آن أوان تجديد رؤى القوى الوطنية

بدر الدين شنن
2016 / 8 / 5

لم يعد هناك أحد ، من البسطاء يجهل ، أو من الساسة والزعماء يتجاهل ، أن للقوى الإقليمية والدولية ، اليد الطولى ، في الأحداث السورية ، وهي التي عبر أدواتها ، فجرت ، وأججت ، النزاع الداخلي ( 2011 ) ، وهي التي نقلت هذا النزاع من السياسة إلى الحرب ، والتي تدعم وتقود هذه الحرب . بل إن هناك سوريين كبار في العلم ، ويزعمون أنهم كبار في السياسة ، بأنهم كانوا ومازالوا العون الداخلي والخارجي لهذه اليد .

وقد كان من الضروري بمكان ، أن تتفاعل قوى المعارضة ن مع مجريات الأحداث ، وأن ترفض الدخول في مرحلة الحرب ، التي تحولت سريعاً إلى عدوان خارجي مكشوف ، سيما ، بعد أن استقدمت الجماعات الإرهابية المسلحة من بلدان عدة ، التي ما لبثت أن صارت بسرعة مذهلة أحد اللاعبين الأساسيين في العدوان والحرب .. وصار الوطن كله .. الشعب .. والدولة .. والمعارضات .. وقوى الحكم .. أمام تحد وجودي . وقد كان الموقف المطلوب وطنياً من المعارضات ، إزاء العدوان على الوطن ، أن يكون موقفاً مطابقاً لاستحقاقات الحرب ، قبل وفوق برامج النزاع على السلطة .

ما حصل حقيقة ، من أسف ، أن المعارضات السورية ، لم تتخذ موقفاً موحداً . وانقسمت إلى قسمين رئيسيين ، أطلق عليهما ، اصطلاحاً ، الأول " معارضة الداخل " . والثاني " معارضة الخارج " . وقد غلب على سياسة معارضة الخارج ، التعاون مع قوى الخارج الإقليمية والدولية ، للإطاحة بالحكم القائم في البلاد بالقوة . وغلب على سياسة معارضة الداخل ، متابعة نهجها المعارض المقرر فبل الحرب .. أي تحقيق التغيير الوطني الديمقراطي " ، دون الانخراط في مخططات وأنشطة الخارج .. ودون المشاركة في المقاومة الوطنية ضد العدوان الخارجي بالتنسيق مع قوى الحكم المقاومة للعدوان . وبقي موقفها أسير انعكاسات أنشطة معارضة الخارج ، واستمرت أولوياتها السياسية السابقة هي المعمول بها ، وهي إزاحة القوى الحاكمة من السلطة ، من خلال ضغوط الحرب ، والتفاعلات الدولية ، والمفاوضات المتواصلة .

أي أن القوى ، والشخصيات التي مازالت تتمسك بعنوان المعارضة ، لم تقدم في الحرب الوطنية ، سوى ، تشكيل فريق مقاتل إلى جانب قوى العدوان " الجيش الحر " وغيره ، من طرف . أو المراوحة في موقف اللا حسم لمواقفه عامة ، والاعتماد على القوى الدولية عبر المفاوضات ، والمساومات لانتصار الخصومة مع النظام ، من طرف آخر . ما أدى إلى ضعف التصدي للعدوان .

بعد مشاركة روسيا 2015 في الحرب ضد الإرهاب في سوريا ، لم تعد القوى الغربية والإقليمية مطلقة اليد كلياً في تقرير المصير السوري . وقد أصاب تلك القوى الخلل أيضاً ، نتيجة تفاقم أوضاعها الداخلية ، وانتقال ضربات الإرهاب ، الطائشة ، أو المتعمدة ، إلى بلدانها .. أميركا دخلت نفق المناورات والاستعراضات الانتخابية الرئاسية " وفضائحها " .. فرنسا فقدت أعصابها بالضربات الإرهابية المتلاحقة .. بريطانيا تمر بمخاض الانسلاخ عن الاتحاد الأوربي وتداعياته .. ألمانيا تكابد من ورطتها بأزمة اللاجئين ومفاجآتها الإرهابية والاجتماعية والسياسية .. المملكة السعودية تغوص بغباء قل نظيره في مستنقع الحرب في اليمن .. تركيا انزلقت في متاهة الانقلاب والتصفيات الداخلية .. إسرائيل ’حجمت فعالياتها وغطرستها ، بحضور الطيران الروسي في سوريا .

ما أدى إلى ضعف اعتماد المعارضات السورية على الخارج مثلم كان الأمر سابقاً ، وإلى فقدان صلاحية السياسات التفاوضية الاستعراضية العبثية ، بل وبات ، بعد افتضاح علاقات المملكة السعودية .. وهرولة أردوغان .. للتصالح مع إسرائيل ، أن من أبسط مبادئ الوطنية ، والكرامة ، عدم متابعة الجري الذليل وراء هذه القوى الإقليمية لاكتساب دعمها ونصرتها .

كل ذلك يكشف حقيقة ملزمة مفادها أنه .. آن الأوان للقوى الحاملة ، لمشروع التغيير الوطني الديمقراطي بصدق ، وحاملة روح المسؤولية الوطنية ، أن تنأى بنفسها عن مناخ المعارضات السيئة الصيت ، وتقوم بتجديد رؤاها السياسية عامة ، بما يتجاوب مع استحقاقات الحرب الوطنية ضد غزو الإرهاب الدولي . تلك الرؤى التي سوغت ، تحت ضغط الأحداث ، والجمود السياسي ، العمل أحياناً مع معارضات منخرطة في مخططات خارجية مريبة ، متوخية أن تبلغ من خلال هذا التعاون ، ما حددته أولوية في حراكها قبل الحرب ، وهو تغيير الحكم كلياً أو جزئياً . بدلالة حضورها اللقاءات مع المعارضات ، التي كانت تؤدي عادة إلى تقاطعات غير حميدة معها .
وكان آخرها مؤتمر الرياض ، الذي حضره إضافة لتلك المعارضات ، حضره ممثلو أكثر من تنظيم إرهابي مسلح . والذي تميز بأنه أصدر قرارات ، وشكل هيئات ، باسم المعارضة السورية ، وفي مقدمها " الهيئة العليا للمفاوضات " برئاسة المسؤول الأول في جيش الإسلام الإرهابي الموالي لأردوغان " محمد علوش " وباشتراك " هيئة التنسيق " من معارضات الداخل .

وحتى هذه النقطة في المسافة التي قطعتها " هيئة التنسيق " في التعاون مع تلك المعارضات والمنظمات الإرهابية ، يبقى الأمر خاضعاً للنقاش . وذلك لأن قوى دعم سوريا الدولية ، قد اتخذت القرار الخطأ ، بتكليف المملكة السعودية المعادية لسوريا ، بعقد مؤتمر للمعارضة السورية في الرياض ، وانتخاب قيادة لها للمفاوضات مع الحكومة السورية . وكان من البديهي أن تقود وتوجه المملكة أعمال وقرارات المؤتمر . وهذا ما حصل فعلاً . وهذا ما كشف عورة خيار " هيئة التنسيق " ، ليس باشتراكها المتسرع في مؤتمر الرياض وحسب ، وإنما في عدم ترويها ، في قراءة معنى مشاركتها كقوى وطنية ديمقراطية ، تعتبر نفسها ممثلة لمعارضة الداخل ، تحت سقف المملكة ، وفي قاعة واحدة مع معارضات ، تعارضت هي معها في عدد من القضايا الجوهرية ، الداخلية والخارجية ، والوطنية ، وفي مفهوم الحل السياسي . ولم تقدر أن دورها في هذا الاستعراض المفخخ ، سيكون هامشياً ، وأنها لن تؤخذ بعين الاعتبار ، في قرارات " الهيئة العليا للمفاوضات " . وأن الهيئة العليا هذه ستتحول إلى مهزلة ، حين يتجاوزها ، وزير خارجية آل سعود ، عادل الجبير بتصريحاته ، التي يتناول فيها الأوضاع السورية بعدوانية ولؤم . وأن رياض حجاب الناطق باسم المؤتمر ، سيحجبها عن أي إطلالة ، تعبر فيها عن رأيها المعارض المميز ، أو عن مفهومها للحل السياسي السوري ـ السوري .

ما أثار هذا الموضوع ، الذي كان ينبغي أن يثار قبل وبعد المؤتمر ، هو انتقال المملكة السعودية بعلاقاتها السرية مع إسرائيل إلى العلن . من خلال زيارة اللواء السعودي أحمد عشقي وفريقه من رجال الأعمال والأكاديميين ، إلى إسرائيل ( 24 تموز 2016 ) . التي جاءت تتويجاً لتصريحات ولقاءات سرية تصالحية وتنسيقية إسرائيلية سعودية ، أطلقها ، وقام بها ، رئيس المخابرات السعودية السابق الأمير سعود الفيصل ، حيث تأكد للجميع ، أن سياسة المملكة ، بالمجمل ، هي على صلة مزمنة ، وتنسيق دائم مع إسرائيل ، في التعامل مع أحداث وتداعيات وحروب الشرق الأوسط ، وبخاصة في السنوات الأخيرة ، في حرب الإرهاب الدولي .
ويدخل في هذا السياق دون أدنى ريب ، التنسيق بينهما حول مؤتمر المعارضة السورية في الرياض ، وحول قراراته ، وآلياته ، وتوجهاته . وتشكيل ودور " هيئته العليا للمفاوضات " .

بمعنى ، أن حركة القوى المشاركة في مؤتمر الرياض ، هي حركة قوى تجري تحت المظلة السعودية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية ، قبل أي جهة أخرى . ما يؤكد ذلك ، هو تسرع " الهيئة العليا للمفاوضات " بالترحيب بتبديل " جبهة النصرة الإرهابية " التابعة للقاعدة والموالية لأردوغان ، اسمها من " جبهة النصرة " إلى جبهة فتح الشام " بترخيص معلن من القاعدة بلسان أيمن الظواهري .

المؤشر على خطورة خطوة " جبهة النصرة " الأخيرة ، أنها بالتنسيق مع حلفائها في منظومة الإهاب الدولي ، ستتحول إلى معارضة سورية " معتدلة " . ومن ثم ضمها لمعارضة مؤتمر الرياض ، وتبوأها الزعامة في قيادة المعارضة .
من هنا أيضاً ، تأتي القناعة ، بأنه لابد من إعادة تجديد رؤى القوى الوطنية الديمقراطية في أولوياتها .. وحراكها .. وعلاقاتها .. مع معارضات لا تتجه فعلاً لإنقاذ سوريا ، مما تسميه ، نفاقاً " النظام " لخداع المزيد من القوى الوطنية والشعبية ، وإنما لإنقاذ مخطط إلغاء سوريا ، وتفكيكها ، حسب مقتضى المخطط " الأميركي ـ الصهيوني ـ الرجعي " .

ولذلك إن ضجيج الاستنكار ، لترحيب " الهيئة العليا للمفاوضات " بجبهة النصرة ، ليس كافياً ، للتغطية على أخطاء من الصعب إنكارها . أو تجاهلها .
إن قوى مثل " هيئة التنسيق " و " حزب العمل الشيوعي " هما أكبر من مستوى استنكار عابر لانحراف سعودي رعي ، هو الأسوأ في الوضع العربي . إن المطلوب وطنياً ، هو الرفض لمسار مؤتمر الرياض ، ونتائجه ، وهيئته العليا ، لارتباط كل ما يتعلق به بالقرار ، السعودي الأميركي الإسرائيلي الإرهابي المكشوف والبحث عن صيغة وطنية ديمقراطية .. تعتمد على الحركة الشعبية .. والقيم الوطنية .

بإيجاز شديد ..
إن المعركة في سوريا الآن .. ليست معركة تكريس حكم أحادي . وليست معركة انتزاع للحكم بأي ثمن .
إنها معركة تكريس وجود وطن .. وانتزاع أجزاء من أرضه .. اغتصبها الإرهاب الدولي .. مهما كان الثمن ..
إنها معركة إعادة بناء سوريا موحدة .. قوية .. متحررة .. ديمقراطية .
وكل من يفكر ويعمل .. خلاف ذلك .. يرتكب جريمتين . الجريمة الأولى هي بحق الوطن .. والجريمة الأخرى هي بحق ذاته الإنسانية .