ثلاث ملحوظات على تناولات عربية لتركيا

ياسين الحاج صالح
2016 / 7 / 30

أثار الانقلاب التركي الفاشل، والإجراءات السياسية والقانونية التي اعتمدتها السلطات التركية في أعقابه، تفاعلات واسعة في وسال الإعلام العربية، تنطلق هذه العجالة من بعضها للإدلاء بثلاث ملحوظات.

تتصل الملحوظة الأولى بالشخصنة المفرطة للشأن التركي وتركيز الكلام كله حول أردوغان. جرى ذلك في الإعلام الغربي طوال أكثر من عامين قبل الانقلاب، على نحو يذكر بأبلسة صدام حسين في زمن سبق، وقبله بقدرما جمال عبد الناصر. لا شيء من ذلك وقع بخصوص قاتل عصابي مثل بشار الأسد، قتل أو تسبب في قتل نصف مليون سوري، وفي تأزم إقليمي، وبصورة ما عالميٍ، مفتوح. وحين يكرر كتاب وإعلاميون عرب الأمر نفسه، يُدرجون أنفسهم في نظام للمعلومات والعلاقات الدولية ليس سجله في منطقتنا خالياً من النجاح فقط، وإنما هو منبع لكوارث متكررة.
ويشاطر في الشخصنة موالون عرب للحكومة التركية يجدون كل ما يفعله أردوغان صائباً، ويبرئونه من كل ما لا يمكن إنكاره من مآخذ جدية، بما في ذلك إغلاق الحدود في وجه اللاجئين السوريين منذ مطلع هذا العام، ومقتل 11 لاجئا سورياً على يد الجندرمة التركية في حزيران الماضي مثلا، فضلاً عن أجواء عامة مشحونة في تركيا ذاتها.
ليس أردوغان الشيطان العالمي الذي انهوس بتشريره الإعلام الغربي، حتى صار يعتبر مسؤولاً عن الصراع السوري بالذات، والتخلص منه أولى من التخلص من قاتل عصابي مثل بشار الأسد. وليس الرئيس التركي البطل العظيم المعصوم على ما يراه إسلاميون عرب، يزايدون على مناصري أردوغان الأتراك بالذات. لا ريب في تصاعد نزعات تسلطية عند الرجل مع طول بقائه في السلطة، أبسط تعبير لها أنه صاحب القرار الفعلي في تركيا اليوم رغم ما يفترض دستوريا من أن السلطة بيد رئيس الوزراء، وسعيه المعلوم إلى تعديل الدستور كي يصير النظام رئاسياً، كي يرتفع عنه أي حرج من أن يكون الرجل رقم واحد في النظام السياسي التركي.
لكن لا تصلح الشخصنة في أي من صيغتيها أرضية متسقة للاعتراض على التسلطية. الشخصنة أصلح للأبلسة، وللانقلاب أو الحرب، وليس لدمقرطة أوسع للدولة والمجتمع في تركيا.
الملحوظة الثانية المتواترة بخصوص ما يكتب عربياً عن الحزب الحاكم في تركيا، وعن أردوغان شخصياً، هي وصفه وحزبه بالإخوان المسلمين، دون مزيد من توضيح أو استدراك. ولا يوضح أصحابنا الذي يصفون الحزب التركي بأنه إخوان مسلمون، مع شحنة عداء في التعبير، أنه إن كان كذلك، فهو مختلف جدا عن تنويعات الإخوان التي نعرفها. يعطون الانطباع بأن العدالة والتنمية مثل الإخوان السوريين والمصريين، وهذا بكل بساطة خاطئ. ما يميز الإخوان المسلمين في كل مكان هو أولوية الأمة الدينية على الأمة السياسية، أو ببساطة الإسلام على الوطن. الحزب التركي ليس كذلك بحال. الأولوية لديه لتركية على الإسلام، وللأمة السياسية على الأمة الدينية، وهذا ليس حال إخواننا.
حزب العدالة والتنمية حزب قومي تركي محافظ، منفتح على تركية المسلمة غير المرئية التي كانت تتعرض لتمييز عنصري بكل معنى الكلمة منذ تأسيس الجمهورية قبل نحو 9 عقود. هناك شعور عام بالانعتاق اليوم في هذه البيئات بعد طول تغييب. التعليقات العربية تسوق المرء إلى الاعتقاد بأن أي تنظيم يعرض انفتاحاً على الجمهور المحافظ اجتماعياً هو إخوان مسلمون، مرفوض تالياً، الأمر الذي يثير شكوكاً جدية في ديمقراطية المعنيين، ويطرح تساؤلات عن عنصرية مستبطنة في تصور للحداثة من صنف تصور الكماليين الأتراك واليمين الغربي.
وليست وصمة العثمانية التي يوصف بها أردوغان وحزبه أمتن أساساً من الصفة الإخوانية. هنا أيضا يجري تحويل ملاحظة حقيقية، انفتاح أوسع على المجال العثماني السابق بعد طول انكفاء عنه وتوجه حصري نحو الغرب، إلى تبين خاطئ لنزعات سلطانية توسعية، بادر إلى الترويج لها الإعلام اليمين الغربي، المتمركز كلياً حول الغرب والمعادي لأية نزعات استقلالية خارجه، قبل أن يروج سوقها بيننا.
وفي هذا الشأن أيضاً، نجد الوجه الآخر للعملة: الإخوان المسلمون العرب يرون حزب العدالة والتنمية من صنفهم. مخطئون جداً. تسنى لي قبل شهور أن أسمع إسلاميا سورياً ينسب كل ما هو إيجابي في تركيا إلى حزب العدالة والتنمية. هذا عناد وجهل. التنظيم التركي جزء من تاريخ بلده، وليس منتسباً إلى أي تنظيم دولي، وزعامته تطور نزعات تسلطية فعلاً، وتنتشر في البلد أجواء متوترة فعلاً، والتوسع الديمقراطي الذي رافق فوز الحزب في الانتخابات البرلمانية عام 2003 يتآكل اليوم، ولعله بلغ أدنى مستوى له منذ ذلك الوقت. لكن يبقى العدالة والتنمية حزبا وطنيا تركيا، ينتمي إلى عالم حزب الشعب الجمهوري الكمالي، وحزب الحركة القومية الفاشي، وحزب الشعوب الديمقراطي، الكردي أساساً، وليس إلى عالم الإخوان السوريين والمصريين وغيرهم.
الملاحظة الأخيرة أعم نطاقاً، وتتصل بالصفة الماهوية (إسنشيالست) لأحكام معظم كتاباتنا عن الشأن التركي. يتعلق الأمر هنا بنفور متأصل أو بحس كاره أو باستعداد ميسور لرؤية ما يجري في إطار سلبي ثابت، ودوما بانضباط متدنٍ بالوقائع والمعطيات الفعلية. ما يحفِّز النقد هنا سابق على الأفعال أو السياسات، ينتمى إلى عالم الماهيات والجواهر الثابتة، والأفعال المنقودة تبدو ذرائع معززة لموقف لم يتولد عنها، مع انخفاض عتبة تصديق أشياء سلبية، من مثل أن أردوغان أذن لصلاة الفجر في قصره بعد الانقلاب بيوم أو يومين، وهي قصة مختلقة تماماً.
لكن هنا أيضاً الماهوية ليست صفة لمواقف عدائية وأصحابها، فهي شائعة بالقدر نفسه عند موالين عرب لتركيا أو لحكومتها الحالية، ممن يطلق عليهم في السياق السوري "منحبكجية أردوغان" (تيمناً بمنحبكجية بشار، أي الذين يوالونه في كل حال). الموقف هنا أيضاً ينصب على ما يكون الحزب الحاكم وليس على ما يفعل، وهو لذلك لا يتأثر بالأفعال، مهما تكن تسلطية أو مصدر توتر ومثار اعتراض في المجتمع التركي ذاته. مرة أردوغان هو الخطأ، فلا يمكن لما يفعله إلا أن يكون خطأ، ومرة هو يفعل الصح دوما لأنه صح. الأفعال والسياسات خارج النقاش، أو يختار منها ما يدعم هوى سابقا عليها. السياق غائب دوماً.
وعلى هذا النحو، يُلام الرئيس التركي والحزب الحاكم في تركيا للأسباب الخطأ، ويثنى عليهما للأسباب الخطأ أيضاً. وليس في هذا ما يصلح شيئا من حالنا أو حال الأتراك.