استبداد الصورة

محمود كرم
2005 / 12 / 18

أفهم أن يسبغ أتباع القيادات الدينية هالات القداسة على رموزهم الدينية ولكن أن تتحول صورهم إلى مقدسات صنمية لها القدرة على ممارسة الاستبداد الديني عليهم فهذا أمر آخر ..

وقد يكون من الطبيعي جدا ً أن تفرض حالة الحب الموغلة في الاسراف للرموز الدينية تبعاتها ( النفسانية ) على مَن يجدون فيهم خلاصا ً للواقع الذي يعيشون فيه وتصبح صورهم في حياتهم تعبيرا ً دقيقا ً عن مدى التعلق بهم والسير في خطاهم والتشبث بأفكارهم ..

وقد لفتَ نظري الأستاذ ( رشيد الخيون ) إلى جزئية مهمة في هذا الاتجاه عبر مقال له في جريدة الشرق الأوسط اللندنية مفادها :

( قرأت لافتة كبيرة سمرت على جدار حسينية قريبة من ضريح السيدة زينب المفترض بدمشق، نقش عليها: «أللهم احفظ لنا الخميني حتى ظهور المهدي». والقائمون على تلك الحسينية لبنانيون، اختلطت عليهم النهايات البلدانية، والخصوصيات الوطنية، حتى أهملوا صورة شجرة الأرز ليعلقوا مكانها صورا تفرض عليهم الاستبداد الديني والمذهبي: خميني، خامنئي، نصر الله ) ..

ومكمن الاستغراب الذي أبداه الأستاذ خيون هو كيف تتم مصادرة ما يرمز للوطن وجذور الهوية الوطنية لصالح رمز ديني مشبّع بفكر الهيمنة والاستبداد ..

التعلق الشديد بصور الزعامات الدينية الأصولية وزعامات الفكر الشمولي والتشبث بها كثقافة متأصلة في تفكير التابعين لها يشير بوضوح إلى مدى الهوس النفساني بهم والتسليم القلبي لهم وأصبح يتجاوز شكلية العلاقة العادية فيما بينهما لتتحول صورهم التي لا يتوانَ البعض منهم حتى في وضعها على شاشات هواتفهم النقالة إلى صنمية تحمل قداسة دينية مطلقة لا تقل عن قداسة شخوص رموزهم الدينية ..

أفهم أن يضع المراهقون على قمصانهم صورا ً للمشاهير من الفنانين أو الفنانات أو اللاعبين ولكني أفهم أن هؤلاء المشاهير لا يتبنون نظريات ( دينية ) أصولية أو فكرية متطرفة ولا يمارسون استبدادا ً دينيا ً أو فكريا ً على معجبيهم والأمر لا يتعدى كونه تعبيرا ً عن الاعجاب بهم لا أكثر بدون أية دلالات أصولية دينية أو توجهات فكرية متطرفة ..

ولذلك ليس غريبا ً أن نجد أن صور الزعماء الدينيين وغيرهم من أصحاب النظريات الشمولية تتصدر اهتمامات أولئك الذين يجدون في الصورة رمزا ً دينيا ً أو فكريا ً تجعلهم الصورة على اتصال عاطفي وقلبي معهم ..!!

ويمكن لنا أن نقرأ توجهات الكثيرين من الناس من خلال الصور التي لا زالوا يرفعونها علانية ً أو سرا ً في بيوتهم أو في مكاتبهم أو يضعونها في هواتفهم الخلوية وهي بالتأكيد تعكس حالة الحب التي تتعدى مجرد الاعجاب إلى التقدبس المطلق ..

وليس هناك َ أسوء من أن تستطيع صورة من أن تحتل مساحة كبيرة في آمال وأمنيات محبيها وتتحول إلى واقع حقيقي يفرض هيمنته الفكرية واستبداده الديني وحمولاته الأيديولوجية ..

وليس هناكَ أسوء من أن تمارس صورة الرمز استبدادا ً دينيا ً وفكريا ً تجعل المحب بلا أية ملامح فكرية واضحة مستقلة ويخضع لعملية الاستلاب الفكري التي تقوم بها الصورة العاكسة دائما ً لفكر الرمز وتوجهاته الثقافية الشمولية ..

إلى ما قبل 11 سبتمبر كانت صور ( بن لادن ) مثلا ً تستحوذ على قلوب محبيه ولا يجدون حرجا ً من وضعها في كل مكان علانية ً تعبيرا ً عن حبهم الكبير له والتعلق بأفكاره وتوجهاته الجهادية ولكنهم الآن بعد أحداث 11 سبتمبر والعمليات الإرهابية التي تمت هنا وهناك بقيادة القاعدة وخوفا ً من الملاحقة الأمنية لهم اختفت ظاهرة صور ( بن لادن ) العلنية نوعا ً ما ولكن هذا لا يعني أن صورته حينما توارت عن الأنظار قد اختفت تماما ً بل لا يزال محبوه يتداولونها بكل شغفٍ وهيام في ما بينهم وهذا يعني أن حالة الحب للرموز الدينية الاستبدادية تبقى متوقدة ومشتعلة وصورته تبقى موجودة في أشيائهم الخاصة لضرورة التواصل العاطفي والمشاعري معه ..

وكم كان الأمر غريبا ً حينما وجدنا بعض التوجهات الكويتية المحسوبة على تيار حزب الله الإيراني يرفعون صورا ً لحسن نصر الله و للخامنئي في مسيرة أمام مجلس الأمة الكويتي للتنديد بالممارسات الإسرائيلية في فلسطين وكأن التنديد بإسرائيل يمر عبر رفع صور أولئك الزعماء الدينيين ..!!

قد لا يبدو مفهوما ً بالنسبة لنا كيف تستطيع الصورة أن تمارس استبدادا ً ما على محبيها والمتيمين بها فكرا ً وتوجها ً وممارسة ولكنها عملية منظمة ترعاها المؤسسات الدينية ومؤسسات الحكم الشمولية بدقة متناهية من خلال التركيز دائما ً على ثقافة الصورة ونشرها واسباغ هالة القداسة عليها وكلنا يتذكر كيف كان نظام الحكم البائد في العراق يزرع صور الطاغية في كل زاوية وفي كل شبر من أرض العراق حتى أن النكتة التي راجت بعد الإطاحة بنظام البعث هي أن أمام العراقيين مهمة شاقة جدا ً تتلخص في إزالة صور القائد الضرورة من الشوارع والمؤسسات والمستشفيات فضلا ً عن إزالة نصب النصر التي زرعها النظام في شوراع العراق متباهيا ً بانتصاراته الخالدة وليس هناكَ أجمل من مقولة ( برناردشو ) الساخرة وصفا ً لهذه الممارسة القومية المزيفة : أن الأمم تصنع تماثيل كبيرة للأشياء التي تفتقدها أكثر ..!!

انتشار ثقافة الصورة ( الصنم ) بين عاشقيها المحبين تعكس تمكـّن رموز الاستبداد الديني والفكري من الاستحواذ كليا ً على عقول تابعيهم وممارسة الاستبداد الديني عليهم من خلال قداسة الصورة ..!!