متى ينتهي العبث السياسي؟

سعيد الكحل
2016 / 8 / 10

شكلت الخطب الملكية ،منذ عقد من الزمن ، أرضية لرصد العبث السياسي الذي يطبع التجربة المغربية رغم تغير الدستور الذي أعطى صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة في تدبير الشأن العام والمشاركة في وضع السياسات العمومية. فعلى امتداد عقد ونصف ، لم يفتأ الملك ينبه الأحزاب السياسية ،داخل الحكومة أو في المعارضة، إلى ضرورة الارتقاء بخطابها والتركيز على تقديم البدائل بدل الاكتفاء بالتشريح حتى يتمكن الناخبون من التمييز بين البرامج واختيار الأصلح من بينها . لكن الأحزاب السياسية ، في معظمها ، ظل شاغلها الأساس هو حصولها على المقاعد البرلمانية والمناصب الحكومية بأية وسائل كانت ؛الأمر الذي فتح باب الفساد والإفساد على مصراعيه . فلم يعد الفساد موضوعا للحرب من طرف تلك الأحزاب قصد الإجهاز عليه وتخليق الحياة العامة ، بل صار رافعة إلى المناصب وقوة جذب للمكاسب . وحين يكون الفساد إكسير الحياة السياسية ومنشط دوراتها تتعطل القوانين وتُشل المؤسسات ، فتضيع بالنتيجة مصالح الوطن والمواطنين.وقد جاء الخطاب الملكي يشدد على ضرورة وضع حد لهذا العبث( إننا أمام مناسبة فاصلة لإعادة الأمور إلى نصابها) .أكيد خرجت الأمور عن نصابها وبات الشأن الانتخابي معركة من أجل المناصب والمصالح الشخصية يغيب فيها الصالح العام وتستعمل فيها كل الوسائل التي يجرمها القانون . ومن أجل تصحيح الوضع ، جاء الخطاب الملكي ليضع النقاط على الحروف ويسمي الأشياء بمسمياتها ، وأهمها :
1 ـ أن رئيس الحكومة ووزير الداخلية مسئولان مباشرة عن العملية الانتخابية وظروف إجرائها ومدى نزاهتها . وهذا رد مباشر على رئيس الحكومة الذي يشكك من الآن في نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة إذا لم تبوئه صدارة الانتخابات ويهدد بزعزعة استقرار الوطن . وسلوك من هذا النوع من طرف رئيس الحكومة ، موغل في العبثية والانتهازية والابتزاز . فكيف لرئيس حكومة يمنحه الدستور كامل الصلاحية في تدبير الشأن العام يبدي عجزه عن تنظيم انتخابات نزيهة ويشكك في مصداقيتها ؟
2 ـ إن رئيس الحكومة يشكك في مصداقية المؤسسات الدستورية وعلى رأسها الحكومة ويسعى لزعزعة ثقة الشركاء والشركات العالمية في قدرة المغرب على ضمان مصالحها .ذلك أن الحديث عن وجود دولتان في المغرب ووجود التماسيح والعفاريت خارج السيطرة ليس له من معنى سوى إعطاء انطباع للعالم الخارجي بأن المغرب يعيش وضعية سياسية شاذة تجعل الحكومة المنتخبة تمارس سلطات شكلية فيما باقي القرارات هي بيد دولة داخل الدولة لا سلطة للحكومة عليها ،الأمر الذي جعل الملك ينبه إلى خطورته كالتالي (غير أن ما يبعث على الاستغراب، أن البعض يقوم بممارسات تتنافى مع مبادئ وأخلاقيا ت العمل السياسي، ويطلق تصريحات ومفاهيم تسيء لسمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات ).
3 ـ إن مشروع الملك لإرساء مفهوم جديد للسلطة يصطدم بسياسة الحكومة التي تعطل الدستور وتلتف على نصوصه ، بل تمارس التحكم في أبشع صوره عبر إقصائها للمجتمع المدني وإلغائها لمبدأ التشارك الذي ينص عليه الدستور. من هنا يقرّع الملك أعضاء الحكومة وخاصة رئيسها ووزيره في العدل بسبب تواطئهما مع الفساد وعدم ربط المسئولية بالمحاسبة (والمفهوم الجديد للسلطة يعني المساءلة والمحاسبة، التي تتم عبر آليات الضبط والمراقبة، وتطبيق القانون.).
4 ـ إن محاربة الفساد هو من صميم عمل الحكومة ، وكون رئيسها يصمت في موضوع المفسدين وآخرهم ما بات يعرف "بخدام الدولة" ، فهذا فساد في حد ذاته (كما أن مفهومنا للسلطة يقوم على محاربة الفساد بكل أشكاله : في الانتخابات والإدارة والقضاء، وغيرها. وعدم القيام بالواجب، هو نوع من أنواع الفساد).
5 ـ إن من مداخل العبث السياسي أن ترشح الأحزاب أشخاصا انتهازيين وفاسدين يستغلون فقر المواطنين وجهلهم .لهذا ظل الملك يحث على حسن اختيار المرشحين لكسب ثقة الناخبين لضمان إشراكهم في العملية الانتخابية وبناء دولة المؤسسات .فلا يمكن بناء الدولة الديمقراطية إلا بسيادة القانون ومصداقية المؤسسات ووعي وإشراك المواطنين . فأين المغرب من كل هذا ؟

لما رئيس الدولة ينبه الأحزاب إلى أخطائها ويدعوها إلى حسن اختيار مرشحيها ويحذرها من الانزلاقات الخطيرة خلال الحملات الانتخابية ، ولما رئيس الدولة يقرّع علانية رئيس الحكومة ويحذره من الإساءة إلى الوطن والمؤسسات ويعتبر سكوته على الفساد أكبر فساد ، ولما رئيس الدولة ينبه وزيري العدل والداخلية إلى ضرورة التصدي لظاهرة شرع اليد وللإجرام ، ولما رئيس الدولة يحمل المواطنين مسئولية التصويت على المرشحين الفاسدين .. فاعلموا أننا لسنا في دولة ديمقراطية ولا في دولة القانون . لأن المفروض في كل مسئول أن يطبق القانون في القطاع الذي يشرف عليه . فما أهمية القوانين إذا كان المفسدون لا يعاقبون ، وما دور وزير العدل إن لم يكن تطبيق القانون وحماية أرواح وممتلكات وأعراض المواطنين ؟ بئس الحكومة التي تسببت في كل هذا العبث السياسي والانهيار القيمي والشلل المؤسساتي واحتلال المغرب المراتب المتأخرة في كل المجالات.