آخر نداء إلى الأنتليجنسيا الإسلامية...

غسان صابور
2016 / 7 / 29

آخر نداء إلى الأنتليجنسيا الإسلامية...
عندما تصر الأنتليجنسيا الإسلامية المثقفة بأوروبا, وبعديد من بلدان العالم.. والعديد من المسلمين الحياديين أو أنصاف الحياديين.. أو من يتعامون كليا, ولا يريدون التدخل بإدانة أو لا إدانة.. كلما قام داعشيون بعملية إجرامية بمدينة أوروبية أو على أرض سورية أو عربية أو إسلامية.. يرددون آنيا أن القتلة ليسوا مسلمين.. ولا يطبقون تعاليم الإسلام... ولي بينهم عشرات الرفيقات و رفاق دروب ومدرسة وحياة... وجوابي لهم.. لم يتغير من عشرات السنين حتى هذه الساعة.. أيتها السيدات وأيها السادة.. يا أهل المنطق والفكر والتحليل.. يا مثقفات ومثقفين... وهل أتى هؤلاء القتلة من كوكب زحل أو كوكب المريخ... وهل يحملون أي علم غير علم الإسلام وخلافتها " ألله.. رسول.. محمد ". بالإضافة أنني لم أسمع منكم أية إدانة للنصوص التي يقتلون بها.. ويدينون بها أكثر من ثلاثة أرباع البشرية وأكثر.. والتي ما زالت تنادي بالتسامح والتآخي وقبول الآخـر.. حتى الآخر القاتل!!!...
لماذا تتمترسون؟؟؟... لماذا تتمترسون بدلا ــ وأنتم الأنتليجنسيا والمثقفون ــ يعني مبدأيا زبدة المسلمين المعتدلين الخيرة.. لماذا لا تصرحون وتطالبون بتصليح النصوص وتعديلها, لخدمة البشرية.. لخدمة الإنسانية.. والتآخي بين الإنسان والإنسان أينما كان.. بدلا من ترك داعش وأبناء داعش وحلفاء داعش وحاضنات داعش بكل مكان.. يدعون بالكلاشينكوف والخنجر والقنبلة, يسعون ويدعون ويأمرون بأسلمة العالم كله.. ولو كما كان من خمسة عشر قرن.. بالسيف.. وغالبا بالسيف.... وتنادون بقوة ــ أقوى من تفجيرات داعش ــ أننا كلنا أخوة... ولا قــســر بالدين.. وأن الدين محبة.. ولا علاقة له بالسياسة والدولار والبترول.. كل هذه الأمور المادية الفانية.. وأن المرأة إنسان كامل كالرجل.. وهما معا متساويان كليا ببناء أي مجتمع وأية حضارة... وأن الدين علاقة مباشرة بين الإنسان بما ومن يؤمن.. وأنه ليس عبدا لكائن من كان... وكلنا متساوون بالألم والسعادة والموت والحق دوما بحياة أفضل على الأرض.. وخاصة أنـه لا حوريات.. وما يحزنون.. وكلنا تــراب وإلى التراب نعود.. وأن الحجاب بدعة.. ولا يحق لأي إنسان أو جماعة أو حزب أو عسكر.. أن يفرضوا على أي فرد أو جماعة معتقدا لا تقبله.. إلا باختيار واع راض قانع كــامـل... وكل ما يعاكس هذه المبادئ.. إعلان حـرب أبدية على الإنسانية.. على البشرية.. على العالم كله... وأن على المسلمين الذين يعيشون بالدول الأوروبية الديمقراطية العلمانية, أن يحترموا ويطبقوا قوانين وعادات هذه البلدان التي فتحت لهم صدرها وأمنت لهم المساواة والحرية والأمان.. أكثر ألف مرة من البلدان التي ولد فيها آباؤهم أو أجدادهم...
واليوم أكثر من أي يوم آخر... على هذه الأنتليجنسيا الإسلامية.. أن تحاول بجهد واحد صريح واضح.. دون خوف عاداتي تاريخي.. دون خشية الجار والعائلة والعشيرة وخاصة الحلقات (الداعشية) النائمة بين صفوفها.. أن تفسخ العقد بينها وبين الوطن التي اختارته لها ولأولادها وأحفادها... وهم يعرفون أكثر من غيرهم أن المملكة الوهابية التي تنشر وتمول وتشجع بالجوامع التي تمولها, كل الأفكار التفسخية والسلفية والإرهابية اللاإنسانية التي لا تتوافق على الإطلاق بالبلدان التي اختاروها للعيش مع عائلاتهم, والتي بقوانينها تؤمن وتحمي حرية الاختيار... هذا المبدأ الذي لا يوجد ولم يوجد حتى هذا اليوم بأي بلد عــربـي أو إســـــلامـي.. بالعالم كله...
واليوم هم على مفرق طريق أهــم اختيارات حياتهم...................
*********
إنــذار خــطــيــر
وجهت البارة الجبهة الوطنية الكورسيكية FLNC وهي منظمة سياسية شبه عسكرية سرية, حصلت على الأكثرية بالانتخابات المحلية لإدارة هذه الجزيرة التي يطالب نصف سكانها بالاستقلال والانفصال عن الحكومة الفرنسية, رغم الامتيازات الخاصة التي حصلت عليها, خلال سنوات طويلة من الخلافات ـ غالبا عنيفة ـ بينها وبين السلطات المركزية. وجهت هذه المنظمة إنذارا مفتوحا إلى الإسلاميين الراديكاليين الموجودين بفرنسا.. بعد جريمة نيس الجماعية.. وجريمة ذبح الكاهن بكنيسته والاعتداء على عدد من المصلين المسنين, من قبل شابين ينتميان لداعش.. الانذار واضح جدا بواسطة الإعلام المحلي والفرنسي.. بأن أية عملية إرهابية ضد أي من أهالي الجزيرة.. سوف يقابل بعنف وقوة.. دون أي تردد...
إنذار استنكرته فورا السلطات المركزية.. ولم يــلــق أي انتقاد من السلطات التشريعية والإدارية المحلية التي غالب أعضائها ينتمون تاريخيا لهذه المنظمة الكورسيكية...
هذا الإنذار لاقي موافقات مختلفة أو اعتراض راديكالي.. حسب الأحزاب والجمعيات وانتماءاتها إلى اليمين واليسار.. كما ورد شجب قاطع من كامل مسؤولي الكنائس المسيحية...
أجواء مكهربة وحذر.. وغيوم تطفو على سماء فرنسا العلمانية والديمقراطية... بالإضافة اليوم إلى ضياع ثــقــة غالب الفرنسيين والشارع, بالسلطات الفرنسية الحالية لحل هذه المشكلة.. نظرا لتفاقم الحساسيات, وتكرار التعديات التي سببت مئات القتلى ومئات الجرحى من الفرنسيين.. دون ظهور بــوادر حقيقية من المسؤولين والأنتليجنسيا الإسلامية, للتحرك بقوة وإرادة حقيقية لإيجاد حلول إيجابية.. حيث أن النظريات الداعشية الراديكالية تتفاقم بسرعة, بصفوف الجاليات الإسلامية المحلية.. أكثر من نظريات التآخي والسلام... رغم النداء الذي وجهه الدكتور دليل بوبكر, عميد جامع باريس الكبير.. بأنه يدعو إلى إجراء إصلاحات إجتماعية بالتبشيرات والوعظات والنصوص.. وأنه على المسلمين إجراء تعديلات وإصلاحات بالإسلام حتى يتوافق مع الأنظمة الفرنسية المحلية... رجــاء ورغبة إنسانية إيجابية.. كما جرى بين بقية الطوائف ونابليون من حوالي قرنين من الزمن.. بالإضافة إلى القوانين العلمانية التي تمارس بالمجتمع والتشريعات الفرنسية منذ سنة 1905 من القرن الماضي.. والتي لم ينصهر مسلمو فرنسا بها كليا حتى اليوم.. والتي فتح فيها الراديكاليون المتكاثرون منهم عديدا من الطاقات والنوافذ والخنادق والمزاريب.. مما أدى إلى هذه الحالات الخطيرة من الانشقاق والتمزق والحذر... وإلى حالة الطوارئ التي مددتها الحكومة الفرنسية والبرلمان الفرنسي بأكثرية ساحقة.. لمدة ستة أشهر إضافية أخرى...
آمل أن تعود الحكمة وأن يعود العقل والتعقل.. وأن تسود فكرة العلمانية بين جميع المواطنين الذين يرغبون العيش الأمين, لهم ولعائلاتهم وأولادهم وأحفادهم.. بدلا من التمترس وراء التعصب الديني الغريب والبعيد عن كل إنسانية وتسامح وعدالة وفكر متطور متنور حكيم صحيح...
*************
عــلــى الــهــامــش :
ــ حـــالــة حــــرب
الحكومة الفرنسية.. حكومتنا.. حكومتنا.. حكومة فرانسوا هولاند ورئيس وزرائه الغضنفر مانويل فـــالــس... يصرحون عشرة مرات باليوم أننا بحالة حرب.. وعلينا أن نتطور مع حالة الحرب.. دون أن نغضب.. دون أن نعترض.. دون أن ننتقد... طالبين منا أن نشارك بحالة الحرب هذه.. دون أن ننقد أنهم كانوا من أوائل مسببيها ومشجعيها.. مستقبلين مموليها ومشجعيها ومفسري أسبابها (الربيعية التآمرية) على مدرجات قصورهم الرئاسية بباريس.. حتى من لم يحملوا أية صفة ديبلوماسية من المعارضات الهيتروكليتية السورية.. كرؤساء دول رسميين.. مراضاة لأكبر زبائنهم ومشتري بضائعهم المفلسة.. أمراء السعودية وقطر... واليوم يطلبون منا الحذر من هؤلاء وحاضناتهم النائمة والمتحركة... ما هذه السلطة (Salade) العجيبة الغريبة... أنا لا أفهم.. ومن القليل ما أفهم... لا أقنع ولا أقبل... وكلي اعتراض... وتـــشــاؤم إيجابي مستمر...

ــ ابـتـعـاد و اعـتـكـاف
كم كنت أود أن أختم مقالي هذا اليوم.. وفرنسا وأوروبا.. والبشرية كلها بأحداثها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. وخاصة الدينية وتفاقم التعصب الديني.. بكل مكان بالعالم.. تبدو متعبة.. مستسلمة.. قانعة أن الظلام والأسود والظلم والفقر والحقد والكراهية.. أمــر طبيعي.. وهكذا كان .. وهكذا سيكون.. هـــنــاك وهـــنـــا... رغم نداء البابا الكاثوليكي من مدينة كـراكـوفـي Cracovie البولونية, حيث يحضر تجمع الشباب المسيحي العالمي.. داعيا إياهم للتسامح ومن ثم التسامح.. والتآخي مع الآخر... يعني ديمومة هذا المبدأ المسيحي الأساسي الذي لم يتغير منذ أكثر من ألفي سنة.. آملا أن يسمعه الآخر... نعم أن يسمعه الآخر.. لأن التآخي والتسامح إن لم يكن متبادلا حقيقيا جديا إنسانيا معتقديا بين طرفين أو أكثر.. فلا جدوى لـه على الإطلاق.. وسوف تستمر الحروب والكراهية دوما بين معتدي ومعتدى عليه.. وأن النداءات للسلام من طرف حقيقي واحد.. لن تصمت الزنانير المتفجرة والصواريخ والكلاشينكوف والذبح المحلل.. وحتى الشاحنات الثقيلة التي تقصف أعمار مئات الأبرياء (الآخرين) عمدا لمراضاة الله ورسوله... وإني بكل هذه الأحداث الرهيبة الإجرامية الواقعية الحاقدة.. لا أرى بصبوص أمل بسلام حقيقي بين الإنسان والإنسان.. سوى كلام وخطابات منمقة باطنية.. تخالف واقع الأحداث.. ولا أسمع سوى كلمات نوايا حسنة.. بلا حزم وجد.. ورغبات إصــلاح و تغيير نصوص دينية عمرها خمسة عشر قرن.. ولا أحد يــجرؤ على تغيير فاصلة منها.. حتى تتطابق مع قواعد السلام البسيطة, بين الإنسان والإنسان... وكل بيانات النوايا الحسنة اليوم.. بتشاؤمي الإيجابي الواقعي.. لا أرى فيها سوى مظاهر الكلام العربي المعتاد, والذي كل يفسره حسبما يحتاج.. وحـسبما تعود.. وخاصة حسبما يــبــغــي...
لذلك قررت الاعتكاف عن الكتابة والنشر لمدة أسبوعين.. حتى أرى بهدوء... إلى أين يسير العالم... وهل أصحاب كل هذه التصريحات الطنانة.. هم حــقــا بعيدون كل البعد عن القتلة.. صــادقــون بالنوايا والأفعال.. أم أن كل هــذا كــلام بــاطــن وظــاهــر.. حسب الأحداث وتغيراتها.. حسب العرض والطلب...
بــــالانــــتــــظــــار...
للقارئات والقراء الأحبة الأكارم.. هـــنـــاك و هـــنـــا.. وبكل مكان بالعالم.. وخاصة بهذا البلد الطيب المضطرب ــ فــرنــســا ــ الذي اعيش فيه.. كل مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي ووفائي وولائي.. وأصدق تحية إنسانية مهذبة...
غـسـان صــابــور ــ لـيـون فـــرنـــســـا



آخر