عصبة مكافحة الصهيونية بالعراق والموقف من قضية فلسطين والتقسيم

كاظم حبيب
2016 / 8 / 3

بمناسبة مرور 70 عاماً على تأسيس عصبة مكافحة الصهيونية بالعراق

شهدت سنوات العقدين الثالث والرابع من القرن العشرين نضالاً متصاعداً من قبل شعوب الدول العربية كافة، في سبيل الخلاص من السيطرة الأجنبية والتحرر والاستقلال، بعد أن لم يف البريطانيون والفرنسيون بوعودهم للشريف حسين بن علي شريف مكة بإقامة الدولة العربية الموحدة على الأرض العربية. فكانت هناك ثورة مصر في العام 1919، والثورة العراقية في العام 1920، والثورة السورية في العام 1925واستمرت حتى العام 1927، كما شهدت فلسطين حركات وانتفاضات ثورية وثورات مستمرة طيلة العقدين المذكورين، وكان آخرها ثورة 1936-1939.
فبعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها ووزعت أسلاب الدولة العثمانية لصالح السيطرة البريطانية والفرنسية. كان العراق وشرق الأردن وفلسطين من حصة بريطانيا، وسوريا ولبنان من حصة فرنسا، إذ فرض الانتداب الاستعماري عليها على وفق قرارات مجلس عصبة الأمم في حينها وبضغط مباشر من بريطانيا وفرنسا.
وإذ استقرت الأوضاع في كل من العراق والأردن وسوريا بعد أن أُقيمت دولتان ملكيتان في كل من العراق والأردن وجمهورية في سوريا، وهي ثالث جمهورية في منطقة الشرق الأوسط بعد جمهوريتي تركيا ولبنان، وإذ حصل العراق على عضوية عصبة الأمم وخرج من سيطرة الانتداب البريطاني في العام 1932، وفي سوريا 1946، وفي الأردن 1946 أيضاً، فإن نظام الانتداب في فلسطين قد تواصل بين 1920 و1948، أي بعد بدء تنفيذ قرار التقسيم وإعلان قيام الدولة الإسرائيلية وبدء الحرب العربية - الإسرائيلية حينذاك. وخلال الفترة الواقعة بين 1920- 1939 بشكل خاص، تعددت انتفاضات الشعب الفلسطيني وتواصلت وكانت آخرها ثورة 1936-1939.
وتركز النضال لصالح الخلاص من نظام الانتداب البريطاني وإقامة دولة فلسطينية مستقلة للعرب واليهود معاً وإيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
وكان لهذه النضالات والثورات تأثيرها السياسي المباشر وغير المباشر على العراق، كما أثر بشكل سلبي على علاقة القوميين العراقيين العرب بيهود العراق، إضافة إلى التأثير بصورة سلبية على حكام العراق الذين بدأ بعضهم باتخاذ مواقف غير سليمة إزاء المواطنين اليهود. وقد بدا واضحاً هذا الموقف منذ منتصف العقد الرابع، حيث تم فصل جمهرة من موظفي الدولة اليهود من وظائفهم العامة في أجهزة الدولة العراقية. وعلى وفق المعلومات المتوفرة فإن موقف اليهود قد توزع باتجاهين: فقد التحم النضال العربي -اليهودي في فلسطين ضد الهيمنة البريطانية، وخاصة الأحزاب والقوى الديمقراطية والتقدمية، وفي مقدمتهم قوى الحزب الشيوعي الفلسطيني. ولكن كانت هناك في الوقت نفسه جماعات يهودية أخرى أكثر عدداً عملت ضمن الحركة الصهيونية العالمية من أجل سحب المزيد من يهود العالم إلى فلسطين لإقامة دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينية على وفق وعد بلفور 1917. ومنذ عشرينات القرن الماضي كانت هناك هجرات يهودية متنامية إلى فلسطين، سواء للإقامة فيها أو لزيارة المواقع والمزارات المقدسة لدى يهود العالم، كما كانت هناك جهود فردية ومنظمة لشراء الأراضي في فلسطين.
ولكن تفاقم هذا الوضع بعد فشل ثورة الشعب الفلسطيني من جهة، وتفاقم نشاط الوزير المفوض الألماني بالعراق وبالتعاون مع القوى القومية العربية اليمينية من جهة ثانية، ثم فشل حركة رشيد عالي الكيلاني وسقوط حكومته تحت ضربات القوات البريطانية من جهة ثالثة، قاد إلى تعرض اليهود إلى مجزرة الفرهود في العام 1941، مما كان لا يبشر بالخير.
ولكن، وحين سادت بالعراق في أعقاب الحرب العالمية الثانية أجواء حياة ديمقراطية ناشئة عن اندحار النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية واندحار الكثير من المفاهيم العنصرية والمعاداة للسامية، واليهود منهم على نحو خاص، التي رفعت الدولة الهتلرية وحزبها النازي وجمهرة من القوميين العرب اليمينيين رايتها بالعراق أيضاً، تحسن وضع اليهود عموماً وحصل انفراج تمنى الناس أن يستمر ذلك ويتطور.
ورغم هذه الأجواء الإيجابية، كان المتتبع يلاحظ بروز عوامل أخرى على الساحة الدولية والعربية التي يمكن أن تترك بصماتها على الوضع السياسي والاجتماعي بالعراق. ومن بين هذه العوامل نشير إلى أهمها فيما يلي:
1. تزايد نشاط الحركة الصهيونية على الصعيد الدولي والسعي إلى زيادة مستمرة ومضطردة بعدد اليهود المهاجرين إلى فلسطين.
2. زيادة نشاط الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى على نحو خاص في تأييد ودعم هذا النشاط والهجرة والدعاية المتزايدة له.
3. زيادة نشاط القوى المناهضة لليهود وللحركة الصهيونية في العالم العربي، التي مارستها القوى القومية العربية بدعم من الدولة النازية والتي كان يقودها الحاج محمد أمين الحسيني (1885-1974م)، مفتي الديار الفلسطينية، والتي تواصلت بعد سقوط الدولة النازية وخروجه من ألمانيا.
4. تزايد الشعور لدى الشيوعيين وقوى ديمقراطية أخرى بوجود مؤامرة على يهود العراق من جراء تدهور العلاقات العربية اليهودية في فلسطين وتزايد الصراعات هنا وبدء تفاقم النشاط الصهيوني بالعراق.
وفي ضوء ذلك بدأ الحزب الشيوعي العراقي يفكر في ما يمكن فعله لمواجهة القوى القومية المعادية لليهود من جهة، ودور الحكومة العراقية، وبقية الحكومات بالدول العربية، المتاجرة بالقضية الفلسطينية دون أن تفعل شيئاً ملموساً من جهة أخرى، بل كان هناك شعوب بوجود تنسيق وتعاون في هذا الصدد، مما يمكن أن يتسبب بكوارث جديدة مماثلة لما حصل في الفرهود 1941. وبادر سكرتير عام الحزب الشيوعي العراقي الرفيق فهد (يوسف سلمان يوسف) بتشكيل لجنة من كوادر حزبية متقدمة وواعية، لتأخذ على عاتقها تشكيل منظمة مستقلة، ولكنها مرتبطة بالحزب الشيوعي ونهجه الفكري والسياسي. واختار لهذه اللجنة والنشاط الجديد والمهم والمحفوف بالمصاعب مجموعة مميزة من الشخصيات اليهودية الشيوعية المقبولة في الأوساط اليهودية بشكل خاص وهم:
"يهودا صديق؛ ويوسف هارون زلخة؛ ومسرور قطَّان؛ وإبراهيم ناجي؛ ويعقوب فرايم؛ ونعيم شوع؛ ويوسف زلوف. حيث عقدوا عدة اجتماعات، صاغوا خلالها برنامجاً سياسياً، ونظاماً داخلياً لعصبة مكافحة الصهيونية، التي طلبوا ترخيصاً لها من الحكومة العراقية. وما إن حصلوا عليه، حتى تألفت هيئة إدارية للعصبة، ترأسها يوسف هارون زلخة؛ فيما ترأس هيئة الرقابة يهودا صديق."
وحال الانتهاء من هذه التحضيرات جرى تقديم طلب للحصول على إجازة رسمية بالعمل العلني باسم "عصبة مكافحة الصهيونية" باسم "لفيف من الشباب اليهودي" العراقي بتاريخ 12/9/1945، وأن تكون للعصبة جريدة يومية باسم "العصبة"، تكون لسان حال المنظمة. وكُلف الكادر الشيوعي المتقدم محمد حسين أبو العيس ليكون المدير المسؤول لجريدة العصبة. وبعد مرور ستة شهور تقريباً على تقديم الطلب، وافقت وزارة الداخلية على تأسيس المنظمة بتاريخ 16/3/1946 وعلى إصدار الجريدة، فصدر العدد الأول من العصبة بتاريخ 7 نيسان/أبريل 1946.
لقد كان موقف عصبة مكافحة الصهيونية ونشاطها منذ البداية واضحاً ضد الصهيونية ً ومعبراً عن إيمان أعضائها بذلك. وكان الهدف من ذلك حماية أرواح ووجود يهود العراق أيضاً. ولم يكن في مقدور العصبة أن تنهض دون تبني ودعم مباشرين من الحزب الشيوعي العراقي، الذي وجد فيها، بسبب وجود أكثرية يهودية عراقية فيها، أداة مهمة لمحاربة الحركة الصهيونية بالعراق وفي الخارج، كما أنها كانت أداة مهمة للتثقيف ضد الفكر القومي السلفي المتعصب الذي تمثله الصهيونية من جهة، ومن أجل تعزيز التآخي بين المواطنين من مسلمين ويهود ومسيحيين وغيرهم من المواطنين بالعراق من جهة أخرى، إضافة إلى مناهضة الفكر القومي الشوفيني العربي المتأثر بقوة بالفكر النازي منذ ثلاثينات القرن العشرين. واستطاعت العصبة خلال فترة وجيزة القيام بعملية تعبئة واسعة ضد الصهيونية وفضح مشاريعها . فاجتماعاتها التثقيفية اليومية والأسبوعية والكراسات التي أصدرتها خلال فترة وجيزة، ساهمت في تلك الاتجاهات الوطنية المنشودة، وهذا العمل بالذات هو الذي أغاظ القوى المناهضة وجمهرة من النخبة الحاكمة العراقية حينذاك. إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة العراقية بتهجير اليهود العراقيين قسراً كان قراراً ظالماً وجائراً ومسانداً لقرار التقسيم من الناحية العملية. لقد دفع عشرات ألوف اليهود بالقوة والقسر إلى ترك وطنهم العراق، كما حصل ذلك في بقية الأقطار العربية، الذين عاشوا فيه ألاف السنين، تماماً كما فعلت ذلك الحكومة اليمينية الشوفينية بإسرائيل حين طردت عشرات ألاف العرب من وطنهم فلسطين إلى الشتات العربي والدولي. وإذا كان اليهود قد استوطنوا اليوم بإسرائيل، فأن العرب الذين هُجّروا، ما زالوا يعانون مرارة العيش في المخيمات الفقيرة والبائسة بانتظار العودة إلى وطنهم الذي لا يجوز، بأي عرف ولا يمكن لأي مستبد أن يحرمهم منه. ويبدو إن عدداً غير قليل من الفلسطينيين يفكرون بحلول أكثر عملية لمعالجة مشكلة الفلسطينيين الذين هجروا من فلسطين إلى الشتات الفلسطيني باتفاق يعقد بين الدولة الإسرائيلية والدولة الفلسطينية المنوي إقامتها على الأرض الفلسطينية على وفق حدودها في العام 1967 وعلى أساس الحل النهائي للمشكلة بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي. وكل الدلائل تشير إلى أن الحكومات اليمينية واليمينية المتطرفة المتعاقبة بإسرائيل، وخاصة حكومة بنيامين نتنياهو، إنها لا تفكر بأي حل سلمي وديمقراطي وعادل للقضية الفلسطينية، فهي تواصل بناء المستوطنات في القدس الرقية والضفة الغربية، بالرغم من الاحتجاج الدولي المتسم بالاستحياء!
• وخلال فترة نشاط العصبة نشأت علاقات غير ودية بينها وبين الأحزاب الوطنية الأخرى التي أجيز عملها الرسمي حينذاك، وخاصة حزب الاتحاد الوطني وحزب الشعب والحزب الوطني الديمقراطي، دع عنك حزب الاستقلال، الذي كانت له سياسات مناهضة لليهود وضد استمرار وجودهم بالعراق. وكان السبب وراء تلك العلاقات غير الودية يكمن في النقاط التالية:
• التشابك بين النشاط الديمقراطي السياسي العام والنشاط الحزبي للعصبة، إذ أن الأحزاب الأخرى قد اعتبرت العصبة إحدى منظمات الحزب أو إحدى المنظمات التابعة للحزب. وكان هذا حقيقة واقعة.
• تبني العصبة لسياسات الحزب الشيوعي العراقي والترويج لها في نشاط العصبة أو قيام أعضاء العصبة وأعضاء حزب التحرر الوطني بالترويج لسياسة وشعارات الحزب في نشاطات وفعاليات بقية الأحزاب، إذ كان ذلك يلقى معارضة شديدة من جانب قادة تلك الأحزاب. وقد تجلى ذلك في المقالات التي نشرت في صحافة الأحزاب الأخرى، ومنها المقالات التي نشرتها جريدة الرأي العام التي كان يصدرها الشاعر محمد مهدي الجواهري حينذاك والتي وجهت أصابع الاتهام لحزب التحرر الوطني وعصبة مكافحة الصهيونية بالتخريب والإساءة لاجتماعات ومهرجانات الأحزاب الأخرى. وكتبت المقالات تحت عنوان: أعصبة لمكافحة الصهيونية أم لمكافحة الوطنية؟ أحزب للتحرر أم للتخريب؟ . ولم تكن هذه المقالات منصفة بحق العصبة أو الحزب الشيوعي العراقي، إلا إن الأوضاع السياسية حينذاك فد فرضت نفسها وقادت إلى نشر مثل تلك المقالات.
ويفترض هنا الإشارة إلى أن أغلب اليهود الذين عملوا في العصبة، كانوا أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي، وكانوا قبل ذاك أعضاء في وحدة النضال بقيادة الأستاذ عزيز شريف، التي حلت نفسها في العام 1956 والتحقت بالحزب الشيوعي العراقي. وكانت لهؤلاء الأعضاء علاقات مختلفة مع كوادر وأعضاء الأحزاب الأخرى.
ويشير عادل المصري ، سكرتير العصبة، في هذا المجال إلى أن مناضلي العصبة، وكذلك مناضلي حزب التحرر الوطني وفي ظل المنافسة الحزبية حينذاك ودور الحزب الشيوعي العراقي في كسب قاعدة الأحزاب الأخرى إلى نشاطاته وشعاراته يمكن أن يكونوا قد ارتكبوا أخطاء سياسية في العلاقة مع الأحزاب الأخرى . وكانت كل هذه الأخطاء تجير على الحزب، وهو أمر لا يخلو من صواب، بسبب أن قادة هذه المنظمة وفراكسيون الحزب العامل فيها، وكذلك حزب التحرر الوطني كانوا من الشيوعيين، كما كانوا على اتصال وثيق ويومي بالمكتب السياسي وبفهد مباشرة. وكانت تكتيكات العمل اليومي تقرر من جانب الفراكسيون. ويشير يعقوب المصري في هذا الصدد إلى أن العصبة لم يكن في مقدورها أن تستغني عن دور فهد، إذ كتب يقول: "وكان الرفيق فهد يوجه نشاطاتها وأحياناً يكتب في صحيفتها، ويعمل جاهداً على تنسيق نشاطها مع الحركة الوطنية وأحزابها ومع الحركة العمالية ومع الحركة المعادية للصهيونية عربياً وعالمياً. وللرفيق فهد خبرة في هذا المجال لا يمكن الاستغناء عنها" .
• لقد كان شعار الجبهة الوطنية ضاغطاً كبيراً على الحزب، وبالتالي على الشيوعيين العراقيين أينما عملوا، وكان الحزب الشيوعي يسعى إلى إقناع القوى السياسية الأخرى بأهمية الجبهة من خلال العمل في قواعد تلك الأحزاب وإقناعها بالقبول بالشعار وبالضغط على قياداتها للموافقة على تشكيل الجبهة على وفق منظور الحزب لها، وهو ما اصطدم بمعارضة القوى السياسية التقدمية والديمقراطية الأخرى وفي مسألتين، وهما:
• كانت تلك القوى تعتقد بان الحزب الشيوعي يسعى إلى فرض الجبهة التي يريدها على بقية الأحزاب بما فيها قيادته لها، خاصة وأن كراس الجبهة الذي أصدره حسين محمد الشبيبي، كان يصب بهذا المجرى، وهو ما كانت ترفضه الأحزاب الأخرى؛
• محاولة فرض قيام الجبهة من خلال تشديد ضغط قواعدها عليها، وهو ما كانت تراه مخالفاً لقواعد العمل بين الأحزاب السياسية التي تعمل في صفوف المعارضة.
ويمكن القول بأن القوى التقدمية والديمقراطية كانت على حق بالنسبة إلى هاتين المسألتين، إذ لا يجوز الدخول في اجتماعات أحزاب أخرى وفرض شعارات الحزب الأخر على اجتماعاتها مما يقود إلى توترات لا طائل منها وتسيء إلى العلاقات في ما بين قادة تلك الأحزاب. رغم أن من حق كل حزب التثقيف بسياساته وصحافته واجتماعاته الخاصة والعامة، فأن الأساليب التي اتبعها الحزب الشيوعي إزاء حلفاء الحزب الطبيعيين لم تكن صحيحةً باستمرار. ولكن، كما يبدو لنا، بأن فهد، وهو المسؤول عن تلك التكتيكات مباشرة، لم يجد أمامه طريقاً أخراً للضغط على الأحزاب الأخرى من أجل إقناعها بالموافقة على تشكيل الجبهة، التي كان يشعر بضرورة قيامها لتخليص العراق من المحنة التي كان يعيش فيها حينذاك. إلا أن هذا التكتيك الخاطئ لم ينجح وساهم في تعميق الفجوة بين القوى السياسية العراقية التي تعرضت لذلك التدخل.
لقد لعبت العصبة في فترة قصيرة دوراً مهماً ضمن القوى الديمقراطية المناهضة لنظام الحكم الذي كان يتاجر بالقضية الفلسطينية، ولكن في حقيقة الأمر كان يعمل على إيجاد مساومة في غير صالح يهود العراق ولا القضية الفلسطينية. وخلال فترة وجيزة تعرض أعضاء الهيئة الإدارية للعصبة إلى التوقيف، كما رفع أعضاء العصبة الذين تعرضوا للحكم غير العادل من جانب الحاكم أمين خليل المفتي شكوى إلى وزير العدلية ورئيس انضباط القضاة والحكام ورئيس منطقة بغداد العدلية ضد حاكم جزاء بغداد الأول، ووقعها ممن صدر الحكم بحقهم وهم: خليل نصيف العبيدي، يعقوب المصري، مسرور صالح، سامي ميخائيل و ، وعمانوئيل بطرس. (راجع الملحق).
الهوامش
كان الهجوم على العصبة هو البداية الفعلية للهجوم اللاحق على الحركة الوطنية العراقية ومحاولة الإجهاز على الأجواء الديمقراطية التي أنعشتها فترة نهاية الحرب العالمية الثانية والانتصار على الفاشية والنازية والعسكرية اليابانية. ثم طلب الادعاء العام العراقي تقديم كوادر العصبة إلى المحاكمة بتهم مختلفة بما فيها تهمة التعاون مع الصهيونية العالمية. ولكن المحاكم لم تستطع حقاً إيجاد أي علاقة بين أعضاء العصبة والحركة الصهيونية الدولية، بل كانوا جميعاً من المعادين للصهيونية والداعين إلى قيام دولة فلسطينية موحدة في فلسطين تجمع المسلمين واليهود والمسيحيين. وبالتالي انبثقت "عبقرية" الحاكم العراقي حينذاك وأكد أن عصبة مكافحة الصهيونية تعني "عصبة الكفاح لصالح الصهيونية". فقد جاء في قرار التجريم الصادر عن الحاكم خليل أمين المفتي حاكم جزاء بغداد الأول القاضي بحبس السيد يعقوب مصري سكرتير عصبة مكافحة الصهيونية والسيد مسرور قطان محاسبها وثلاثة مواطنين آخرين وفق المادة 89 من قانون العقوبات البغدادي، ما يلي:
" إن تعبير مكافحة الصهيونية ليس معناه الكفاح ضد الصهيونية لأنه كلمة كافح مكافحة وكفاحاً فكلمة مكافحة الصهيونية معناه كفاح الصهيونية ولو أريد أن هذه العصبة تكافح ضد الصهيونية لقيل (عصبة المكافحة ضد الصهيونية) غير إن هذا العنوان مما يدل دلالة واضحة إن العصبة هي عصبة كفاح الصهيونية". راجع: الراوي، عبد اللطيف د. عصبة مكافحة الصهيونية في العراق 45-1946. مصدر سابق. ص 176.
وقد أدين هذا التفسير من جانب محامي الدفاع وكثرة من اللغويين العرب، بمن فيهم الأستاذ الدكتور مصطفى جواد، حيث قيل عنه في حينها، "هل تعني عصبة مكافحة السل وعصبة مكافحة الجراد وعصبة مكافحة الأمية، عصبة لنشر السل وحماية الجراد ونشر الأمية"، كما أشار إلى ذلك يعقوب المصري في استعادة ذكرياته التي أشير إليها سابقاً؟ لقد كان تفسير الحاكم ليس تعسفياً فحسب، بل مغالطة كبرى كان يريد منها إصدار الأحكام على كوادر العصبة بأي ثمن، إذ كانت تعليمات السلطة تقضي بذلك. وكان هذا التوجه يعني بدوره تشجيع نشاط كوادر الحركة الصهيونية، فلا يمكن محاربة من يعادي الصهيونية ومن يؤيدها في آن واحد. فمن يمارس الأول ينشط الثاني والعكس صحيح أيضاً. وهذا ما حصل فعلاً.
2 خلال فترة وجيزة من عمر عصبة مكافحة الصهيونية أصدرت 51 عدداً من جريدتها "العصبة"، وكانت مقالاتها تهتم لا بالقضية الفلسطينية فحسب، بل وبالقضايا الوطنية المختلفة، ومنها النضال ضد الاستعمار ومن أجل الحريات الديمقراطية وضد التخلف والأمية ومن أجل تحرير المرأة، إضافة إلى فضح العلاقة المصلحية بين الحركة الصهيونية والإمبريالية العالمية. وكان للعصبة ناد ومقر في كرادة مريم، وكانت تقيم أسبوعياً ندوة خاصة عن القضية الفلسطينية وكان الحضور يصل إلى عدة آلاف أحياناً غير قليلة، كما أقامت مسرحاً وساحة لممارسة الرياضة، كما يشير إلى ذلك يعقوب المصري، الذي كان سكرتيراً للعصبة، في مقابلة له مع د. زهدي الداودي في براغ بتاريخ 2/7/1982.

3 خلال فترة وجيزة من عمر عصبة مكافحة الصهيونية أصدرت 51 عدداً من جريدتها "العصبة"، وكانت مقالاتها تهتم لا بالقضية الفلسطينية فحسب، بل وبالقضايا الوطنية المختلفة، ومنها النضال ضد الاستعمار ومن أجل الحريات الديمقراطية وضد التخلف والأمية ومن أجل تحرير المرأة، إضافة إلى فضح العلاقة المصلحية بين الحركة الصهيونية والإمبريالية العالمية. وكان للعصبة ناد ومقر في كرادة مريم، وكانت تقيم أسبوعياً ندوة خاصة عن القضية الفلسطينية وكان الحضور يصل إلى عدة آلاف أحياناً غير قليلة، كما أقامت مسرحاً وساحة لممارسة الرياضة، كما يشير إلى ذلك يعقوب المصري، الذي كان سكرتيراً للعصبة، في مقابلة له مع د. زهدي الداودي في براغ بتاريخ 2/7/1982.

4 أنظر: الراوي، عبد اللطيف د. عصبة مكافحة الصهيونية بالعراق. مصدر سابق. ص 199-201.

5 عادل المصري هو يعقوب المصري، يهودي عراقي شيوعي سجن سنوات طويلة وأطلق سراحه مع انتصار ثورة تموز في العام 1958 خير بين أن يسفر أو أن يتحول نحو الإسلام، فوافق التحول صوب الإسلام وغير اسمه إلى عادل المصري. كما حصل ذلك مع أخته عمومة مصري التي غيرت اسمها إلى عميدة مصري. ورغم ذلك فقد أخرجا من العراق وغادر يعقوب إلى براغ وسكن فيها حتى وفاته، في حين غادرت أخته إلى موسكو وسكنت فيها حتى مماتها. كاظم حبيب

6 أنظر: عبد اللطيف الراوي، مصدر سابق، ص 234/235.

7 المصدر السابق نفسه. ص 229.

8 سامي ميخائيل هو الكاتب الروائي العراقي الأصل والساكن في إسرائيل والذي أصدر مجموعة مهمة من الروايات الممتازة عن ذكرياته ببغداد ترجمت إلى عدة لغات منها اللغة الألمانية، منها: حفنة من ضباب 1997، بوق في وادي 1998، بغداد- عاصفة فوق المدينة 1998، حب في بغداد 2003، فكتوريا 2007. متساوين ومتساوون أكثر 1974، حماية 1977، هذه قبائل إسرائيل 1984، الجناح الثالث 2000، حمام في ترافلجر 2005 وعائدة 2008. (ترافلجر أي الطريق الأغر).
أنظر: الراوي، عبد اللطيف د. عصبة مكافحة..، مصدر سابق. ص 179/198.

الملحق:جدول يبين عدد توقيفات أعضاء الهيئة الإدارية لعصبة مكافحة الصهيونية بالعراق، وجدول أخر يبين الشكوى التي قدمها عادل المصري ورفاقه على حاكم جزاء بغداد الأول السيد خليل أمين