صدور الثاني والثالث من كتبي في نقد الدين

ضياء الشكرجي
2016 / 8 / 11

صدور الثاني والثالث من كتبي في نقد الدين
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
إنهما كتابا «لاهوت التنزيه العقيدة الثالثة»، و«مع القرآن في حوارات متسائلة».
ذلك بعدما كان قد صدر في تموز من العام الماضي كتابي الأول من مجموعة كتب «لاهوت التنزيه» الأربعة ثم التي أصبحت خمسة؛ وهو أي الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، والذي تناول الرحلة من «تأصيل مرجعية العقل»، إلى «المذهب الظني»، فيواصل كتابي الثاني هذا الرحلة، هذه المرة من «المذهب الظني» إلى «لاهوت التنزيه»، إلى الإيمان العقلي، أو الإلهية اللادينية، كعقيدة ثالثة، بين الإلهية الدينية، واللادينية اللاإلهية، بين الدين والإلحاد، ليفكّك بين متلازمَين تلازما مُدَّعىً أو مُتوهَّماً، ألا هو التلازم غير الواجب منطقيا، بين الإيمان والدين. ففي الوقت الذي يعبر كل دين عن ثمة إيمان، لا يجب أن يعبر كل إيمان عن ثمة دين، ومع فارق جوهري بين الدين والإيمان العقلي اللاديني، هو إن في الأول ثمة نفعا للناس، وثمة ضررا، مع إن الضرر يفوق النفع أضعافا مضاعفا، كما تحاول كتبي أن تثبت صحته، فالإيمان اللاديني، على فرض أنه غير نافع، فهو لا يشتمل على ضرر، ولعله يكون نافعا بمقدار نفيه لما فيه ضرر، أي نفيه للدين، الذي عبّرت عنه بأن «فيه منافع للناس وإثم كبير، وإثمه أكبر من نفعه»، مستعيرا ذلك من النص القرآني عن الخمر والميسر «يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما».
فـ«لاهوت التنزيه»، الذي أعتبره العقيدة الثالثة، يعني تنزيه الله عن الدين، وهو في نفس الوقت لاهوت التحرير، لا بالمعنى السياسي الذي استخدم فيه، بل بمعنى تحرير العقل، كمقدمة لتحرير الله، والذي هو مقدمة لتحرير الإنسان، الذي لا ينبغي أن يحدّ من حريته غير ضابطي العقل والضمير، الأول ليعقلنه عقلنة بعد عقلنة، والثاني ليؤنسنه أنسنة بعد أنسنة، كادحا نحو المطلق، مع استحالة بلوغه للمطلق، حيث إن النسبي الواعي للكمال الذي اسمه «إنسان»، يسير أبدا سيرا كدحيا نحو المطلق، مع بقائه نسبيا، يتكامل، ولا يبلغ مطلق الكمال، من حيث إن المطلق اللامحدود واحد غير متعدد، متوحد غير متجزئ، ولأن من طبيعة عالم الإنسان أن يكاد يكون كل شيء فيه نسبيا، بل كل شيء فيما هو الواقع، حيث إن الحقائق المفترض بها أنها مطلقة، لا تكون مطلقة إلا كمفاهيم في عالم التجريد، أما كمصاديق في الواقع المعيش، فتبقى نسبية.
ثم نكون بعد الثاني في لقاء مع ثالث مجموعة «كتب لاهوت التنزيه»، فبعد الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، ثم الثاني «لاهوت التنزيه العقيدة الثالثة»، نكون مع ثالثها «مع القرآن في حوارات متسائلة»، آملا أن أوفق لإتمام ونشر الرابع «الدين أمام إشكالات العقل»، ثم الخامس «نقد الدين بين الحرمة والجواز والوجوب». هذه الكتب الخمسة حتى الآن، التي كانت ابتداءً أربعة، والتي كانت قبل ذلك مشروع كتاب واحد بأكثر من جزء باسم الكتاب الأول من هذه المجموعة «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، تعالج قضايا في غاية الأهمية، لاسيما في عصرنا هذا. والأربعة كنت قد انتهيت من تأليفها في نهاية 2013.
أهم ما يعالجه الكتاب الثاني «لاهوت التنزيه العقيدة الثالثة» في 530 صفحة، هو طرحه للأدلة العقلية على أن الدين (الوحي، النبوة، ...) إنما هو كمفهوم مجرد، ليس إلا من الممكنات العقلية، فلا هو من الواجبات العقلية، كما يدعي أو يتوهم الكثير من علماء الكلام، أي (اللاهوتيين) المسلمين، ولا هو من الممتنعات العقلية، كما يراه الكثير من ناقدي الأديان، ولكننا عندما ننتقل من المفاهيم المجردة إلى المصاديق في الواقع، سنجد إن العقل سيحكم باستحالة نسبة هذه الأديان إلى المطلق جلّ عما يصفون، وتنزه عما يتوهمون، فالدين مفهوما إذن ممكن عقلي، وأما الدين مصداقا فممتنع عقلي. وسنرى كيف إن الملحد، أي غير المؤمن بالله، والمتأنسن قدر وسعه، هو الأحب والأقرب إلى الله حسب عقيدة التنزيه، من المؤمن الديني غير المتأنسن، والمتأنسن غير المتطع إلى الثواب أكثر استحقاقا للثواب من التأنسن طلبا للثواب، هذا إذا أفلح التدين في أنسنة صاحبه، والذي يرينا الواقع أنه أمر نادر.
كما يشتمل الكتاب على محوارات لأفكار أخرى دينية وغير دينية، ومن أهم ذلك ما ورد في «رسالة من الله إلى الإنسان»، و«مناقشتي لمناظرة بين ربوبي ومسلم»، و«التنزيهية خلاصة عقيدة التنزيه»، وغيرها، حيث سيجد القارئ حوارات مع كتّاب وقرّاء، جرت على صفحات موقع (الحوار المتمدن) عبر حلقات.
أما الكتاب الثالث «مع القرآن في حوارات متسائلة» في 394 صفحة، فله أكثر من وقفة مع القرآن، وإثبات بشريته، واستحالة إلهيته، وكما اشتمل على دراستين قرآنيتين نقديتين، مجرد كنموذجين من مشروع مستقبلي شامل لقراءة نقدية للقرآن، هما «مع مصطلحي "الذين آمنوا" و"الذين كفروا"»، و«المرأة في القرآن»، لنخرج من كل منهما بنظرية قرآنية، ضمن منهج التفسير الموضوعي، لكل من الموقفين الحقيقيين للقرآن، ومن ثم للإسلام من غير المسلم، ومن المرأة، واللتان، أي هاتان الدراستان تضيفان أدلة بينة جلية على استحالة إلهية القرآن.
وهذه الكتب، صحيح تتناول بشكل خاص نقد الدين الإسلامي، ونفي إلهيته، لكنها تنفي في نفس الوقت إلهية كل الأديان، توحيدية كانت أو غير توحيدية. ولاهوت التنزيه الذي أعتمده، يدعو كل البشرية، من مسلمين، ومسيحيين، ويهود، وصابئة، وإيزيديين، وزرادشتيين، وبهائيين، وبوذيين، وملحدين، وإلهيين لادينيين، ولاأدريين، وغيرهم، للّقاء ككلمة سواء وقاعدة مشتركة على أساسَي العقلانية والإنسانية، واللتين تبقيان في عالم الإنسان نسبيتين، لكنها تكامليتين، دون بلوغ المطلق من الكمال.
وهي دعوة للمسلمين على وجه الخصوص، إلى أن يملكوا الشجاعة، ليتخذوا قرارا بإجراء وقفة مراجعة متجردة من القرارات المسبقة، ومن المسلمات والنهائيات واللامسموح بمناقشتها، فأقول: إنّما أعظكم بواحدةٍ، أن تقوموا مثنى وفرادى، وتنتزعوا أنفسكم من العقل الجمعي، وتتحروا مما وجدتم عليه آباءكم، ثم تتفكروا ما في الإيمان اللاديني من كفر، إن هو إلا تحرير للإيمان، بل تحرير لله من أسر الدين، ودعوة تحرير لكم من سجن الأوهام، وتخليص من يدَي ندم شديد، يوم تكتشفون أن ما ظننتموه حقيقة ما هو إلا سراب، قبل فوات الأوان، وأن الله لا يثيب على إيمان، ولا يعاقب على كفر، إنما الجزاء عنده، بمقدار ما أفلحنا في أن نؤنسن أنفسنا، ضمن حسابات عناصر الاختيار، دون عناصر الجبر، ووفق موازين العدل الإلهي المطلقة.
وأمر مهم أردت أن أشير إليه، وهو علمانية القراءة، والتي تتطلب الفصل بين ضياء الشكرجي السياسي، وضياء الشكرجي المزاول للفكر والتفكير، كي لا أقول المفكر، فيما هو الإيمان واللاإيمان، والدين واللادين، فهذا لا يُقحَم في ذاك، لأني أفهم العلمانية التي أدعو إليها كقرينة وضمانة للديمقراطية، لا تعني حصرا الفصل بين الدين والسياسية، بل الفصل بين كل رؤية تتعلق بالقضية الميتافيزيقية، إيجابا أو سلبا من جهة، وبين شؤون السياسة والدولة وتنظيم الشأن العام من جهة أخرى، فالموقف من الإيمان والدين، أي أن أكون مؤمنا أو ملحدا، دينيا أو لادينيا، ملتزما بالدين أو غير ملتزم، منتميا إلى هذا الدين أو ذاك، إلى دين الأكثرية، أو إلى أحد ديانات الأقليات، فهو شأن شخصي محض، لا يقحم في الشأن العام، لذا فأنا في بحوثي هذه لست ضياء الشكرجي السياسي، بل ضياء الشكرجي الإنسان، المواطن، الفرد، المزاول للفكر، ولحق التعبير والإفصاح عن أفكاره، سواء أصبت أو أخطأت.
كتبي الثلاثة تجدونها في العراق في مكتبة (منشورات الجمل) في شارع المتنبي، وفي بيروت في مكتب (منشورات الجمل) في شارع الحمراء، ولعله في بعض العواصم العربية، كعمّان والرباط.
ما أرجوه أني وفقت في كتبي هذه، التي صدرت، والتي ستصدر، إلى حد مقبول، لاعتماد العقل، والموضوعية، والتجرد، ومراعاة مشاعر أصحاب العقائد، رغم نقدي لعقائدهم، وأفلحت إلى حد ما في تحريك الماء الراكد للموروث اللامسموح مناقشته. وما غايتي إلا إرضاء الله بتنزيهه وتحريره، وتحرير العقل، وتحرير الإنسان، ومحاولة كشف بعض الحجب عن الحقيقة، التي لا بد أن تسفر عن وجهها، أو عن بعض ملامح وجهها المستتر وراء حجب الغيب، التي لا يسعنا بإدراكاتنا المحدودة أن نزيحها أو نخرقها كليا، بل هو مسعى لتحريك الفكر معتمدا قواعد العقل التي تعصمه مراعاته من الغرق في الوهم.
10/08/2016