الإنتخابات الأمريكية الحالية .. ساحة فضائح لا ساحة برامج.

جعفر المظفر
2016 / 7 / 27

الإنتخابات الأمريكية الحالية .. ساحة فضائح لا ساحة برامج.
جعفر المظفر
المعروف أن الدولة الأمريكية لها حزبان يتداولان على بيتها الأبيض هما الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي يتميز الأول في كونه أكثر محافظة من الثاني على الصعيد الإجتماعي وأكثر تمشدقا بمفهوم العظمة الأمريكية على الصعيد السياسي, فإذا ما جاءت الإنتخابات الرئاسية فسترى أمريكا وقد تحول إعلامها وكثير من نشاطاتها السياسية إلى ساحة للمواجهات الكلامية الذي يتأسس معظمها على إصطياد الفشل في برامج الحزب المنافس.
لكن ثمة حقيقة تقول أن ما من رئيس, جمهوريا كان أم ديمقراطيا, قد إستطاع الفوز, ما لم تكن لديه قضية مثيرة حقا لإهتمام المواطن وجاذبة للتغيير. على سبيل الأمثلة, ريغان الجمهوري كان أنتخب لقدرته على تسويق برنامج إعادة الإعتبار لهيبة أمريكا التي كانت نالت منها قضيتان أساسيتان أولهما العزلة الأمريكية وراء البحار التي فرضتها ظروف الهزيمة الأمريكية في فيتنام والثانية إحتجاز الحرس الثوري الإيراني لموظفي السفارة الأمريكية في طهران لفترة 444 يوما دون أن تبدي إدارة كارتر الديمقراطية أية قدرة حقيقية على إطلاق سراحهم. ولقد اثرت تلك الحادثة كثيرا على رصيد الرئيس كارتر حيث لم يصعب على المرشح الجمهوري زيادة شعبيته والفوز بمنصب الرئاسة تحت عناوين إعادة الهيبة الأمريكية التي لم يتمكن الرئيس الديمقراطي على حراستها.
أوباما الديمقراطي حقق فوزا لامعا ضد المرشح الجمهوري جون ماكين بعد أن تسبب الجمهوريون بقيادة بوش الإبن بنكسات سياسية وإقتصادية بعد إحتلال العراق وأفغانستان, وصار سهلا على اوباما الفوز على غريمه الجمهوري ماكين بسهولة. وكان تراجع شعبية الجمهوريين قد وصل إلى الحد الذي جعل من قضية لون المرشح عاملا مساعدا للفوز كتعبير عن حالة تمرد ضد الوضع السياسي والإقتصادي المقرف للجمهوريين أكثر منه تعبيرا عن إلتزام نهائي بخيار مبدئي إنساني عابر للتمييز العنصري.
صحيح أن العنصرية كانت حينها قد تراجعت كثيرا, وربما كان إختيار مرشح اسود قد تم بعد دراسة مستفيضة لحالتين متداخلتين أولهما هذا التراجع في مستوى العنصرية وثانيهما كاريزما أوباما التي فعلت هذا التراجع وجعلته قضية للتحدي الرابح, لكن شخصية المرشح الجمهوري لم تكن يومها قاصرة فقد كان ماكين واحدا من أبطال حرب فيتنام البارزين بصفته طيارا وقع في اسر الفيتناميين إضافة إلى خبرته السياسية التي حصل عليها من خلال عمله الطويل في الكونغرس الأمريكي كواحد من أبرز الزعامات الجمهورية.
في المقابل كان أوباما جديدا على الساحة السياسية وكان صغر عمره وقلة تجربته وحتى لونه الأسمر وإسم جده الذي يدل على أصول إسلامية كلها أمور أُفترضت أن تعمل لصالح المرشح الخصم, لكن الفشل العسكري الأمريكي في العراق وأفغانستان ثم تراجع الإقتصاد الأمريكي بوتائر سريعة كلها أمور قد عتمت كثيرا على الجوانب السلبية المقابلة في شخصية أوباما, بل وجعلت فرصة التخلي عنها في تلك المرحلة أمرا محببا.
أما ترامب فيكاد يكون المرشح الرئاسي الذي لا يملك قضية. أوباما لم يخطأ كما فعل سلفه بوش الإبن, بل لعله أفلح في تحقيق إنجازات إقتصادية وسياسية ليس من السهل تجميع عناوين إنتخابية ضدها لذلك بات ترامب في مواجهة عجز حقيقي في العثور على عناوين سياسية وإقتصادية وإجتماعية تساعده على أن يكون رجل بقضية. لذلك تراه يجتهد للنفخ في عناوين تحمل طابع الإثارة وتقوم على إستدعاء مشاعر ليس من الصعب إكتشاف وَهْنَها العنصري وتفعيلها للروح الغوغائية, حتى تكاد تظن وأنت تستمع إلى خطبه وحركاته وطريقة كلامه انك أمام واحد من الأفلام التي إعتادت هوليوود صناعتها للسخرية من بعض رؤساء العالم الثالث. ويوم تقف أمام أدبيات مؤتمر الجمهوريين الأخير الذين كان إنعقد مؤخرا في مدينة كليفلاند والذي حصل فيه ترامب على تسميته كمرشح للحزب الجمهوري فإنك لا شك ستعجب من الغوغائية الأمريكية التي بإستطاعتها أن تتسيد عملية تصنيع الرأي العام.
إن ترامب, على خلاف الأغلبية من مرشحي الرئاسة الأمريكية, يفتقد كثيرا إلى كاريزما الشخص وكاريزما القضية حتى تكاد تشعر بأنك أمام ساحر يريد إخراج الحمام من قبعة مثقوبة فارغة. لكن هذا الساحر الذي يتحرك ويتكلم بصعوبة تحت ثقل كمية المكياج التي تلطخ وجهه وتسريحة شعره التي تذكرنا بتسريحة المرحوم الفيس بريسلي, ولكن في غير زمنها ومحلها, يجعلك تجهد نفسك كثيرا في البحث عن الأسباب التي تجعل أمريكا وكأنها باتت عاجزة تماما عن إنتاج سياسيين من الطراز الجاذب.
من ناحية أخرى, عادة ما يواجه المرشح الجديد الذي حكم حزبه لدورتين متتاليتين صعوبة تقليدية في الفوز وخاصة إذا ما إنعقدت الإنتخابات في ظروف ليس فيها الجديد المثير, لذلك ترى المعركة الحالية وهي تدور حول محاور شخصية اكثر من دورانها حول قضايا ذات طابع وطني او أممي مؤثر. وفي الحالة الترامبية يبدو العجز واضحا عن إيجاد قضية تتجاوز مساحة البحث عن الفضائح لدى الغريم وسوى تلك التي يمكن النفخ فيها كبالونات ملونة. وهكذا هي المعركة الإنتخابية الأمريكية الحالية التي تبدو وهي تتحرك في ساحة الفضائح الشخصية البينية اكثر من كونها تتحرك في ساحة البرامج الندِّية.