خدام الدولة ناهبو الثروة .

سعيد الكحل
2016 / 8 / 2

أيام قليلة عن تخليد الذكرى 17 لعيد العرش ، تحولت قضية حصول الوالي لفتيت على قطعة أرضية بثمن رمزي ، إلى قضية رأي عام سرعان ما تبين أنها مجرد الشجرة التي تخفي الغابة أو ما بات يعرف ب"خدام الدولة" الذين جعلتهم المراسيم القانونية مواطنين من الدرجة الأولى ، بقدر ثرائهم بقدر الريع الذي يتمتعون به ، فيما بقية الشعب الكادح ترهقه الذلة والمسغبة ثم المتربة مع هذه الحكومة التي رفعت الأسعار وألغت الدعم وجمّدت التوظيف وأغرقت البلاد في الديون ورهنت سيادة الوطن.ثروة الوطن تُنهب وديونه ترتفع والحكومة تتواطأ وتتفرج . قبل عامين ، وفي خطاب العرش لسنة 2014 ، تساءل الملك "أين الثروة" حين وقف على التناقض بين نتائج الدراستين اللتين أنجزهما البنك الدولي سنة 2005 و2010 لقياس الثروة الشاملة لحوالي 120 دولة، من بينها المغرب، الذي تم تصنيفه في المراتب الأولى على الصعيد الإفريقي، وبفارق كبير عن بعض دول المنطقة، وبين واقع عشرة ملايين مغربي يعيشون تحت عتبة الفقر المطلق . وقضية الوالي لفتيت وضعت الدولة والحكومة والأحزاب والمجتمع المدني أمام القضية الأم وهي النهب الممنهج لثروات المغرب الذي تشرعنه المراسيم القانونية وضمنها مرسوم "خدام الدولة" الصادر سنة 2005 .هذا المرسوم ونظراؤه يترجمون سياسة توسيع طبقة الأعيان والمستفيدين من الريع لتكون قوة محافظة تواجه مطالب التغيير والتحديث والدمقطرة . فهل المغرب اليوم ، بحاجة إلى مثل هذه السياسة في مرحلة تاريخية رفع فيها النظام نفسه شعار التحديث والمفهوم الجديد للسلطة وانخرط في مشاريع التنمية البشرية ؟ وهل لا زال المغرب يعيش الصراع حول السلطة ؟
إن النظام لم يعد في حاجة إلى خدام وفئة انتهازية يشكل بها قاعدته لمواجهة خصومه السياسيين وحاملي مطالب تحديث المجتمع ودمقطرة الدولة. هذه أدت دورها خلال فترة الصراع ،أما اليوم فقد فقدت صلاحيتها لأسباب عديدة أهمها :
1/ إن الملك محمد السادس ،أعلن ،منذ اعتلائه العرش ، عن تبنيه المفهوم الجديد للسلطة وعزمه طي صفحة سنوات الرصاص وتحقيق المصالحة.وقد نجح المغرب في هذا التحدي وقطع أشواطا مهمة.
2/ إن الملك ،وفي أكثر من مناسبة دعا إلى القطع مع منطق الريع بكل أشكاله ( كفى من سياسة الريع والامتيازات)خطاب 6 نونبر 2014. معنى هذا أن الملك على استعداد للتفاعل إيجابيا مع أي إستراتيجية تقدمها الحكومة في إطار محاربة الريع والقطع مع الامتيازات .فخطاب الملك موجه إلى المؤسستين التشريعية والتنفيذية لأجرأته . ولا عذر للمؤسستين في الاستمرار في حماية الريع أو شرعنته .
3/ إن الدستور يربط المسئولية بالمحاسبة ، ومعناه أن أي مسئول على المال العام لا يحق له أن يتصرف فيه على وجه يخالف الدستور وليس فقط القانون ؛ فكثير من القوانين الجاري بها العمل منافية لنص الدستور وروحه . ومسئولية الحكومة والبرلمان هي تفعيل الدستور وإلغاء القوانين المخالفة له . فالدستور هو القانون الأسمى الذي تستمد منه القوانين والتشريعات وتقاس عليه.
4 ، إن الدستور ينص على مبدأ المساواة بين المواطنين ، والاستمرار في توزيع الامتيازات وحماية الريع بكل أشكاله ، هو خرق للدستور وضرب لمبدأ المساواة . ومن شأن شرعنة الامتيازات والريع أن يزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي في ظل تردي الأوضاع المادية لفئات واسعة من المواطنين ، الأمر الذي يهدد الاستقرار والأمن ويفتح بلادنا على المجهول .
5/ إن الصراع على السلطة في المغرب انتهى ولم تعد الحاجة إلى خلق فئة مأجورة للدفاع عن النظام. وقد أثبتت أحداث ما كان يعرف بالربيع العربي قبل أن يصير خريفا، أن المغاربة يريدون التغيير من داخل النظام وبالتعاون معه بعيدا عن كل مجازفة جرت على كثير من شعوب المنطقة الخراب والدمار ولم ينفع أنظمتها المتساقطة الانتهازيون .
إن الدولة الحديثة التي يسعى لإقامتها المغاربة ، هي دولة المؤسسات وفصل السلط ، دولة المساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص . واستمرار العمل وفق منطق الريع ومراسيم شرعنة النهب هو تقويض لكل جهود التحديث والدمقرطة . بل إن الاستمرار في تكريس منطق الريع وتوسيع المستفيدين منه ، يشكل عبئا على النظام والدولة في وقت صار في الفضاء الأزرق سلطة حقيقية وقوة مؤثرة على وعي الشعب وتوجهاته . لهذا فالحكومة ملزمة بإلغاء كل القوانين والمراسيم التي تشرعن الريع والامتيازات تفعيلا للدستور وتطبيقا للخطاب الملكي الذي يشدد على محاربة الريع (لذا يتعين على الجميع، التحلي باليقظة والحزم، للضرب بقوة القانون، وسلطة القضاء المستقل، وآليات المراقبة والمحاسبة، على أيدي المتلاعبين والمفسدين، لاسيما عندما يتعلق الأمر بقوت الشعب، والمضاربات في الأسعار، واستغلال اقتصاد الريع، والامتيازات الزبونية، أو نهب المال العام، بالاختلاس والارتشاء، واستغلال النفوذ والغش الضريبي.)(خطاب 20 غشت 2008). كل العناصر الداعمة للحكومة في مواجهة الريع متوفرة : رأي عام وطني ضاغط ، خطاب ملكي ملتزم ودستور مؤسس وموجه لسياسة الحكومة ومحددا أهدافها .إن محاربة الفساد تبدأ من محاربة الريع وإلغاء القوانين والمراسيم التي تشرعنه.