شبح أردوغان يخيم على ألمانيا!

ناجح العبيدي
2016 / 8 / 1

شبح أردوغان يخيم على ألمانيا!
حالة استنفار غير مسبوقة وأجواء مشحونة عاشتها مدينة كولونيا الألمانية يوم الأحد 31-7-2016 . ففي أكبر تظاهره تشهدها المدينة الواقعة في غرب ألمانيا منذ سنين احتشد نحو أربعين ألف تركي مقيم في ألمانيا وبلدان أوروبية مجاورة للتعبير عن تأييدهم للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وللتنديد بالمحاولة الانقلابية الفاشلة. أما الحضور "الألماني" فقد اقتصر على نشر نحو ثلاثة آلاف شرطي لحماية المظاهرة ولمنع حدوث صدامات مع بضع مئات من ناشطين أتراك وألمان مناهضين لحملة القمع في تركيا . ودعا الى المظاهرة ما يدعى بـ"اتحاد الديمقراطيين الأتراك الأوروبيين" المعروف عنه بأنه امتداد لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. الشعار الرسمي للاحتجاج هو "نعم للديمقراطية، لا للانقلاب" . ولكن الرسالة الحقيقية واضحة لا لبس فيها ومفادها أن أردوغان قادر على استعراض عضلاته ليس فقط في بلاده، وإنما أيضا في حاضرة ألمانية تقع على بعد أكثر من ألفي كيلومتر عن اسطنبول. وهو يريد أن يقول بإن ذراعه الطويلة تصل إلى ألمانيا أيضا وإنه قادر على ردع خصومه أينما كانوا وبغض النظر عن جنسياتهم. ولم يأتِ اختيار كولونيا صدفةً. ففي هذه المدينة يعيش نحو 65 ألف شخص يحمل الجنسية التركية أو من أصل تركي، أي ما يعادل أكثر من 6% من السكان. وبالقرب من كولونيا تقع مدن منطقة الرور المشهورة سابقا بمناجم الفحم ومصانع الصلب والحديد والتي تزيد نسبة الأتراك فيها عن 10% من إجمالي السكان. وبمرور الزمن أسس الأتراك في هذه المدن الكثير من المساجد والجمعيات والمنظمات والتي يرتبط العديد منها تنظيميا وماليا وسياسيا بالدولة التركية.
ويبدو أن أردوغان يرى بأن الوقت قد حان للتمدد خارجيا. فبعد نجاحه في ترسيخ سلطته المطلقة داخل تركيا بفضل حملة "التطهير" الواسعة التي طالت خصومه ومعارضيه في الجيش والقضاء والإعلام والتعليم، يحاول الرئيس الإسلامي الآن أن يوسع نفوذه في أوروبا، وألمانيا بالتحديد. ويأتي ذلك أيضا على خلفية غضبه من مواقف السياسيين الألمان ومحاولة أخذ الثأر من قرارات ألمانية رأى فيها أردوغان تطاولا شخصيا عليه. فبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة تعالت في ألمانيا الأصوات المنتقدة لحملات الاعتقال والتسريح لعشرات الآلاف من الأشخاص والأوامر الرئاسيه بإغلاق العشرات من الصحف والمحطات التلفزيونية والإذاعية في ظل حالة الطوارئ في تركيا. من جهة أخرى لا يزال التوتر يشوب العلاقات الألمانية-التركية على خلفية قرار البرلمان الألماني قبل شهرين باعتبار مذبحة الأرمن أبان عهد الامبراطورية العثمانية جريمة إبادة جماعية، وهو ما رأت فيه أنقرة تجاوزا على "الشعب التركي".
وجاء قرار ألمانيا بعدم السماح لأردوغان بتوجيه كلمة مباشرة عبر شاشات كبيرة إلى المشاركين في مظاهرة كولونيا ليؤجج من مشاعر الغضب لدى الرئيس التركي الذي اتهم ألمانيا والنمسا بالتضييق على حرية التعبير ومنع الاتراك المقيمين فيهما من رفع الأعلام التركية. وبطبيعة الحال فإن هذه الادعاءات بعيدة كل البعد عن الحقيقة. فمثل هذا المنع لا يوجد في البلدين الذي شهد كلاهما مؤخرا مسيرات مؤيدة لحكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي تخللتها أحيانا أعمال عنف ضد مرافق يعتقد أنها تابعة للداعية "فتح الله غولن" الذي تتهمه الحكومة التركية بالوقوف خلف المحاولة الانقلابية. كما صعد أردوغان من لهجته العدائية ضد ألمانيا عندما طالبها بتسليم عدد من أنصار فتح الله غولن في موقف قوبل باستهجان كبير من الحكومة والمعارضة وأعتبر تدخلا سافرا في صلاحيات القضاء الألماني. وتخشى ألمانيا حاليا من أن تتحول الأراضي الألمانية إلى مسرح لخوض صراعات تركية-تركية.
ويبدو أن مواقف أردوغان الأخيرة تندرج ضمن استراتيجية يُراد من ورائها زيادة الضغط على المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وإجبارها على تقديم مزيد من التنازلات فيما يخص إعفاء الأتراك من تأشيرة الفيزا لدخول دول الاتحاد الأوروبي والتسريع بمفاوضات الانضمام إلى الاتحاد. ولا يستبعد أن تمتد طموحات السلطان العثماني الجديد إلى أبعد من ذلك. فمن الملاحظ أن الرئيس التركي حريص على تصعيد خطابه السياسي المستند على مزيج من أديولوجية إسلامية راديكالية وأفكار قومية تركية متعصبة تشيد بـ"أمجاد" الأمبراطوية العثمانية التي وصلت في زحفها نحو أوروبا إلى أبواب العاصمة النمساوية فيينا قبل قرابة خمسمائة عام.
ومن الواضح أن اردوغان مؤمن بأن لديه ورقتين لابتزاز أوروبا عموما وألمانيا خصوصا، وهما ملف اللاجئين والجالية التركية الكبيرة. فالرئيس التركي يعرف جيدا بأن موجة تدفق الملايين من المهاجرين من سوريا والعراق وشمال إفريقيا وضعت أوروبا أمام اختبار عسير. وإضافة إلى التحديات السياسية والاجتماعية والمالية تواجه أوروبا تصاعدا غير مسبوق في التهديدات الإرهابية. ومن دون شك فإن مشاركة "لاجئين" في تنفيذ اعتداءات إرهابية دامية أكدت صحة التحذيرات من استغلال التنظيمات المتشددة وفي مقدمتها تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" لموجة الهجرة لتسريب عناصرها إلى أوروبا. وعلى خلفية هذه المخاوف تعتقد القيادة التركية بأن المستشارة الألمانية ميركل ستتجنب أي خطوة من شأنها إفشال الاتفاق الأوروبي-التركي حيال اللاجئين، لاسيما وأن اردوغان لوح مرارا بأن عدم "إيفاء" الاتحاد الأوروبي بتعهداته المالية وبإلغاء التأشيرة سيدفعه مرة أخرى لفتح الحدود أمام اللاجئين.
أما الورقة الرابحة الأخرى والأهم بيد أردوغان فتتمثل في الجالية التركية التي تسجل أعدادها نموا كبيرا يفوق بكثير النمو السكاني السائد في أوروبا. ففي ألمانيا وحدها يعيش نحو ثلاثة ملايين مواطن من أصول تركية وجزء كبير منهم حصل على الجنسية الألمانية. ولا تبدو الصورة مختلفة كثيرا في بلدان أوروبية أخرى حيث توجد جاليات تركية قوية في هولندا والنمسا وفرنسا وبريطانيا وغيرها. ويبدو أن أردوغان يعول كثيرا عليها من الناحية السياسية أيضا ويحاول ترسيخ نفوذه داخل صفوفها. ومن هنا يمكن فهم دعواته المتكررة لأبناء هذه الجاليات بعدم "الانصهار" في المجتمعات الجديدة وتعلم اللغة التركية أولا والتمسك بتقاليدهم الدينية والقومية.
وكان من الطبيعى أن تثير هذه الدعوات ردود فعل رافضة من قبل سياسيين اوروبيين، وخاصة في ألمانيا والنمسا والتي رأوا فيها رفضا صريحا للاندماج. ومن دون شك فإن الأوروبيين يشعرون أيضا بالقلق من أن أردوغان لن يتردد في استخدام الجاليات كحصان طروادة أو طابور خامس لتنفيذ مآربه وطموحاته. وبالفعل فإن هذه المخاوف تبدو مبررة في ظل التطورات الأخيرة. صحيح أن الجالية التركية منقسمة على نفسها وأنها تضم أيضا عشرات الآلاف من المناهضين لسياسة أردوغان الاستبدادية والحريصين على إنقاذ التجربة الديمقراطية في تركيا. ومثل هذه المواقف لا توجد فقط في أوساط الكرد والعلويين. لكن من جانب آخر هناك جزء كبير من الجالية التركية لا يشعر للولاء لبلد الإقامة حيث يوجد مصدر رزقه وتعيش عائلته ويتمتع بنظامه الاجتماعي، وإنما لوطنه "الأم"، وهذا ما أكدته المظاهرة في كولونيا أيضا. فمقابل القلق الرسمي والشعبي السائد في ألمانيا على مصير الديمقراطية في تركيا، تبدى أغلبية الجالية التركية إعجابا منقطع النظير بالقبضة الحديدية للرئيس التركي وتوجهاته الاستبدادية. وهذا الموقف ينم أيضا عن اختلاف جوهري في القيم الثقافية والحضارية ويعتبر مؤشرا واضحا على صعوبة اندماج الجاليات المسلمة في المجتمعات الأوروبية.
ولا يستبعد أن يغري نجاح "اتحاد الديمقراطيين الأتراك الأوروبيين" في حشد عشرات الآلاف في كولونيا في 31-7-2016 على الإقدام رسميا على تأسيس حزب إسلامي في ألمانيا على غرار فروع الأخوان المسلمين المنتشرة في العالم. وليس سرا بأن في أوروبا تنشط العديد من "الجمعيات" التي هي في حقيقة الأمر غطاء لحركات إسلامية راديكالية مثل حزب العدالة والتنمية التركي وحماس وحزب الله وغيرها في استغلال واضح للديمقراطية ولتنفيذ أجندات مخفية يصعب التكهن بأهدافها على المدى البعيد. كما يحاول برلمانيون وسياسيون من أصول مسلمة تأسيس حركات ظاهرها الدفاع عن المهاجرين وباطنها الترويج لمشروع الإسلام السياسي. وليس من المستبعد أن يتقبل الأوربيون تشكيل حزب إسلامي "أوروبي" تحت ذريعة الدفاع عن مصالح الأقليات المهاجرة على الرغم من مثل هذا الحزب سيمثل انتهاكا صريحا لمبدأ فصل الدين عن الدولة وللتقاليد العلمانية الأوروبية.
وتأتي مظاهرة كولونيا وسط تدهور واضح في علاقات تركيا مع الغرب. وفيما يصعب التكهن بتأثير هذه الخلافات على مستقبل العلاقة بين الطرفين، يجب القول بإن الغرب، وبما فيه الاتحاد الأوروبي، يملك أيضا ملفين هامين للضغط على أرودوغان، وهما الاقتصاد والقضية الكردية. فالازدهار الاقتصادي في تركيا والذي يعود الفضل إليه في صعود نجم أرودغان، يعتمد كثيرا على الاستثمارات والسوق الأوروبية. ومن المتوقع أن يؤدي أي توتر في العلاقات مع الغرب إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية الحالية التي تعاني منها تركيا أصلا. وبإمكان الغرب ايضا أن يدعم الطموحات القومية والانفصالية للكرد الأمر الذي سيربك خطط أردوغان ويضع طموحاته في مأزق خطير. ومن هنا فإن العلاقات التركية-الغربية مرشحة مستقبلا لتطورات يمكن أن تساهم في إيجاد توزان جديد في المنطقة. لكن الغرب وفي كل الأحوال سيواجه صعوبات كبيرة في التعامل مع عنجهية أرودغان ومع المواقف المتشددة لطابوره الخامس الذي نجح في التغلغل في المجتمعات الأوروبية.
د. ناجح العبدي
31 تموز/يوليو 2016