هل للماركسية راهنية ام ماتت بموت معلميها ؟

الرفيق طه
2016 / 8 / 14




النظرية الماركسية مؤسسة على الدياليكتيك . بمعنى انها مبنية على الاسس العلمية التي انتجتها البشرية منذ نشأتها ، و تطورت معها بتراكم و تجدد مستمرين .
تطور العلوم المستمر و بسرعة متزايدة مع توسع المعرفة العلمية ميدانيا و موضوعاتيا جعل الماركسية تتقوى و تزداد قدرة على تحليل الواقع المادي ، الاجتماعي و الانساني . ذلك لان العلوم هي الاسلحة الاساسية في الماركسية .
و ما كان للماركسية ان تكون نظرية علمية لو لم تعتمد التحليل الملموس للواقع الملموس . و ما كان للماركسية ان تكون نظرية ثورية لو لم تعتمد الابداع في تحليل الواقع المادي و الثورية في فك عقده و رموزه
المعلمون الكبار في تاريخ الماركسية ، ماركس انجلز ، لينين ستالين و كل من عاصرهم و اقتفى اثرهم (بغض النظر عن اختلافاته و هفواته و اتفاقنا مع هذا و اختلافنا مع الاخر ... )من خوجا و ماو ، مهدي عامل هوشي منه ، ...ما كان لهم ان يعرفوا باسمائهم لو لم يبدعوا في مجالاتهم المعرفية واتوا بإضافات بهذا القدر او ذاك في الفكري الثوري الاممي . انهم ابدعوا و انتجوا الجديد الذي يتوافق و التحليل العلمي لواقعهم الموضوعي ، مستعملين في عملية تفتيته سلاح الدياليكتيك بناء على مقولة التحليل الملموس للواقع الملموس . تحليلاتهم و ابداعاتهم انطلقت من واقع مادي مستقل عن فراغات و اوهام مثالية و عقائد جامدة ، و توخت التثوير باستخلاص الدروس من المعطيات المادية الملموسة . الثورة الصناعية ،الثورة الفرنسية ، كمونة باريس و الازمات المتتالية في النظام الرأسمالي الاحتكاري كانت واقعا ملموسا و اسسا مادية لماركس و انجلز للتاسيس لماركسية الرأسمالية الاحتكارية و التنظير لماركسية ما قبل الرأسمالية الاستعمارية ، حين لم يكن الاستعمار قد تطور بعد . و قد كانت تلك النظرية اجابة موضوعية و ثورية للمرحلة السابقة للثورة البروليتارية . مرحلة تهيئة البروليتاريا للثورة . و هي مرحلة لم تكن الثورة البروليتارية فيها ضرورة مباشرة و عملية لابد منها .
و الى جانب ماركس و انجلز كان هناك جيش عرمرم من المفكرين و الفلاسفة الذين جعلوا من النظام الراسمالي وازماته مواد موضوعاتية لبحوثهم لكنهم لم ينالوا الاهتمام الذي ناله المعلمين ماركس و انجلز . ذلك لان منهجهم كان مثاليا مرتبطا بالاوهام اللبيرالية و الفيودالية التي كانت طاغية في زمنهم ، او لانهم استعملوا المنهج المادي و بقوا سجناء الاوهام العقائدية الخالية من الابداع الثوري القادر على الانتقال من وضع الى آخر متقدم عليه .
التطور الذي عرفته الرسمالية ،من الرأسمالية الاحتكارية الى الرأسمالية الامبريالية الاستعمارية ، تطلب بعث المحتوى الثوري للماركسية و اتخاذ الخطوات اللازمة ، لمواكبة ما تعرفه الرأسمالية في تطورها المطرد، و تطوير الماركسية لتجيب على الوضع الجديد للرأسمالية و لنضال البروليتاريا الطبقي .
و هذا ما تمكن ، لينين ، التلميذ النجيب لماركس و انجلز من ضبطه و تحديده بشكل علمي رزين .
لينين لم يسر على خطوات الاممية الثانية التي بنت تنظيراتها على معتقدات جامدة و وأدت المحتوى الثوري في الماركسية و اسست للجمود الفكري العقائدي للقائمين عليها عليها . بل تمكن من ضبط انفاس النظام الراسمالي ، الذي تطور من الاحتكار الى الاستعمار ، فطور الماركسية لتصبح "نظرية و تاكتيك الثورة البروليتارية بوجه عام و نظرية و تاكتيك ديكتاتورية البروليتاريا بوجه خاص " (1). و كانت تلك هي الاجابة العلمية وفقا للدياليكتيك المادي .
ان ما ميز لينين عن الذين عاصروه هو انه ناضل في مرحلة الاستعمار المتطور و مرحلة الثورة البروليتارية الآخذة في النمو, و في وقت انتصرت فيه الثورة البروليتارية في قطر واحد فحطمت الدمقراطية البرجوازية و دشنت عهد الدمقراطية البروليتارية . و هذا هو السبب في ان اللينينية تعد وحدها في عهدها تطورا للماركسية الى الامام ، في حين بقيت نظريات اخرى متخلفة و معاقة ، لانها لم تتسلح بجوهر الماركسية الثوري .
النظرية الماركسية اللينينية تميزت بالابداع في الماركسية ، لتأخذ الطابع الكفاحي و الطابع الثوري الى حد بعيد .
اما اتباع الاممية الثانية فقد بقوا سجيني ماركسية العصر الاحتكاري للرأسمالية اي ماركسية ما قبل الرأسمالية الاستعمارية . و بذلك اخرجوا الماركسية من اساسها المادي الذي تاسست عليه، اي المنهج الديالكتيكي المادي ، التحليل الملموس للواقع الملموس . لكنهم اعتمدوا اسسا و وسائل متخلفة لتحليل واقع متقدم . و هذا ما لم ينطل على لينين و اترابه .هؤلاء الذين تمكنوا من الثورة على الماركسية العقائدية و تبني الماركسية الثورية المبنية على العلمية ، انتصروا على الجمود الفكري و العقائدي ، و عملوا على الدفع بالماركسية لتساير الواقع المادي المتطور من الرأسمالية الاحتكارية الى الرأسمالية الاستعمارية ، و الانتقال من مرحلة تهيئة البروليتاريا للثورة الى المرحلة العملية لتأسيس ديكتاتورية البروليتاريا .
قدرة لينين الابداعية مكنته من حل شفرات المرحلة الرأسمالية و تناقضاتها و آثارها على جمهور البروليتايا عامة ، و اسعفته ايضا لربح رهان الحرب المتعددة الابعاد . حرب نظرية ضد انتهازيي الاممية الثانية و المرتدون من بعدهم و المناشفة و الذين ساروا على خطاهم ، و حرب علمية بنت صرح الماركسية كنظرية و تاكتيك للثورة البروليتارية عامة و لديكتاتورية البروليتاريا خاصة . و حرب عملية قادت الثورة ضد القيصرية في روسيا و من خلالها مواجهة الاستعمار و تاسيس الديمقراطية البروليتارية تدشينا لنضال اممي بنظرية موحدة تحت راية سميت بالماركسية اللينينية . تلك النظرية التي اسست لاول ثورة بروليتارية في التاريخ و كان لينين قائدا لها .
نجاح الثورة في روسيا سنة 1917 و كيفية السير بها الى بر الامان في واقع الحصار و الحرب الامبريالية و الازمة الاقتصادية للدولة السوفياتية الوليدة و علاقتها بالحركات الثورية في الدول الاستعمارية و وضع حركة التحرر الوطني في الدول المستعمرة كانت ارضا جرداء امام ستالين تتطلب زراعتها بما يناسبها .
فلولا القدرات الابداعية للتلميذ النجيب للينين ، ستالين ، ما كان للثورة ان تقوم لها قائمة في بلد واحد و تمر الى بر الامان و تنتصر على الازمات الداخلية و تنتصر على اعداء الثورة من المنتسبين للماركسية . كما فوتت الفرصة على الامبريالية لايقاع الدولة الفتية ضحية للامبريالية النازية بل و الانتصار عليها في حرب كونية قادها ستالين و جعل من الدولة السوفياتية و حركة التحرر العالية رقمين لا يمكن تجاوزهما في المعادلات الدولية للامبريالية العالمية . هذه كانت قبل هزيمة النازية تلعب على الكرة الارضية كلوحة الشطرنج ، تتقاسمها و توزع خيراتها ، بل و تتبادلها كبلدان بلا سيادة ، كما توزع الثروات توزع البشر و الشعوب و الامم بينها .
المنهج الثوري الصارم الذي تبناه ستالين سيرا على خطى معلمه لينين ،و الذي حافظ به و من خلاله على الروح الثورية للماركسية ، هو الذي مكنه من التمييز بين عهد النضال الثوري ضد الامبريالية (عبر مواجهة القيصرية و تنظيم العمال و بناء الحزب و تحالف البروليتاريا ) ، قبل قيام الدولة السوفياتية ، و بين النضال الثوري في عهد التاسيس و البناء للثورة الاممية بقيامها في بلد واحد و المرور الى بر النجاة ببناء مؤسسات الدولة السوفياتية و تربية العمال و الفلاحين و عموم الجماهير على الوضع الجديد .
الماركسية الثورية التي تشبع بها ستالين هي التي مكنته من اتخاذ قرار الحرب في الوقت المناسب و لم ينخدع بدعوات ذوي الجمود الفكري ،اولاءك الذين استدلوا بعقد الصلح مع المانيا في عهد لينين و رفضوا الدخول في الحرب و نددوا بها و كادوا يجهزون على القدرات الخلاقة للدولة العمالية في الدفاع عن سيادتها امام العدو الامبريالي النازي .
ستالين قائد ماركسي محنك . ميز واقع الامس ، حين كانت الدولة جنينية و دخولها في الحرب خسارته اكثر من ربحه، و سيقضي على الثورة ، و واقع اليوم الذي تغيرت فيه روسيا و تغير فيه موقف المانيا من اي صلح .
كان هتلر يرغب في القضاء النهائي على التجربة الاشتراكية بمحو الدولة السوفياتية ، و لا يرغب في اي صلح . لذلك كان الموقف اجابة ماركسية و علمية في المكان المحدد و الزمان المحدد و وفق الشروط المحددة ، و ليس بناء على موقف لينين او ماركس بشكل عقائدي جامد .
كما ان القضاء على فئة الفلاحين من الامور المسلمة في بناء ديكتارية البروليتاريا . لكن وفق اي شرط و في اي ظرف ؟ . هذان السؤالان لا يطرحهما الماركسيون عقائديا و اللاماركسيون واقعيا . لانهم دعوا الى هذه العملية في ظروف كانت فيها الثورة السوفياتية مهددة بالانهيار بسبب المجاعات و قلة المحاصيل . لكن ستالين و اتباع الماركسية اللينينية في القيادة تمكنوا من حل المعضلات الزراعية ، و تمكنت روسيا من تجاوز المرحلة لتستعد الدولة السوفياتية بقيادة ستالين باجراءات القضاء على طبقة الفلاحين . الا ان اغتيال ستالين و سيطرة الخط الخروتشوفي المرتد حالت دون استكمال المسار . بل ان هذا الخط لم يكتف باغتيال القائد بل اغتال الاتحاد و اغتال التحالف بين السوفيات و قيادات حركة التحرر الوطني في الصين و البانيا و كل بلدان العالم لينهيها بحل الاتحاد السوفياتي و انهاء التجربة الاشتراكية .
قيادات حركة التحرر الوطني المتشبعة بالفكر الماركسي و التي تمكنت من التسلح به لمواجهة واقعها الخاص انجزت ثورات من قبيل الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونغ . هذا الذي تمكن من سبر اغوار المجتمع الصيني الذي يسيطر عليه الاقطاع و اغلب شعبه من الفلاحين و القرويين ، بل ان الامية و الجهل كانت سمة عامة في المجتمع الصيني انذاك . لم يكن لماو ان ينتظر بناء صناعة في الصين لتتكون البروليتاريا و طبقة عاملة كاكثرية من جمهور المتضررين من الاستعمار و الاستغلال الامبريالي كما تقول الكتب المقدسة للماركسيين العقائديين ، بل تمكن من لم صفوف الفلاحين و القلة من العمال و الجنود للدفع بهم نحو ثورة صينية سنة 1949، و اسس بها للصين الشعبية .
و كذلك كان خوجا و هوشي منه و غيرهم من الماركسيين الذين حاولوا ان يضيفوا بالقليل او الكثير للماركسية بتجاربهم الثورية بعيدا عن الجمود الفكري و العقائدي . و هنا لابد من الاشارة الى محاولة التاسيس لنظرية ماركسية مرتبطة بشعوب الشرق الاوسط كان قائدها مهدي عامل الذي توقف عند المقدمة قبل ان تنال منه آلة الاغتيال الامبريالي بالوجه الطائفي .
مشروعه الذي بني على دراسة الاوضاع في الشرق الاوسط في ظل الراسمالية الاستعمارية و قيام دويلات ذات استقلالات شكلية و محكومة بانظمة عميلة ذات الجدور الاقطاعية البدوية او اخرى قومية ذات الانتماءات الطبقية للبرجوازية الصغيرة اللقيطة . برجوازيات الكمبرادور التي ترتبط مصالحها جدليا بالامبريالية و الصهيونية . انظمة مبنية على توازنات طائفية ذات الاصول الاقطاعية او شبه اقطاعية تعمل خادمة للشركات الراسمالية العالمية .
كانت محاولة مهدي عامل تتجه نحو بناء نظرية تنسجم و الوضع في المنطقة بناء على المنهج الماركسي السديد الذي تبناه المعلمون الكبار للماركسية .
منهج يجب على كل ماركسي ان يتقنه و يبدع فيه و به . لان الانتماء للماركسية ليس هو الدفاع عنها كمذهب بعاطفة الانتماء ،او بترديد مقولات الرموز او بالهجوم على المذاهب الاخرى و دحض طروحاتها . و لكن الانتماء للماركسية هو اعتماد المنهج العلمي السديد المؤسس على الدياليكتيك المادي ، و استلهام العبرة من المعلمين الكبار و اعتماد ثوريتهم في التفكير و التحليل . فالماركسي لن يكون ماركسيا اذا لم تكن له القدرة على استعمال منهجه الماركسي لمواكبة الواقع المتحرك و المتطور و الدفع بكل القوى الى الامام و تثويرها حتى تكون في خدمة البروليتاريا و افقها الشيوعي .
انه المنهج الذي اعتمده انجلز و ماركس في تحليل نمط الانتاج الراسمالي و اكتشاف قوانينه المتحكمة في تطوره ، و بذلك تميزا عن الليبراليين الكلاسيكيين او المجددين في اللبرالية من الكنزيين و النيو لبراليين و غيرهم .
و هو نفس المنهج الذي تبناه لينين و استقاه من الماركسية . لن يكون الانسان لينينيا اذا لم يستعمل منهج لينين الذي استنبط مراحل تطور الرأسمالية و مكنته من الاجابة على متطلبات الثورة في روسيا الاقطاعية القيصرية وسط محيط امبريالي استعماري .
بزوغ نجم لينين وحيدا في هذه المرحلة وسط عدد كبير من المفكرين الماركسيين من قبيل بوخارين و تروتسكي و آخرون ، هؤلاء الذين تواروا للخلف . لم يكن ذلك بسبب كسلهم او لانتماءاتهم العرقية او المذهبية ، و لكن لتميز لينين عن غيره بالقدرة على الاستجابة و الاجابة على متطلبات الواقع المادي بابداع و نباهة ربما لم تتوفر لدى رفاقه الاخرين . كان ذلك فقط لان لينين تبنى العلمية و الجدل في الماركسية في حين تبنى الاخرون في اغلب الحالات المنهج العقائدي و السكوني .
كذلك كان ستالين الذي سار على نفس خطى لينين في المنهج و لم يتبعه عقائديا .
ان ما يميز المعلمين القياديين عن غيرهم هو انهم يغيرون مجرى التاريخ بابداعاتهم التي تبقى للانسانية جمعاء . تستلهم منها الدروس عبر التاريخ .
ابداعات ماركس و انجلز فتحت امام العالم افقا جديدا في قراءة الواقع و المستقبل الماديين . و ثورة 1917 جعلت من لينين مهندس معالم عالم آخر جديد . كما ان تاسيس الاتحاد السوفياتي و تطوره السريع و انتصاره على اعتى جزء من الامبريالية ، النازية ، كان علامة اخرى جعلت من ستالين قائدا كسر جدارا من الاوهام التي اعاقت الانسانية و جعلها تؤمن ان عالما آخر ممكن .
المعلمون مبدعون و منتصرون ، حققوا ثورات امام الاخرين ،ليس بمعتقداتهم و لكن بمنهجهم العلمي ، المبني على الجدل و الابداع الثوريين .
في حين ان الذين تبنوا غير ذلك ، فقد دمروا ما بني بابداع و علمية بمعتقداتهم التي تميل نحو الابتعاد عن المنهج العلمي الديليكتيكي فوقعوا و اوقعوا العالم في احضان النقيض . و ما تفشي الردة في البرودونية و البرنشتانية و خمول التروتسكية و خيانة الخروتشوفية الا ادلة واضحة و دامغة على هذا السقوط في المستنقع .
اذن و بناء على ذلك كله اي ماركسية للمرحلة التي نعيشها ؟ و ما هي مميزات المرحلة من الراسمالية الاستعمارية التي نعيشها ؟و ماهي خصائص الرأسمالية الاستعمارية في هذه المرحلة على اعتبار انها اعلى المراحل . و اي الاسئلة التي يجب طرحها و الاجابة عنها في المرحلة ؟
...
سي محمد طه - الدار البيضاء 13/08/2016.