يريدون إلغاء المحاصصة مع الإبقاء على الطائفية السياسية

ضياء الشكرجي
2016 / 8 / 9


الذي استفزني لكتابة هذه المقالة، هو النائب خلف عبد الصمد، محافظ البصرة السابق، ورئيس كتلة الدعوة البرلمانية حاليا، المحسوب على فريق المالكي، والعضو في جبهة الإصلاح البرلمانية، وذلك عبر حديثه في اللقاء الخاص الذي أجراه الإعلامي المتميز سعدون محسن ضمد على قناة (الحرة – عراق)، والذي بُثَّ مساء هذا اليوم.
إنصافا يجب أن أعترف بأن خلف عبد الصمد في كثير ما طرحه، تكلم كلاما لا يبتعد عن الحقيقة، لكن مشكلته، أنه كان يَعرضُ نصفَ الحقيقة ويُعرِضُ عن نصفِها الثاني.
وأهم ما أريد أن أصحح ما طرحه، هو كلامه عن رغبته في إنهاء المحاصصة، واعتباره إنهاء المحاصصة يمثل الهدف المركزي لجبهة الإصلاح.
ليس هناك من لا يؤيده في وجوب وضع نهاية للمحاصصة سيئة الصيت، التي كانت أهم سبب لظهور الفساد المالي واسشرائه في كل شرايين الدولة، واستفحاله، وتجذره إلى حد استعصاء استئصاله. لكن ليخبرني أبو محمد خلف (هكذا كنا نسميه) كيف يريد أن ينهي المحاصصة، ويبقي على الطائفية السياسية. لكن، لأكن هنا منصفا أيضا، كونه في آخر اللقاء أضاف إلى إنهاء المحاصصة كهدف مركزي لجبهة الإصلاح، كونه يريدها عابرة للطوائف والطائفية.
أسأله، ألستَ رئيس كتلة الدعوة البرلمانية، وألست عضوا قياديا في حزب الدعوة الإسلامية، وأليس حزب الدعوة حزبا شيعيا، وبالتالي غير عابر للطائفة؟ فكيف تريد أن تكون عابرا للطائفية، وحزبك ليس عابرا للطائفة، بل أعتبره طائفيا، كونه حزبا شيعيا مغلقا على الشيعة؟ أليس كذلك؟
أنا لا أغالي، ولا أبالغ، عندما أقول، وسبق وقلته في مقالات أخرى ولقاءات تلفزيزنية وإذاعية، وهو إن حزب الدعوة الإسلامية هو أحد المؤسسين الأساسيين للطائفية السياسية، ومن ثم للمحاصصة الطائفية والقومية والحزبية، كنتيجة بديهية لدولة المكونات. أنتم أسستم ذلك، وبالتالي يكون حزب الدعوة أحد مؤسسي الجريمة التاريخية الكبرى بحق العراق، سوية مع شركائه الشيعسلامويين، المجلس الأعلى، وحزب الفضيلة، والتيار الصدري، والدعوة تنظيم العراق، والإسلاميين المستقلين، أو السيستانيين، وبرعاية المرجعية وقت التأسيس والرعاية حتى تبين لها إن معظم هؤلاء المتدينين سراق، ومعكم طبعا ما تشظى عن أحزابكم الشيعسلاموية هذه لاحقا، كتيار الإصلاح الوطني المنشق عن الدعوة، وعصائب أهل الحق المنشق عن التيار.
ستقول إني كنت إذن جزءً من هذا الذي أسميه جريمة تاريخية كبرى، ولي جواب فصلته في كتابي «ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي» بجزأيه، وقد اعتذرت للشعب العراقي عن جلوسي لما يقارب السنة على مقعد إسلامي وشيعي، وعنيت به فترة الجمعية الوطنية، التي كنت بعملي فيها وفي لجنة كتابة الدستور أقرب إلى العلمانيين، مني إلى الإسلاميين. على أي حال ليس هذا موضوعنا.
ثم في اللقاء اعتبر عبد الصمد وزير الدفاع متسترا، لكونه كان يعلم بما طرحه في جلسة الاستجواب، ولم يكن قد كشف ملفات الفساد التي ذكرها للقضاء، كما كان يجب عليه. حسنا لأذهب معه، ولست مدافعا عن العبيدي ولا مدينا له، قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وتتكشف كل الحقائق. فأسأله عندما تعتبر وزير الدفاع متسترا على الفساد، وتذكر صاحبك نوري المالكي الذي وصفته بأنه وطني وصادق، ونسيت أو تناسيت وتغافلت عن كونه كان متسترا لثماني سنوات على ملفات الفساد والإرهاب، وذلك باعترافه هو أكثر من مرة، بقوله أنه يملك ملفات للفساد والإرهاب، لو كشفها لانهارت العملية السياسية برمتها. صحيح، أم لا؟
ثم نرجع إلى الهدف الجميل ظاهرا، وهو هدف إنهاء المحاصصة، واعتماد (الأغلبية) كشرط أساسي من شروط الديمقراطية، فأقول لأخي أبو محمد خلف: الأغلبية في الأنظمة الديمقراطية هي أغلبية سياسية، بمعنى وجود أحزاب سياسية، وليس أحزاب مكونات، أي أحزاب طوائف وقوميات، وهذا نفس ما كان يردده المالكي في آخر ولايته الثانية، عبر دعوتهخ إلى تأسيس حكومة أغلبية، بدلا من حكومة محاصصة، أو حكومة شراكة، أو حكومة وحدة وطنية، بحسب التسميات المختلفة التي اعتمدت، والتي تعبر كلها عن نفس المضمون.
اعتماد الأغلبية في ظل أحزاب المكونات هو تدمير لكل معاني الديمقراطية، وإلغاء المحاصصة، بدون إلغاء الأحزاب الشيعية والسنية والكردية، هو تدمير لكل معاني المواطنة والوحدة الوطنية، أو لنقصر على الأحزاب الشيعية والسنة، وندع الكردية، لأن الكرد، كما عبر محمود المشهداني (خِطّار) أي ضيوف، وهم ذاهبون إلى تأسيس دولتهم عاجلا أو آجلا.
العلاج لا يكون بمعالجة النتائج، بل بمعالجة المسببات لتلك النتائج. طالما بقيت أحزابكم الشيعية والسنية والكردية، وطالما بقيت أحزاب الإسلام السياسي، لا يمكن أن يكون العراق دولة مواطنة مدنية ديمقراطية حقة، ولا يمكن إنها المحاصصة كنتيجة حتمية لدولة المكونات.
ولا أريد أن أناقش مقولة أن نوري الماكي كلما حورب كلما ازداد شعبية، كونه صادقا ووطنيا، ولا ما أسماه عبد الصمد بـ(فوبيا المالكي)، بل ليراجع الثماني العجاف المالكية، فماذا سيرى، غير هدر مئات الميليارات من الدولارات، وتضييع أكثر من ثلث العراق، ليحتله تنظيم الدولة الإسلامية، هذا الذي لن تنتهي آثاره لعشرات السنوات. ماذا سيرى، إذا راجع ولايتَي المالكي، التي وقى الله العراق شر ثالتهما، غير أخذ العراق إلى حافة الحرب الطائفية الشيعية السنية، وتفاقم الأزمة القومية العربية الكردية، دون تبرئة طائفيي السنة، والسياسات المستفزة لرئيس الإقليم، الذي يسعى لتأبيد (سلطنته) الكردستانية، متأسيا بصديقه (عدو القضية الكردية) أردوغان في تأبيد سلطنته، التي تسعى إلى أسلمة وأخونة وعثمنة وأردغنة تركيا.
إنهاء المحاصصة لا يكون إلا بإنهاء الطائفية السياسية، وإنهاء الطائفية السياسية لا يكون إلا بحظر الأحزاب الشيعية، ومنها حزب الدعوة الإسلامية، وحظر الأحزاب السنية.
08/08/2016