاء عليها أو تدميرها ، الباحثين عن ملا ذات وأماكن آمنة ، نحو خمسة ملايين شخص
- وأن عدد المهاجرين والمهجرين خارج سوريا ، وخاصة إلى تركيا والأردن ولبنان يتجاوز الثلاثة ملايين
- يقدر البنك الدولي ، أن تكلفة إعادة إعمار سوريا ، تحتاج إلى ( 180 ) مليار دولار .

وهنا يطرح السؤال المشروع نفسه : هل هذه الأرقام السورية النازفة .. دماء .. ودماراً .. هي نتاج مفاعيل جهاد يبغي حقاً مصالح الناس في الدنيا والآخرة . أو مفاعيل " ثورة " تبغي الحرية ،و الديمقراطية والتقدم الاجتماعي صدقاً ، حسب منطق وعلم الثورات الشعبية ؟ ..

الواضح تماماً بعد سلسلة التداعيات الدولية والإقليمية ، والتقدم المتواصل الذي يحرزه الجيش السوري ، وانهيار جبهات للمسلحين في سوريا والعراق كان يعول عليها ، وسقوط الأقنعة عن المخططات والنوايا العدوانية المتوالية في أميركا والغرب ، ومنها مؤخراً تصريح وزير الدفاع الروسي ، عن أن الناتو كان بصدد قصف سوريا ب ( 634 ) صاروخاً ، وقد حال التدخل الروسي في الحرب ضد الإرهاب إلى جانب سوريا ، دون قيامه بذلك .

الواضح .. أن لعبة " الجهاد .. والثورة " قد انتهت . وفقد كل الصغار المشاركين ، والمعنيين فيها ، المسلحين والمدنيين صلاحيتهم ، في المتابعة ، كمأجورين ومغفلين .
اللعبة الدولية القادمة مكشوفة . وتحتاج إلى لاعبين كبار ومهرة في تحقيق الأهداف بآليات جديدة .

ما يهمنا نحن السوريين ، في اللعبة الدولية القادمة .. الأكثر مكراً وتكلفة .. هو أن نجد .. ونجدد أنفسنا .. وعقولنا .. ونعرف كيف نحدد سمتنا ومساراتنا .. لنعرف كيف يمكن إنقاذ سوريا من رواسب اللعبة التي انتهت ، ومخاطر اللعبة القادمة . وكيف تعود سوريا أقوى وأفضل مما كانت قبل (2011 ) ، على كل المستويات ، السياسية والاقتصادية ، وخاصة ما يتعلق بالحريات العامة جملة وتفصيلاً .. وما يتعلق بإعادة بناء ودعم القطاع العام الإنتاجي والخدمي .. بما يضمن توفر أسس العدالة الاجتماعية .. وبناء الدولة القوية .. بشعبها وجيشها وأصدقائها .