السعودية وسلاح النفط في ظل التوازنات الإقليمية الجديدة

ناجح العبيدي
2016 / 8 / 13

السعودية وسلاح النفط في ظل التوازنات الإقليمية الجديدة
استبقت المملكة العربية السعودية الجهود الجارية للتوصل إلى اتفاق محتمل بتجميد الإنتاج النفطي بالإعلان عن تسجيل رقم قياسي جديد في إنتاجها النفطي في شهر يوليو/تموز 2016 بلغ 10,67 مليون برميل يوميا. وبهذا تعزز الرياض موقعها باعتبارها أكبر دولة منتجة للنفط عالميا بعد أن نجحت في عام 2015 في إزاحة روسيا عن المرتبة رقم واحد للمرة الأولى منذ عام 2005. وجاء هذا الارتفاع في وقت كثُر فيه الحديث عن مساعٍ لعقد اجتماع غير رسمي لدول من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) ومن خارجها في الجزائر في نهاية شهر أيلول/سبتمبر القادم. وتأمل دول منتجة عدة ومتضررة من هبوط الأسعار في أن يتوصل اجتماع الجزائر إلى اتفاق بتجميد الإنتاج وإعادة التوازن إلى السوق النفطية العالمية. ولم تكن السعودية الدولة الوحيدة التي تزيد من معدلات إنتاجها. فقد كشفت آخر أرقام نشرتها أوبك عن تجاوز إجمالي إنتاج دول المنظمة في شهر يوليو/تموز لحاجز 33 مليون برميل يوميا مسجلا أعلى مستوى له منذ عام 2008. ولا يعود هذا الارتفاع إلى إصرار السعودية على سياسة إغراق الأسواق فحسب، وإنما أيضا إلى استمرار دول أخرى وفي مقدمتها العراق وإيران في جهودهما الرامية إلى رفع حصتهما في السوق النفطية العالمية بعد تهميش دورهما في السنوات الماضية بسبب الحروب والعقوبات. ويبدو أن السعودية وكذلك جاريها "اللدودين" يحاولان فرض حقائق على الأرض قبل اجتماع الجزائر المرتقب. فعلى الرغم من أن الرياض أعلنت على لسان وزير الطاقة الجديد خالد الفالح استعدادها للتعاون مع المنتجين في أوبك وخارجها للمساعدة في استقرار أسواق النفط، إلا أن هناك الكثير من المؤشرات ترجح أن مصير اجتماع الجزائر لن يختلف كثير عن سابقه في الدوحة قبل خمسة أشهر عندما سحبت السعودية في آخر لحظة موافقتها على تجميد الإنتاج بدعوى رفض إيران المشاركة في الاتفاق. وحتى لو وافق المنتجون الرئيسيون في الجزائر على الإبقاء على مستويات الإنتاج الحالية، فإن ذلك على الأرجح لن يكفي وحده لتحقيق الانعطافة التي طال انتظارها. وعلى الرغم من أن الإعلان السعودي يمكن تفسيره بأنه إقرار ضمني بفشل سياستها النفطية القائمة على ترك السعر لآلية السوق والعرض والطلب، تشير الوقائع على الأرض حتى الآن إلى عكس ذلك. ولا يقتصر ذلك على ضخ المزيد من الذهب الأسود إلى الأسواق. فحرب الأسعار المعلنة والخفية لا تزال في أوجها. فقد أقدمت كل من السعودية والعراق وإيران في الأسابيع الأخيرة على منح خصومات سعرية سخية خاصة للزبائن من آسيا ، ما يعني أن أسعار التصدير الفعلية تقل كثير عن الأسعار المعلنة لمزيج برنت أو لسلة نفوط الأوبك. وكل ذلك يؤكد أن سياسة كسر العظم لا تزال حتى الآن طاغية في الصراعات المحتدمة في المنطقة، وما "معركة" النفط سوى إحدى الجبهات في حروب ونزاعات أوسع قد تستمر لسنوات طويلة. من جهة أخرى لا بد من الإشارة إلى أن السياسة النفطية في السعودية ليست من صلاحيات وزير النفط، وإنما أصبحت تخضع بالكامل لرجل السعودية القوي محمد بن سلمان وزير الدفاع وولي ولي العهد ونجل ملك السعودية. فإضافة إلى المناصب المذكورة يتبوأ الأمير الشاب أيضا رئاسة مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. وقد أثبت محمد بن سلمان أنه صاحب الكلمة الأخيرة في مجال النفط في اجتماع الدوحة في نيسان/أبريل الماضي عندما اعترض على موافقة وزير النفط المخضرم السابق علي النعيمي على تجميد الإنتاج الأمر الذي أدى إلى فشل الاجتماع. ونتيجة لهذه الخلافات تم بعد أسبوعين فقط عزل النعيمي من منصبه . وكانت الأسرة المالكة تريد من وراء هذه الخطوة أيضا التضحية بالنعيمي ككبش فداء لسياسة فاشلة لم يكن هو مسؤولا عنها، وإنما يتحملها بوضوح الابن المدلل للملك. ومن المتوقع أن تزيد الخلافات حول السياسة النفطية من الانتقادات الموجهة لمحمد بن سلمان من بعض أفراد آل سعود والذين يتهمونه بالاندفاع والتهور.
ومن هنا يمكن القول بإن الإشارات المتناقضة والتصريحات المتضاربة للقيادة السعودية حيال سياستها النفطية تعكس حيرة وتخبطا كبيرين بعد أن وجدت نفسها إزاء معضلة كبيرة ساهمت هي في خلقها. صحيح أن انهيار الأسعار الذي بدأ في منتصف عام 2014 والمستمر حتى الآن، أضر كثيرا بمصالح الخصوم التقليدين للمملكة، وفي مقدمتهم إيران وروسيا والعراق، ولكن بقاء الأسعار عند مستوياتها المتدينة بدأ يشكل هاجسا كبيرا للأسرة المالكة، بل ويُنذر بالتحول إلى كابوس حقيقي. فرغم التقلب الحاد في الأسعار صعودا ونزولا، لا يزال سعر البرميل يقل عن نصف مستواه في حزيران/يونيو 2014. وهذا يؤكد إخفاق النهج السعودي في التعويل على آلية السوق لإزاحة المنافسين ولترسيخ هيمنة المملكة في سوق الطاقة. وفي نفس الوقت أدى التراجع الحاد في العائدات النفطية إلى تكبد الميزانية السعودية لعجز كبير يقدر بمائة مليار دولار سنويا. ولم يجبر هذا الوضع الأسرة الحاكمة على سحب جزء كبير من الاحتياطيات المالية الضخمة فحسب، وإنما أيضا على الإعلان عن إصلاحات اقتصادية وإجراءات تقشفية غير معهودة. بيد أن جني "ثمار" هذه الإصلاحات يتطلب فترة طويلة قد لا تملكها السعودية، لا سيما وأن احتياطياتها المالية التي تقدر حالية بـ 500 مليار دولار ستكفيها بحسب التقديرات لمدة ثلاث إلى أربع سنوات، إذا ما بقيت أسعار النفط عند مستواها الحالي المقارب لخمسين دولارا للبرميل. ومن هنا يمكن فهم تحذير صندوق النقد الدولي للمملكة بأنها قد تواجه خطر الإفلاس بحلول عام 2020 إذا لم تنجح في التحكم في إنفاقها الحكومي المنفلت من عقاله. وهنا بالذات تواجه السعودية تحديات كبيرة في ظل تورطها في الصراعات في سوريا واليمن والعراق والزيادة غير المعهودة في إنفاقها العسكري الذي يقارب سنويا 90 مليار دولار. ولعل صفقة السلاح الأخيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية بقيمة تزيد عن مليار دولار لشراء دبابات ومصفحات ومدافع ما هي إلا تفصيل صغير ضمن سياسة أصبحت نهجا ثابتا للرياض.
من جهة أخرى تشهد المنطقة تغيرات سريعة في خارطة التحالفات الإقليمية. فبعد فشل المحاولة الانقلابية في تركيا هرول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بسرعة كبيرة للتقارب مع روسيا الغريم التقليدي سياسيا وعسكريا ونفطيا للسعودية. ولم يكدْ العالم يفيق من مفاجأة القمة الروسية-التركية في سان بطرسبورغ ، حتى سارع وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف لزيارة أنقرة حيث التقى أرفع المسؤولين الأتراك الأمر الذي أنعش التكهنات حول احتمال قيام محور روسي-تركي-إيراني. ووسط هذه التحركات السريعة كان من الملفت للنظر الغياب المريب للسعودية. ومن دون شك فإن الرياض تشعر بالقلق إزاء هذا الدفء غير المعهود في العلاقات بين البلدان الثلاثة. وإذا كان العداء مع إيران وورسيا ليس جديدا، فإن السعودية تخشى أيضا من تحول في الموقف التركي تجاهها. فليس من المستبعد أن أردوغان المعروف بعنجهيته وبحقده الدفين يشعر الآن بالضغينة تجاه السعودية بسبب تعاطف وسائل الإعلام التابعة للرياض مع محاولة الانقلاب في ليلة الخامس عشر من يوليو/تموز. ومن المؤكد أن هذا التقارب لن يقتصر على التعامل مع الأزمة السورية فقط، وإنما له أيضا أبعاد اقتصادية كبيرة. فقد صرح أردوغان أثناء قمة سان بطرسبورغ بأن روسيا وتركيا تستهدفان تبادلا تجاريا بقيمة 100 مليار دولار سنويا. ومن المتوقع أن يساهم الانفتاح على تركيا في تخفيف الضائقة المالية التي تعاني منها كل من روسيا وإيران ويعزز من قدرات البلدين في تحمل تداعيات انهيار أسعار النفط. وكل ذلك يُرجح أن سياسة إنهاك الخصوم وإركاعهم اقتصاديا والتي اعتمدتها السعودية على مدى عقود طويلة قد وصلت إلى طريق مسدود. بل ويمكن في نهاية المطاف أن تنقلب سياسة إغراق السوق على السعودية نفسها ويتحول النفط من سلاح بيدها إلى سلاح في نحرها. وبأمل تجنب هذا الخيار يحاول مسؤولون سعوديون بين الحين والأخر الإدلاء بتصريحات متفائلة حول قرب عودة الأسواق للاستقرار وتعافي الأسعار. غير أن تأثيرها يبقى مؤقتا. فالتقلبات الحادة في الأسعار تشير بوضوح إلى استمرار وجود فائض في العرض. ويعود ذلك أيضا إلى أن الانخفاض في إنتاج النفط الأمريكي جاء أقل من التوقعات بسبب تماسك إنتاج النفط الصخري وقدرته على استيعاب تدني الأسعار. من جهة أخرى تتوقع وكالة الطاقة الدولية تباطؤ نمو الطلب العالمي على النفط. وفي ضوء هذه التوقعات فقدت أسعار النفط في شهر تموز/يوليو الماضي وحده الكثير من مكاسبها التي سجلتها بعد شباط/فبراير الماضي، وتراجعت بنسبة 20%. صحيح أنها تعافت قليلا بعدها، ولكن مؤشرات السوق لا تؤيد التفاؤل المعلن للمسؤولين السعوديين. وهناك أدلة كثيرة تشير إلى أنهم لم يتوقعوا على الإطلاق أن تنخفض الأسعار دون حاجز 60 دولارا للبرميل وبالغوا كثيرا في قدرات المملكة في التحكم بالسوق النفطية العالمية.
والآن وبعد أكثر من سنتين من النتائج المدمرة لسياسة إغراق السوق يبدو أن السعودية بدأت تدرك بالتدريج بأن سياسة "علي وعلى أعدائي" لن تكون مجدية. بل ويمكن أن تصبح السعودية أحد الخاسرين الكبار محليا وإقليميا. كما أصبح واضحا للرياض بأن عصرها النفطي الذهبي قد انتهى وأنها لم تعد لوحدها قادرة على السيطرة على الأسعار. وربما قد يدفع ذلك آل سعود لمراجعة سياستهم النفطية وتفضيل خيار التسوية بدلا من المواجهة وكسر العظم.
د. ناجح العبيدي
برلين 13-8-2016