حينما يكون الأستاذ فلان الفلاني ضد الطائفية

جعفر المظفر
2016 / 8 / 2


الأستاذ فلان الفلاني بارع في وصف المشهد الطائفي وفي متابعة تداعياته وآثاره المدمرة على المجتمع العراقي, وهو ليس وحده في هذا الميدان, إذ لو تم إحصاء عدد (اللاطائفيين الطائفيين) بين صفوف الكتاب والسياسيين لأحتوت القائمة اسماء المئات. حتى أولئك الذين كانت لهم أدوار في تعميقها ودعم نشطائها نراهم ما كتبوا مقالة عنها إلا وقدموا أنفسهم وكأنهم محاربوها الأشداء.
ولقد أصبح الكلام المضاد للطائفية أشبه بالكلام عن قضية الإصلاح. فبعد أن تم للقائمين على النظام السياسي الطائفي اللعين تمزيق العراق وشعبه والنيل من كامل منظومة القيم الأخلاقية وإيصال العراق إلى هذا الوضع المزري فوجئنا بهم جميعا وقد صاروا بين ليلة وضحاها من أشد دعاة الإصلاح ومريديه: تصوروا حتى موفق الربيعي صار يرجع تدهور العراق إلى مرض الطائفية وحتى المالكي صار يطالب بتقديم سراق المال العام إلى لجنة النزاهة.
لو سألت اليوم أغلب العراقيين لقدموا لك دروسا لا تعد ومحاضرات لا تحصى عن الطائفية .. عن أصلها ومنشئها وأسبابها وشخوصها ومعاركها, عن أنواعها وأصنافها وخاناتها وترتيبها.لقد أشبعنا الطائفية بحثا وتمحيصا حتى بات الحديث عنها والكتابة فيها أمرا لا يغري على الإستماع أو القراءة. أنا عن نفسي كنت أحد المداومين في الكتابة عن الطائفية, لكني مع ذلك حاولت أن تكون لي إقترابات غير نمطية أو تقليدية لعلي آتي بالجديد المفيد, ومما ذكرته : ضرورة التمييز بين الطائفية السياسية والطائفية المجتمعية, بين الطائفية الموظفة والطائفية الموروثة, بين الطائفية الظاهرة والطائفية المتراكمة في اللاوعي, بين اللاطائفي الطائفي والطائفي الطائفي, بين طائفية الفعل وطائفية رد الفعل, وغيرها وغيرها من المشاهد التي علينا أن نقترب منها بحذر يوم نطلق أحكاما نهائية على طائفية هذا أو لاطائفية ذاك.
دون الخوض في المنطق التبريري الذي إستخدمه أحدهم على طريق تفسيره لحتمية تأسيس النظام الطائفي الحالي كونه,بإعتقاده, رد فعل على فعل سبقه, فإن مقالاته التي تنصب على معالجة الظاهرة الطائفية تأتي وكأنها لف ودوران مقصود حول الموضوعة لأنها لا تميز بين الطائفية السياسية والطائفية المجتمعية ولا تحدد بالتالي طريقة المعالجة الصحيحة كونها تبدأ من خلال بناء نظام سياسي علماني متحضر يحرم تأسيس الأحزاب على أساس ديني, بل نراه يصرف إهتمامه تماما للمعالجات الثقافية والفقهية التي تقف عند حدود التوعية والتحريم الفقهي والثقافي دون السياسي القانوني. وهو على وضعه هذا أشبه بمن يسقي عطشانا شربة ماء بمنخل .
الأستاذ نفسه, في بحثه المختص بطرق معالجة الطائفية في العراق لم يكن حتى أكاديميا, أي انه لا يؤسس نظريته في نهاية البحث بل يطلقها منذ بدايته ثم يذهب بعدها إلى التاريخ ليجمع كل ما يؤكد على نظريته الموضوعة سلفا, وليس صعبا بالتالي أن يكون البحث الذي يقدمه في النهاية بحثا تبريريا يعتمد الأسلوب الإستقطاعي والتجزيئي من أجل إثبات ما بدأ به, فإذا بنا نرى النملة وقد أصبحت فيلا يطير, ونرى السلحفاة وهي تفوز بجائزة سباق المائة متر.
وليس هو وحده من فعل ذلك. الأستاذ حنا بطاطو , أفضل من كتب في الشان العراقي, ذهب أيضا في ذات الإتجاه حينما إعتمدا على جدوله المتهافت الذي ضم مقارنة بين عدد رؤساء الوزراء القليلين من الشيعة إلى عددهم من السنة لكي يؤكد على طائفية العهد الملكي, غير مهتم بإعادة ذلك الرقم إلى مكانه وزمانه لكي يساهما في تفكيك رموزه وحل طلاسمه.
على طريقة أرخميدس يذهب أصحاب الفيلة الطائرة والسلاحف الأولمبية لكي يصرخوا ( وجدناها .. وجدناها), فهم يقررون مثلا أن الحكم الملكي في العراق كان طائفيا لأنهم إكتشفوا أن عدد رؤساء الوزارات من الشيعة في كل سنوات الحكم الملكي كان خمسة من بين خمسة وأربعين كانت بقيتهم من السنة.
أما الكتاب الآخرون الذين يتلقفون الجدول تلقف العميان فنراهم وكأنما اصبحوا أخوة لأرخميدس في الرضاعة, فهاهم يخرجون من الحمَام عراة صائحين: ألم نقل لكم أن الحكم الملكي كان طائفيا, وتراهم وهم في عجلة الخروج من الحمام على الطريقة الأرخميديسية لم يكلفوا أنفسهم بالتدقيق في حقيقة الرقم نفسه, ولو أنهم فعلوا ذلك لأكتشفوا على سبيل المثال ان نوري السعيد لوحده كان شكل الوزارة أربعة عشر مرة مما يعيد ضبط تلك النسبة وتخفيف حدة النتيجة المؤسسة عليها.
هؤلاء لا يضعون الرقم في زمانه ومكانه لكي يتعرفوا على رصانته وفاعليته وسط ظرفه وسياقه, ولو أنهم فعلوا ذلك, وخاصة قياسا باحكام وسياقات الوضع الطانفي السياسي, وحتى الدستوري الحالي المتأسس على نظام المكونات, لوجدوا تماما عكس ما إكتشفوه, فالوضع الحالي لا يتيح مطلقا ان يكون رئيس الوزراء من غير الطائفة الشيعية في حين أتاح الحكم الملكي لخمسة من الشيعة ان يكونوا.
ويوم يعاد دراسة الرقم على حيثيات ذلك الزمن ونسترجع مقاطعة علماء الشيعة للمشاركة في الحكم آنذاك, وحتى وقوفهم مع العثمانيين (المسلمين) ضد الإنكليز (الكفرة) إضافة إلى أن (سنة) الدولة الملكية هم الذين ثاروا ضد العثمانيين (السنة) في حين لم يكن هناك شيعة سياسيون لكي يثوروا بينما وقف رجال الدين منهم إلى جانب العثمانيين وأفتوا بعدم جواز التعامل مع الإنكليز وتحريم العمل في مؤسساته الكافرة وذلك حفاظا على دولة المرجعية الموازية, وان وجود السياسيين السنة في المركز من حركة الثورة العربية المساندة للتحالف الأنكلوفرنسي كان أهلهم لأن يشكلوا أغلب رجالات الدولة العراقية فسوف يكون لائقا ان يعاد فحص الرقم من جديد لتتأكد عدم جدواه في تأسيس نظرية طائفية لإدانة ذلك الحكم, بل ربما سيستعمل الرقم بطريقة نسبية للتأكيد على لاطائفية الحكم الملكي الذي شرع لبناء دولة مدنية كان يمكن ان تتطور بشكل سريع لمحاصرة الطائفية الإجتماعية, وكان من ضمن ما فعله ذلك العهد التفتيش عن الشيعة المُحَّرم عليهم التعاون مع الدولة الجديدة, مع مراعاة نسب المتعلمين القليلة من بين صفوفهم.
ثم أليس من الضروري تفحص وقوف سياسي (السنة) العرب ضد العثمانيين (السنة) كواحدة من بوابات الدخول الوطني العلماني على موضوعة تشكيل الدولة المدنية في وقت ظل علماء الشيعة فيه ملتزمين بالدخول على قضايا الصراع في عالم القرن العشرين من خلال بواباته الدينية المتآكلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع