القرآن وتراكم رأس المال

ناجح العبيدي
2016 / 7 / 27

القرآن وتراكم رأس المال
"الله يحب الإنفاق ويكره الادخار" هكذا يمكن تلخيص موقف القرآن المعادي لعملية التراكم والذي يعتبره بعض مؤرخي الاقتصاد أحد العوائق الأساسية التي حالت دون تحقيق المجتمعات الإسلامية للطفرة الصناعية. في المقابل يرى منظرو ما يعرف بالاقتصاد الإسلامي أن القرآن استبق جميع النظريات الاقتصادية عندما حض على زيادة الإنفاق والاستهلاك كوسيلة لإنعاش الاقتصاد، بل ويعتقد بعضهم بأن الإسلام قدم نظرية متكاملة للإنفاق استبقت بقرون نظرية الطلب الفعال لعالم الاقتصاد البريطاني الشهير "جون مينارد كينز" الذي ينصح الحكومات بزيادة الإنفاق العام في زمن الركود كوسيلة لتجاوز الأزمة. وبالفعل فإن نظرة بسيطة على النص القرآني تؤكد أنه يتضمن مئات الآيات التي تُزين للمسلمين حب الإنفاق وتدعوهم الى تجنب الإمساك. ولعل عبارة {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} التي تكرر مرات عديدة وبصيغ مختلفة كافية لتوضيح أهمية الإنفاق في القرآن الذي يضع الإنفاق في مصاف الفرائض كأداء الصلاة والدعاء والعبادة وغيرها. ويُضفي القرآن على الله صفة الكرم والسخاء الزائدين {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}. ويقصد النص القرآني بالإنفاق صرف المال على النفس والعائلة والأقارب وأداء الزكاة والتبرع للأغراض التي تندرج تحت باب ما يدعى بالإنفاق في سبيل الله. ويذهب الداعية الإسلامي الشهير يوسف القرضاوي الى أن الإنفاق هي صفة المؤمن، بينما يوصم "الكافر" بالشُح والبُخل. في المقابل ينظر القرآن بعين الريبة الى الادخار والتوفير. وبطبيعة الحال فإن العلاقة بين الإنفاق والادخار هي ليست قضية دينية بالدرجة الأولى، وإنما تقع في صلب النظام الاقتصادي السائد. لكنها تطرح أيضا السؤال مجددا حول تأثير العقائد والتقاليد الدينية على النشاط الاقتصادي سلبا أو إيجابا ودورها في عملية التنمية.
ليس بالإنفاق وحده يحيى الاقتصاد
لا أحد يجادل في أهمية الاستهلاك للنمو الاقتصادي، خاصة بعد أن نجح "كينز" في نقل اهتمام النظريات الاقتصادية من العرض الى الطلب. ولهذا يروج أنصار الاقتصاد "الإسلامي" للفكرة القائلة بإن تركيز القرآن على الإنفاق يعتبر من أهم مرتكزات النظام الاقتصادي للإسلام ويرون في حب الإنفاق ميزة يتميز بها هذه النظام بالمقارنة مع النظامين الرأسمالي والاشتراكي. فهي بحسب رأيهم لا تساهم في مكافحة الفقر عبر التصدق بالمال على الفقراء والمساكين فحسب، وإنما أيضا في تعظيم الاستهلاك والطلب الفعال كعامل رئيسي لتحفيز النمو الاقتصادي، إضافة بالطبع الى الثواب الذي يكسبه المنفق في الآخرة. ولكن كل هذه الفرضيات لا يتم عادة مقارنتها بالواقع للتأكد من مساهمتها الفعلية في التنمية. وينطلق الفقه الإسلامي في تبريره لتفضيل القرآن للإنفاق من أن المال والرزق هما ملك الله {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} وبالتالي فإن من حقه أن يتحكم بطريقة صرفه.
من جهة أخرى لا يُحرم الإسلام التمتع بالمال في الحياة "الدنيا" انطلاقا من أن المال نعمة من الله. ولهذا يتخذ الإسلام موقفا رافضا للنزعات الرهبانية ولحياة التنسك والزهد والتقشف. كما تنقل لنا السيرة النبوية أحاديث منسوبة لمحمد يدعو فيها أصحابه الى التظاهر بالثروة ومنها مثلا "إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك". ويبدو أن الصحابة لم يقصروا في تلبية هذه الدعوة، خاصة بعد الانقلاب الذي شهدته الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الإسلامي بتأثير الغزوات والفتوحات وما جاءت من به من غنائم الحروب. صحيح أن القرآن يحذر من الإسراف ، ولكن كتب السيرة والتأريخ الإسلامي مليئة بالقصص عن الأموال الطائلة التي جمعها الصحابة والتي انعسكت بشكل واضح في طريقة حياتهم ومأكلهم وملبسهم وزينتهم. وبطبيعة الحال فإن كل ذلك يدعو لطرح التساؤل عن مدى توافق هذه التصورات الدينية مع متطلبات السلوك الاقتصادي العقلاني. وتجدر الإشارة هنا الى أن موضوع تأثير الدين على الاقتصاد ينال اهتماما متزايدا من قبل علماء الاقتصاد والاجتماع. ويعتبر عالم الاجتماع الألماني الشهير ماكس فيبر (1864- 1920) أول من درس العلاقة بين القيم الدينية السائدة في المجتمع من جهة واستعداد هذه المجتمع للانتقال الى نظام اقتصادي متطور من جهة أخرى .ويجب القول بإن حكمه على الإسلام جاء قاسيا . ففي كتابه الموسوعي الأخير "الاقتصاد والمجتمع" يشير ماكس فيبر بحق الى أن كتب التراث الإسلامي تتحدث بنوع من الفخر عن حياة البذخ والفخفخة التي عاشها الصحابة المقربون الى محمد وتعدد زوجاتهم وانغماسهم في التمتع بالجواري. ويرى فيبر أن مثل القيم تتناقض تماما مع ما يدعوه بالمعايير الأخلاقية الاقتصادية البوريتانية والعقيدة البروتستانتية القائمة على مبدأ الزهد والتقشف والتي اعتبرها شرطا لاغني عنه لتطور الرأسمالية. ولهذا يخلص ماكس فيبر الى نتيجة مفادها بأن الإسلام يعتبر عائقا بوجه التنمية. وهي فرضية لا تزال أصداؤها تتردد حتى الان في كل النقاشات حول فرص التنمية في البلدان الإسلامية .
ورغم كل الانتقادات التي توجه لفرضية ماكس فيبر، إلا أن هناك الكثير من الظواهر السائدة في الواقع الاقتصادي في البلدان الإسلامية تؤيد هذه الفرضية. ويتجلى ذلك أيضا في طريقة ممارسة بعض الطقوس والفرائض الدينية التي تقدم أمثلة واضحة على التبذير وتتناقض تماما مع السلوك الاقتصادي العقلاني. ففي شهر رمضان مثلا الذي يفترض ان يكون شهر الصيام والتوفير، يلاحظ العكس، إذ يزداد إنفاق الأسرة المسلمة على الطعام والشراب أضعافا مضاعفة. ومقابل هذا الإسراف في الاستهلاك يُلاحظ تعثر واضح في مجالات الإنتاج نتيجة تقليص ساعات العمل وتعطل المشاريع . ويجد الكثير من الأغنياء في رمضان فرصة للتظاهر بالثراء من خلال تنظيم ما يدعى بموائد الرحمن والتي يحرص المتبرعون بها على أن تكون الأكبر والأطول والأكثر تنوعا في الطعام والشراب. بل وتتنافس بعضها في الدخول إلى موسوعة جينس للأرقام القياسية!!. وفي عيد الأضحى تُذبح في يوم واحد ومكان واحد مئات الآلاف من الأضاحي الأمر الذي يعني استحالة توزيعها على الفقراء ويخلق مشاكل صحية وبيئية خطيرة. وتخوض البلدان والطوائف الإسلامية منافسة "شرسة" في بناء المساجد بأمل الحصول على لقب أكبر مسجد في العالم حيث ينبهر الزوار أمام مظاهر البذخ والأبهة وفي تناقض واضح مع البساطة والتواضع والزهد والتقوى التي تدعو إليها الأديان عادة. كما بدأت هذه الظاهرة بالتفاقم في السنوات الأخيرة في طريقة إحياء الشيعة لمناسباتهم الدينية. ففي عاشوراء تتوقف الحياة تقريبا لأيام عديدة ويجد الكثير من الساسة ورجال الأعمال في هذا المناسبة فرصة للتبرع بسخاء لمواكب الزوار وسط تبذير واضح للطعام والشراب والوقت ولكل الموارد الاقتصادية التي توجد لها حاجة ماسة في مجالات أهم. ومما لا شك فيه فإن القباب المذهبة والتحف الثمينة والسجاد الفاخر وغيرها من مظاهر البذخ في مراقد أئمة الشيعة في العراق وإيران تتعارض تماما مع الفكرة السائدة عن زهد وتقوى الإمام علي وأبنائه في حياتهم.
ويبدو أن كل هذه المظاهر الضارة بالحياة الاقتصادية تجد تبريرها الديني في تشجيع القرآن على الإنفاق وموقفه المتشكك من الادخار والتوفير. ويمكن لمثل هذه النظرة الدينية أن تساهم في إيصال عملية التنمية إلى طريق مسدود.
لا تنمية بدون ادخار
يتخذ القرآن موقفا عدائيا ملفتا للنظر إزاء الادخار. ويتجلى هذا الموقف أولا في تحريم الاكتناز {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. ويقدم القرآن صورة تفصيلية تقشعر لها الأبدان لعذاب المكتنزين. ويربتط هذا الموقف الرافض للاكتناز بالمخاوف من سحب النقود المعدنية من نطاق التداول والأضرار الناتجة عن ذلك على قطاع التجارة المزدهر في صدر الإسلام. من جهة أخرى يتفنن القرآن في ذمه للبخل والتقتير {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}. ومن الواضح أن هذا الموقف ينسحب أيضا على مظاهر الحرص والزهد والتوفير التي يُفترض أنها تعتبر من الفضائل في الحياة الاقتصادية العقلانية.
أما الجانب الأخطر في موقف القرآن من الادخار فيتمثل في موضوع الربا والفائدة والتفسير المتشدد لتحريمهما. ويشير ماكس فيبر في كتابه المذكور بحق إلى أن جميع الأديان تقريبا ، وبما فيها اليهودية والمسيحية، تتفق في ذمها للربا وحث أتباعها على تجنبه ، غير أن رفض القرآن والأحاديث النبوية للربا يعتبر أكثر تشددا وتزمتا، خاصة وأن هذا التحريم عُمم أيضا على الفائدة بكل أشكالها. وإذا كان تحريم الربا قبل 1400 مبررا في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة حينذاك، فإن التمسك بتحريم الفائدة في الوقت الحاضر يضع كل الدعوات لإقامة اقتصاد إسلامي كنظام قائم بحد ذاته أمام اختبار عسير. ويرى ماكس فيبر في تحريم الفائدة مؤشرا على رفض الحداثة، ليس فقط لأن ذلك سيعني إلغاء احدى أهم الآليات التي يقوم عليها اقتصاد السوق ، وإنما أيضا غياب أهم حافز للادخار. ويبدو أن ممثلي الاقتصاد الإسلامي يلاحظون هذه التناقض الصارخ بين الإنفاق والادخار ويحاولون تبريره. ففي كتابه "اقتصادنا" (ص 662) يقر محمد باقر الصدر بأن النظام الرأسمالي، وبعكس الاقتصاد الإسلامي قادر على "إقامة المشاريع الكبيرة عن طريق الاكتناز والادخار وتكوين رؤوس أموال ضخمة نتيجة تجميع المدخرات عن طريق المصارف". وللخروج من هذا المأزق في الاقتصاد الإسلامي يقترح الصدر حلا "اشتراكيا" يتمثل في الاعتماد على الدولة في إقامة "مشاريع الإنتاج الكبرى".
ومع انتشار البنوك الإسلامية لاحقا عاد الاهتمام مجددا الى الحيل الفقهية التي يمكن أن تساعد في الالتفاف على مبدأ تحريم الفائدة. وبدون الدخول في تفاصيل أدوات البنوك الإسلامية فإن من الوضح أن دورها في حشد الموارد المالية يبقى محدودا. ليس المقصود من ذلك إنكار شرعية وجود هذا النوع من البنوك. فطالما يوجد زبائن لا يريدون التعامل بالفائدة، يجب توفير الفرصة لهم لكي يشاركوا بأموالهم في النشاط الاقتصادي. ولكن المشكلة تكمن في الدعوات التي تطلق بين الحين والأخر لفرض منع الفائدة على النظام المصرفي بكامله، هذا إضافة الى تأثيرها الأخلاقي السلبي على المدخرين والذي يؤدي في نهاية المطاف إلى إهدار في الموارد الاقتصادية.
كما تلعب الزكاة دورا سلبيا للغاية في تحجيم الادخار وعرقلة الاستثمار. فهذه الضريبة السنوية لا تفرض على الدخل السنوي وإنما على المال المدخر. وما يفاقم من تأثيرها السلبي هو أنها تتكرر كل عام ما يعني أنها يمكن أن تؤدي على المدى الطويل الى تآكل مصدرها، أي المال المتراكم. ومن الملفت للنظر أن محمد باقر الصدر يرى في كتابه الآنف الذكر "اقتصادنا" (ص 658) في ذلك ميزة للنظام الاقتصادي القائم على الشريعة الإسلامية لأنها باعتقاده ستدفع " جميع الأموال إلى حقول النشاط الاقتصادي وتمارس دورا إيجابيا في الحياة الاقتصادية". غير أن المنطق الاقتصادي يناقض هذه الفرضية لأن تكرر الزكاة سيشجع دافع هذه الضريبة على الإسراع في إنفاق ماله حتى لا يخضع مرة أخرى للزكاة، ولن ينتظر لكي يتراكم هذا المال ويبلغ الحجم اللازم للاستثمار في مشاريع إنتاجية.
وتصب في نفس الاتجاه تعاليم الشريعة حول الإرث والتي تقضي بتوزيع المال الموروث على عدد كبير من الورثة وتؤدي بالتالي إلي تفتيت رأس المال وإعاقة تراكمه.
ويعتبر موقف القرآن المتحفظ على الادخار أحد العوامل الأساسية لعرقلة عملية التراكم التي تعتبر بحسب "ماكس فيبر" شرطا لا غنى عنه للانتقال إلى اقتصاد السوق. لا يمكن الاستنتاج بالطبع بأن التعاليم الاقتصادية للإسلام تتعارض مبدئيا مع النظام الرأسمالي. فإلى جانب الآيات الخاصة بالإنفاق والادخار، يتضمن القرآن أيضا الكثير من القواعد الأخلاقية التي يمكن أن تساعد في بناء حياة اقتصادية سليمة. وفي الواقع العملي نجحت بلدان إسلامية في تقديم تجارب جيدة في التنمية ومنها أندونيسيا وتركيا. ولكن هذان البلدان بالذات تميزا بالابتعاد عن التفسيرات المتزمتة لبعض التعاليم الاقتصادية الواردة في القرآن. وعليه يمكن القول بإن المشكلة تكمن في طريقة تفسير النص المقدس. فالعلاقة بين الدين والاقتصاد تحتاج الى مراجعة مستمرة لكي لا يتحول الدين الى عائق للتنمية. وهذا يشترط إعادة تفسير النص لكل يتلاءم مع متطلبات الحياة الاقتصادية المعاصرة ويحفز أفراد المجتمع على العمل والانضباط والإبداع والابتكار، ولا يستهجن الحياة العصامية والزهد والتوفير.
د. ناجح العبيدي