كيف السبيل لتصحيح العملية السياسية

ضياء الشكرجي
2016 / 7 / 31


dia.al-shakarchi@gmx.info
www.nasmaa.org
في الذكرى السنوية الأولى لانطلاق الحراك الشعبي للتيار المدني أود أن أطرح التساؤال الآتي:
هل هناك من أمل حقيقي، أم إن العراق، حاله حال دول المنطقة، ميؤوس منه؟
الواقع الراهن فاسد جدا، وسيئ جدا، بما يكاد يشمل جميع الأصعدة بلا استثناء، السياسي، الأمني، الخدمي، الاجتماعي، الثقافي، الاقتصادي. ولكن كل ذلك يمكن إرجاعه إلى مساوئ العملية السياسية، وذلك بسبب سوء أداء القوى السياسية المتنفذة، المتورطة في الفساد، وتكريس دولة المكونات، بدلا من دولة المواطنة، والمحاصصة، بدلا من التنافس السياسي في ضوء البرامج السياسية، ودعوى تمثيل الطوائف والأعراق، بدلا من التعددية السياسية. فالدولة أسست بعد سقوط الديكتاتورية منذ البداية، بل ما قبل البداية، على أساس طائفي وعرقي ومحاصَصَوي، بمعنى المحاصصة بين الطوائف والقوميات والأحزاب، لا لضمان حقوق كل المكونات، كما ادُّعِيَ كمبرر رلهذا التأسيس، بل من أجل تقاسم السلطة والنفوذ، والثروة، والامتيازات، بين أمراء الطوائف والأعراق، وزعماء الأحزاب الطائفية والعرقية.
وهذا الواقع المريض الذي يمكن نعته بالأزمة السياسية الشاملة والمستحكمة، يمثل من جهة واقعا مستعصيا على التغيير، ومن جهة يجب الإصرار على مواصلة النضال بكل السبل السلمية، من أجل تغييره أو إصلاحه، وغير مسموح بأي حال الاستسلام لهذا الأمر الواقع.
بالرغم من أن مساوئ هذا الواقع أصبحت معروفة وجلية ولا يمكن الإغماض عنها، أو إنكارها، أو التهوين منها، لكن دعونا مع هذا نمر عليها بشكل مختصر جدا، وعلى شكل عناوين.
1. العملية السياسية قائمة منذ تأسيس مجلس الحكم الموقت في تموز 2003، بل منذ مؤتمر صلاح الدين للمعارضة آخر تشرين الأول عام 1992، على أسس تسييس أو استغلال الدين، والطائفية السياسية والمحاصصة العرقية.
2. أسوأ ما أفرزه هذا التقسيم هو الطائفية السياسية، الذي انتقلت إلى المجتمع.
3. الفساد المالي وسرقة وهدر المال العام متفش ومستشر في كل مؤسسات الدولة، ابتداءً من تورط القيادات السياسية، الشيعية والسنية والكردية، ومزاولة الفساد من قبل كل الأحزاب الرئيسة المشاركة في العملية السياسية، الشيعية منها والسنية والكردية، وانتهاءً إلى كل مفاصل ومؤسسات الدولة.
4. تعطيل المشاريع التنموية وتردي الخدمات، مما جعل العراق من أكثر البلدان تخلفا في الخدمات، لاسيما تلك الحياتية الضرورية، التي بدونها يفقد الإنسان شعوره بآدميته وكرامته.
5. تعدد وانتشار الميليشيات الطائفية، التي وجدت فرصة لشرعنتها عبر الحرب ضد الإرهاب وتشكيل ميليشيات الحشد الشعبي، والتي تحولت إلى قوة ثالثة، إلى جانب الجيش والشرطة، بل تفوقها تسليحا وإمكانات ونفوذا، مع ارتباط أكثرها إيديولوجيا وولاءً وتنظيما بإيران.
6. استقواء القوى السياسية الطائفية وغيرها على بعضها البعض، كل بإحدى الدول الإقليمية أو العالمية (إيران، تركيا، السعودية، قطر، الولايات المتحدة).
7. انتهاج سلوكيات أدت إلى هجرة نسبة كبيرة من المكونات الصغيرة، لاسيما من أتباع الديانات غير دين الأكثرية، كالمسيحيين والصابئة المندائيين والإيزيديين والبهائيين.
8. محاولات قوى الإسلام السياسي التضييق على الحريات العامة والخاصة، ونشر ثقافة معادية لقيم الحرية والحداثة وحقوق الإنسان.
9. عدم استقلالية القضاء والهيئات المستقلة بسبب إخضاعها لمبدأ المحاصصة.
10. التستر المتبادل على الفساد بين القوى المتحاصصة، ليس فقط في إدارة الدولة، بل المتحاصصة في سرقة المال العام، كنتيجة للطائفية السياسية، وعموم ما يسمى بدولة المكونات، ولفساد القوى السياسية.
11. انخفاض الوعي الديمقراطي، بسبب الفقر والأمية وانخفاض مستوى التعليم، وبسبب انتشار التدين الشعبي بصورته المتخلفة والخرافية والمغالية، والمستغرقة في الشعائر الدينية، كمخدر، ومعطل للوعي السياسي، والاهتمام بالشأن العام، رغم إن هذه الجماهير المخدرة هي أول ضحايا الواقع السياسي المزري. ومن هنا نجد مقوة كارل ماركس، كون الدين أفيون الشعوب، قد تجدسدت في العراق في أشد تجلياتها تخلفا.
12. شبه الانعدام لأحزاب ديمقراطية علمانية حقيقية، بعقلية تجديدية حداثوية، تزاول التداول في موقع القيادة، وتتمتع بجماهيرية تؤهلها للوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، سواء كانت أحزابا تمثل اليسار الديمقراطي التجديدي، أو الليبرالية المؤمنة باقتصاد السوق مع التزامها بالحد الأدنى الضروري من العدالة الاجتماعية، أو ذات الاتجاه الوطني الوسطي، بما فيه المحافظ نسبيا، لكن العابر للطوائف والأعراق والرافض لتسييس الدين.
ما يترتب على هذا الواقع الفاسد والسيئ:
بما أن هذا الواقع لا يمكن أن يكون مقبولا الإبقاء عليه بأي حال من الأحوال، ولا بد إذن من إصلاح حقيقي وشامل، يؤدي إلى تغيير جذري، أو القيام إن أمكن بتغيير جذري، من أجل الشروع بالإصلاح الشامل، وكما لا بد من التفكير بسبل وآليات الإصلاح أو التغيير، حسب الرؤى المطروحة، وذلك في إطار أحد خيارين:
1. إدامة وتوسيع الحراك الاحتجاجي الشعبي، وتطويره وتنميته وتصعيده، حتى يتحول إلى ثورة، بشرط الإصرار على سلميتها، تؤدي إلى حل السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، من اجل إعادة تشكيلها على أسس صحيحة، عبر مرحلة انتقالية تمهد للشروع بالبداية الصحيحة، بشرط أن يكون كل ذلك بإشراف الأمم المتحدة، وربما بمساعدة الدول الصديقة، مع حسن اختيار التوقيت، والأخذ بنظر الاعتبار الحرب ضد الإرهاب.
2. إدامة وتوسيع الحراك الاحتجاجي الشعبي، وتطويره وتنميته وتصعيده، حتى يتحول إلى ثورة، بشرط الإصرار على سلميتها، تمارس الضغط على رئيس الوزراء للعودة إلى حزمه الإصلاحية، بشرط إكمال تلك الحزم بإجراءات ضرورية، ومنها تشكيل حكومة تكنوقراط من وزراء مستقلين استقلالا حقيقيا، وغير خاضعين لأي من الأحزاب المتنفذة الحالية، أو الميليشيات، مع إصلاح سريع للقضاء، ثم المطالبة بانتخابات مبكرة، بعد تهيئة شروطها، ومنها إعادة تشكيل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وإصلاح قانون الانتخابات وقانون الأحزاب، والطلب من الأمم المتحدة بالإشراف على الانتخابات، لتكون نزيهة تماما، مع تهيئة البديل السياسي الديمقراطي العلماني، وبدون التأثير سلبا على الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، وإنهاء وجوده كليا.
ولكن هل إن تطبيق أحد هاذين الخيارين ممكن حقا؟ وما هي العقبات أمام كل منهما؟ وما هي سبل تذليل تلك العقبات والمصاعب التي تعتري طريق التغيير أو الإصلاح؟ من أجل محاولة الإجابة على هذه التساؤلات، لا بد من المرور على عناصر التغيير والإصلاح، كالآتي:
1. الحراك الشعبي المدني: كان انطلاق الحراك الشعبي للمدنيين والعلمانيين في مثل هذا اليوم قبل سنة، أي 31 تموز 2015، والذي كان بمثابة إحياء مهم لاحتجاجات 2011، وكان هذا الحراك متميزا في وضوح اتجاهه المدني أو العلماني، ومطالبه بالإصلاح الحقيقي والشامل، وحسن اختياره لشعاره المركزي «خبز، حرية، دولة مدنية»، والإصرار على سلميته، والسعي لإدامته. لكن هذا الحراك بقي محدودا، وإن كان قد بلغ في أحسن أحواله إلى ما تجاوزت أعداد المشاركين فيه المئة ألف، لكن بدأت أعداده تتناقص. إذن هو لم يشكل بعد عامل ضغط كافيا على السلطتين القضائية والتنفيذية، بل ومعهما القضائية، لقيام كل منها بما تتطلبه عملية الإصلاح الحقيقي والشامل، من إصلاح وزاري، وإصلاح للسلطة القضائية، والبدء بمحاربة الفساد ومقاضاة الفاسدين، بدءً برؤوس الفساد الكبيرة، وذلك كون هذا الحراك لم يستطع إلى التحول إلى زخم مليوني مستدام.
2. الحراك المليوني: عندما تحول الحراك الشعبي إلى حراك مليوني، كانت هويته صدرية بامتياز، بينما بقيت جماهير التيار المدني والعلماني محدودة العدد نسبة إلى الجماهير الصدرية.
3. مدى إمكان التعويل على التيار الصدري: بالرغم من أن التحاق التيار الصدري إلى الحراك الشعبي الاحتجاجي، أعطى للحراك زخمه العددي، مما أكسبه عامل قوة ضروريا، فإن هذا التيار يبقى تيارا إسلاميا، وشيعيا، علاوة على إن توقيتات تحركه أو انسحابه، وتحديد مدى التصعيد أو التخفيف، بقيت كلها مرهونة بقرارات زعيم التيار، والتي تكون مطاعة من قبل جماهيره المليونية في كل الأحوال، مما يهدد مسار ومستقبل الحراك، لكونه مرهونا بقرارات شخص واحد متفرد بقراراته ومطاع فيها بالمطلق وفي كل الأحوال. هذا بالرغم من أن خطاب زعيم التيار الصدري طرأ عليه تحول نوعي لا يستهان به، إلا أن قراراته تبقى خاضعة لقناعته ومزاجه المتغيرين. وهذا يجعل هذا الحراك المليوني غير خاضع للتنبؤات وحساب الاحتمالات، ليجري التخطيط في ضوء ذلك. إذن تبقى القضية غير خالية من نقاط ضعف، وعدم وضوح في في حساب احتمالات هذا الحراك، وبل ونتائجه، التي قد تتجه بغير الوجهة التي يريدها التيار المدني والعلماني، مع وجوب بقاء هذا التيار، أي المدني والعلماني، متميزا في توجهاته وشعاراته، واستقلالية قراراته.
4. مدى إمكان التعويل على العبادي في إجراء الإصلاحات الحقيقية: الكثير منا عوّل في آب 2015 على رئيس الوزراء حيدر العبادي، عندما قام بخطوته الجريئة بإقالة نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء، ثم تقديم حزم الإصلاح، وموافقة مجلس الوزراء ومجلس النواب على إجراءاته بالإجماع، مع دعم المرجعية ودعم الجماهير ودعم دول العالم، لاسيما الولايات المتحدة، لكنه سرعان ما تراجع وتلكأ وتردد وتوقف، وبدأ بالتسويف، مما أعطى الفرصة للقوى المتنفذة والمتضررة من الإصلاح لممارسة ضغوطها عليه، والتي لم يكن قادرا على الوقوف بوجهها. وهنا بقطع النظر، عما إذا كان العبادي آنذاك صادقا، ولكنه كان عاجزا، أو كان غير جادِّ أصلا في إجراء الإصلاح الحقيقي الشامل، أو كان جزءً من لعبة لتهدئة غضب الجماهير المحتجة، فقد وصلت الأكثرية إلى عدم جدوى التعويل على العبادي، إلا إذا استطعنا إعادة الزخم للحراك الشعبي، ليشكل ضاغطا مهما، مع إيصال المطالب الواضحة وبإصرار لرئيس الوزراء، ومنحه فرصة، للوفاء بوعوده، وبشرط إعانه تجميد عضويته في حزب الدعوة حتى آخر ولايته الحالية، وإلا فيجري تصعيد الحراك الشعبي، لتأخذ الجماهير المبادرة بيدها من أجل التغيير. وهنا لا بد من دراسة الصعوبات التي تقف بوجه هذا الهدف، وكل النتائج المحتملة، والموازنة بين احتمالات كل من النفع والضرر.
5. خيار تصعيد مقتدى الصدر للحراك حتى إسقاط الحكومة وحل البرلمان: لو افترضنا أن زعيم التيار الصدري اتخذ قرارا من هذا القبيل، كما لمح إلى ذلك كثيرا، بل وصرح به أحيانا. فما يكون موقفنا كمدنيين وعلمانيين. هنا يجب استحضار المخاطر المحتملة، وعلى رأس هذه المخاطر التي يجب أن توضع في الحساب، هو خطر إسقاط الحكومة الحالية، قبل الانتهاء من الحرب ضد داعش، وكذلك خطر هيمنة القوى والشخصيات الأكثر سوءً وفسادا وطائفية. أما إذا أدى ذلك إلى ما هو أقل سوءً، ألا هو إجراء انتخابات مبكرة، فنرجع ونقول إن هذا يحتاج إلى مقدمات ضرورية، لا يمكن أن نذهب إلى إسقاط الحكومة وحل مجلس النواب والذهاب إلى انتخابات مبكرة بدونها. وذكرت هذه المقدمات، وهي وجود قانون انتخابات وقانون أحزاب صالحين، ومفوضية انتخابات مستقلة ونزيهة ومحايدة، وكذلك تهيئة البديل المدني العابر للطوائف، الذي يطرح نفسه للانتخابات، والذي يجب أن يكون واضحا في اتجاهه المدني أو العلماني، ويملك فرص أن يحصد أصوات الأكثرية، ثم التفكير بمدى إمكان جعل الانتخابات بإشراف الأمم المتحدة، لضمان نزاهنتها. وكل هذه الشروط من الصعوبة بمكان، بل قد يراها البعض شبه مستحيلة.
هذه المقالة لم تدَّعِ لنفسها القدرة على وضع الحلول، بل هي بمثابة تذكير بتشخيص الواقع، والاحتمالات، والأهداف، والعقبات، والتي على ضوئها يجب دراسة السبل والآليات، من أجل إجرء الإصلاح الشامل، أو التغيير الجذري من أجل الإصلاح.
وأختم مقالتي هذه بما بدأت به:
هل هناك من أمل حقيقي، أم إن العراق ميؤوس منه؟
31/07/2016