الحرب والسلام.. وبائعوها... هامش لتجار البطاطا و -جمع الشمل-...

غسان صابور
2016 / 7 / 27

الــحــرب والــســلام.. وبائعوها...
هــامــش لــتجــار الــبــطــاطــا.. و"جمع الشمل"

ما زال بعض تجار البطاطا والسياسة والأمل من السوريين الفيسبوكيين المقيمين بفرنسا, داخل أجنحة فخمة من فنادق الخمسة نجوم, من موالين ومعارضين, وأنصاف موالين ومعارضين.. أو محايدين وأنصاف محايدين.. وحتى من الذين لم يعد يتذكرون اسم قرية مولدهم السورية.. ولكنهم يجتمعون كلهم تحت صيغة " جـمـع الــشـمـل " المرموقة الطنانة.. ليحملوا فقط بطاقة رئاساتها وزعاماتها بمحفظاتهم الجلدية ماركة Hermès.. أينما يتنقلون اليوم, بمحطات الاصطياف ذات الخمسة نجوم وأكثر.. طــبــعــا... للمحافظة على كل علامات الوجاهة والانتفاخ السورية المعتادة...
منهم من يبشر بانتهاء الحرب على الأرض السورية.. وأن مؤتمر جنيف Genève 3 أو 4 أو 5 أو إلى آخــره.. اصبح في الجيب.. ورغباتهم التي رسموها, منذ غادروا السفينة ســوريــا, قد عادت حسب التقديرات.. تقديراتهم.." وكل شــيء تمام يا خالتي "!.......
وتتوارد آلاف اللايكات على تصريحاتهم الفيسبوكية.. غالبا من آلاف الأرامل والثكالى والمحرومين من الماء والكهرباء والمنازل المهدمة, على أرض الوطن ومن تكتلات اللاجئين المحرومين من وطن ومن هواء والغارقين باليأس والحزن والممنوعين من الهواء وكل أمل أو أبسط انواع الهناء... إذ عندما تقرأ لهم على ضوء شمعة مخنوقة باهتة هذه التصاريح الدجلية المنمقة الكاذبة.. لو يستطيعون.. يقبلون أيادي وأرجل ناشريها.. كأنهم بليلة القدر.. يتمنون ويهزجون ويشكرون... ولكن عندما يسمعون صوت الرصاص, والقنابل التي ما زالت تسقط على أحيائهم.. ويرون صور الأطفال التي ما زالت تقطع رقابها على حافة سيارة جنود الزنكي.. يستيقظون من أحلامهم.. وتنفجر آلامهم ضعفا وخوفا وجوعا ورعبا.. من واقع حقيقة ما يرون من فظائع.. وأنه كلا وألف مرة كلا.. أن الحرب ما زالت مستمرة.. قتلا وإجراما ولا إنسانيا.. ألف ألف مرة.. أكثر من بدايات بداياتها.. وأن الواقع والحقيقة.. واقع وحقيقة حـرب آثمة مجرمة لا إنسانية بلا نهاية........
*********
هذه الحرب التي نكبت كلا من العراق وسوريا.. وعديدا من بلاد الشرق الأوسط.. ها هي تنتقل إلى البلدان الأوروبية, بما يتسلل من داعش وأبناء داعش وحلفاء داعش من جنسيات مختلفة.. بين ملايين اللاجئين الذين هجموا باتجاه جميع البلدان الأوروبية.. بأشكال مختلفة الوسائل.. والتي فجرات عشرات الاعتداءات الخطيرة الجماعية والفردية.. بمدن أوروبية مختلفة... والتي سببت مئات الضحايا وألاف الجرحى بمختلف الأخطار.. خلال السنة الماضية وهذه السنة.. بدأت تقلق الحكومات الأوروبية والاتحاد الأوروبي.. من هذه الحرب التي أعلنتها داعش بقلب مدنها الآمنة.. مما دفعها اليوم إلى تغيير سياساتها كليا.. مشددة.. مصعبة.. مضيقة منح الإقامات لهولاء اللاجئين المختلفي الأشكال والأسباب.. حتى لمن يستحقها... مما يعني أن داعش.. مع مزيد الحزن والأسى والرؤية السياسية الحكيمة.. قد كسبت معركتها الإعلامية المنشودة.. وخاصة عندما نرى التشققات والخلافات التي وقعت اليوم بين الأحزاب السياسية وحكوماتها.. وخاصة بين الشعوب الأوروبية وحكوماتها.. لأنها عجزت عن حمايتها.. كما فشلت كليا بإدارة ملف قبولها لملايين اللاجئين بلا حساب.. رغم ضائقاتها الداخلية الاقتصادية والأمنية والاجتماعية... وأنــه بين الضرورة والواقع الإنساني... وما بين آلاف المتسللين " الداعشيين وغيرهم " بين صفوف اللاجئين.. تراكم أخطار إضافية.. تعجز الحكومات الأوروبية عن إيجاد حلول معقولة لها.. غير إغلاق الأبواب وجنزرتها نهائيا بوجه اللاجئين.. وترحيل كل اللاجئين الذين يشكك بنواياهم الاعتدائية الداعشية.. وهذه مشكلة إنسانية عويصة إضافية كبرى.. تعارضها جميع الجمعيات الإنسانية والحقوقية.. وخاصة المسيحية منها.. رغم أنه تم البارحة بإحدى المدن الفرنسية الصغيرة اقتحام كنيسة من شابين من أصول مغربية ولدا بفرنسا من أهالي "مثقفين".. ذبحا كاهن الكنيسة.. واعتدوا بالسكاكين على بعض المصلين.. حتى قتلتهم عناصر الأمن الفرنسية.. ثم فككت كل ما زرعوا من مفجرات حوالي الكنيسة. المدينة اسمها Saint-Etienne – de Rouvray.....
مطران مدينة Rouen, والذي يتبع له كاهن الكنيسة المذبوح ذي الأربعة وثمانين عاما, أعلن من العاصمة البولونية حيث يجتمع مع البابا هناك صرح قائلا ناعيا الكاهن المذبوح غدرا قائلا : الكنيسة الكاثوليكية لا تملك ولا تقبل سوى حمل سلاح الصلاة والتآخي بين البشر.. فقط لا غير...
قــارنــوا يا بشر... يا دعــاة الذبح والقتل.. وكره الآخر!!!...
ورغم إعلان داعش عن إعلان حرب ضد الصليبيين..اينما وجدوا.. ما زال كثير من المترددين المرتجفين.. لا يجرؤون الكتابة عن مقتل هذا الكاهن الفرنسي الكهل.. عن استشهاده.. وعدم استعمال كلمة شهيد Martyr. يا للجبن.. يا للتسامح الغبي.. ويا للتردد الذي يصالح ويسامح الجريمة.

كلي اعتقاد أن هذا الاعتداء الجديد بفرنسا.. سوف يقضي على آخر النداءات الإنسانية التي تدعو إلى عدم التشقق بين الطوائف.. وعلاماته المتعددة التي تزايدت وتفاقمت خلال السنتين الأخيرتين.. وإني على قناعة بضرورة تــحــرك المسؤولين والأنتليحنسيا والأئمة المسلمين, بفرنسا وأوروبا.. بعد صمتهم وترددهم من عشرات السنين... أن يصرخوا ويكتبوا ويــفــتــوا بشكل واضح مفهوم (دون اللف اللغوي والدوران المشرقي) إدانتهم لجميع الاعتداءات الهمجية الوحشية البدائية الإجرامية.. لكل من يعتدي ــ إســلاميا وباسم الإسلام ــ على أي إنسان.. مهما كانت دوافعه ومعتقداته.. أو عدم معتقده.. مؤكدين قبولهم الكامل دون أي استثناء أو تعديل للأنظمة العلمانية الفرنسية والأوروبية... وخاصة اقتلاع كلمة " ظالما " من تعبير وعادة " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما "... والتعاون الكلي مع السلطات المحلية.. لاجتزاز جميع الأخطار التي يفجرها هؤلاء الداعشيون النائمون والمتحركون بأحضان كافة الدول الأوروبية اليوم.. وخاصة بــفــرنــســا.. والتي فتحت أبوابها وصدرها وخزائنها وجنسياتها وتسهيل إقاماتها خلال عشرات السنين الأخيرة.. لملايين تأقلمت وساعدت ببناء وتطور البلد.. كما ملايين أخرى تتقوقع وتنطوي وتتجنزر بشرائع دينية مستوردة من المملكة السعودية الوهابية.. وعاداتها الصحرواية التي تريد خنق وقتل كل حضارة وتطور وإنسانية وفكر وعقل وحكمة.. لكل من يعيش على الأرض الفرنسية الحاضنة...
حــذرا... حذرا... حذرا ألف ألف مرة.. من جديد يا حكام ويا سياسيي هذا البلد الذي لا أغيره لــقــاء الجنة!!!... الحرب.. نعم حرب تنتقل بشكل واضح أكيد... إلى فرنسا وأوروبا.. وجميع مدنها وقراها... بألا يتحول هذا البلد إلى غابة ذئاب داشــرة.. حلولكم وديمقراطيتكم المطاطية لم تعد صالحة الاستعمال... بعد كل مـا يجري من تحديات للعلمانية والديمقراطية والجمهورية.........
*************
عــلـــى الـــهـــامـــش :
ــ كلمات صريحة كالعادة
كلما توجهت إلى مواطنين مسلمين, أعرفهم من سنوات طويلة, يعيشون مثلي بهذا البلد الفرنسي الأمين (والذي فقد أمنه بالسنوات الأخيرة)..كلما سألتهم عن رأيهم عن هذه الاعتداءات الداعشية التي تقع بفرنسا وأوروبا.. يجيبون كلهم بنشاز واحد... وباللغة الفرنسية ايضا.. هذه الجملة التي أصبحت قاعدة جامدة لمنع النقد والانتقاد الإيجابي الصريح : "Pas d’amalgame".. وترجمتها بتصرف (بلا كلام ملغم).. حتى لا يسايروا ويشاركوا جديا بحملة الانتقاد ضد المنظمات الإسلامية الوهابية المتطرفة المسيطرة على غالب الجوامع المتعددة الموجودة بفرنسا.. وحاضنات داعش النائمة.. وكل منتقد يقابل بحملات قضائية باهظة الثمن, يستعملون فيها أكبر المحامين الفرنسيين المحليين ذوي الأجور الخيالية (من أين لك هذا؟؟؟)... بالإضافة إلى الأحكام القضائية بالعنصرية التي تكلف مئات الآلاف كغرامات.. و الأحكام بالسجن.. وهجوم واجهات ووجهاء من جمعيات حقوق الإنسان ضدك لنعتك بــجــرم ضد الإسلام Islamophobie... دون أن ننسى أنه لا توجد أية جمعية إنسانية (أجنبية أو محلية) يسمح لها بأبسط النشاطات الإنسانية بأي بلد عربي أو إســلامي.. وحتى في مصر البلد الذي يدعي التآخي والسلام والتطوير.. ترميم مرحاض معطل بأية كنيسة مسيحية.. يحتاج إلى ترخيص من القصر الجمهوري المصري.. وقد يرفض بعد ثلاثة سنوات انتظار... للمقارنة.. بالخدمات والتسهيلات والجنسيات والمساعدات المالية وبناء الجوامع والمدارس والمؤسسات الإسلامية التي تمنح للجاليات الإسلامية.. كجميع المواطنين الفرنسيين.. دون تحريك أية فاصلة استثناء.. بالإضافة إلى التغاضي عن جميع المخالفات (المطاطة) التي تتظاهر ضد القوانين الفرنسية.. من هذه الجاليات.. كالحجاب.. وإغلاق بعض الشوارع العامة بباريس وليون ومرسيليا.. لإقامة الصلاة... بهذا البلد الذي نــشــر العلمانية وفصل الدين عن الدولة.. نهائيا.. راديكاليا.. مــبــدأيــا.. من بداية القرن الماضي... وهذه الجاليات التي تتبنى وتصرح وتخالف "ألا قانون فوق شــريعة الله والإسلام!!!"............
ما الحل؟؟؟.. ما الحلول اليوم؟؟؟.. والمشكلات تتكاثر وتتفجر وتتفاقم وتتوسع.. من مدينة لمدينة.. ومن قرية لقرية.. ومن مدرسة لمدرسة.. ومن جامعة لجامعة.. ومن دائرة ومؤسسة حكومية أو خاصة لمؤسسة ودائرة حكومية أو خاصة.. وخاصة حتى للمستشفيات.. حيث يستحيل لطبيب إسعاف.. إسعاف امرأة مسلمة محجبة أو منقبة... يعني الخطر على قوانين فرنسا العلمانية.. بدأ يتظاهر ويتفاقم ويتوسع.. دون أن يتحرك أي مسؤول لدرء هذا الخطر... ما الأسباب؟؟؟... ما المانع؟؟؟ العقود التجارية مع المملكة الوهابية وقطر وغيرها من بلاد الإسلام والبترول..؟؟؟ تــســاؤل مشروع.. يتكرر.. ويتكرر.. و يبقى بلا أي جــواب...
عــقــدة الــعــقــد... ومشكلات اجتماعية بتفاقم مستمر......
لم أكن أتصور يوما أن هذا البلد الفرنسي الذي لجأت إليه واخترته وطنا أبديا لعائلتي ولأولادي وأحفادي وأحفاد أحفادي.. يمكن أن يــخــســر معركة العلمانية.. والتي اخترته من أجلها...
بــــالانــــتــــظــــار...
للقارئات والقراء الأحبة الأكارم.. هـــنـــاك وهـــنـــا.. وبكل مكان بالعالم يعتنق العلمانية وحرية الإنسان والمساواة الكاملة بين المرأة والرجل.. كل مودتي ومحبتي وصداقتي واحترامي ووفائي وولائي.. وأصدق وأطيب تحية إنسانية مهذبة.
غـسـان صــابــور ـــ لـيـون فــرنــســا