وماذا بعد الانتصار والتحرير ..؟ الحلقة الرابعة - النهج الاستبدادي والطائفي لرئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي

كاظم حبيب
2016 / 7 / 26

إذا كان العراق قد عرف بشخص صدام حسين شخصية قومية شوفينيةً متطرفةً، ودكتاتوراً رعديداً شرساً وعدواً للحياة الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية والسلام، فأن العراق قد عرف بشخص نوري المالكي شخصية إسلاميةً طائفيةً شيعيةً متطرفةً ومهووسةً بالعداء لأتباع المذهب السني والكرد في آن، ومستبداً شرساً وعدواً فعلياً للمجتمع المدني الديمقراطي والعلمانية والعدالة الاجتماعية والسلم الاجتماعي ولهوية المواطنة الحرة والمتساوية والمشتركة. إنه طائفي متطرف بامتياز لا يمكن التفكير بإصلاحه، فالإيديولوجية الدينية المتلبسة فيه والطائفية الشيعية السياسية المُحملة بالعداء المتطرف لأتباع المذهب السني التي يدين بها، وكأنهم هم الذين قتلوا الحسين وصحبه وسبوا النساء في العام 50 للهجرة. لا يمكن انتزاعها من عقليته المشوهة. فهو الذي خطب بكربلاء وقال: الذين قتلوا الحسين لم ينتهوا بعد، ها هم اليوم موجودين، والحسين باللون الآخر لا يزال موجوداً وهو الذي يستهدف من هؤلاء الطغاة.. المعركة ضد الحسين لم تنته...، بل المعركة لا زالت مستمرة بين أنصار الحسين ويزيد...". وكان هذا نداء استثنائي هستيري خطير يحمل معه دعوة الكراهية والحقد، دعوة إلى المزيد من الصراع والنزاع وسيل من الدماء بين الأوساط الشيعية والسنية.
إن مجرى الأحداث بالعراق خلال فترة حكم نوري المالكي تؤكد، إَضافة إلى تجاوزاته الفظة على الدستور العراقي، وانفراده بالسلطة وفي اتخاذ القرارات، وهيمنته على الهيئات المستقلة المرتبطة دستوريا بمجلس النواب، والتوسع المفرط بهدر المال العام والفساد والإفساد، وتفاقم الإرهاب والقتل الجماعي، والانفلات الأمني واتساع ظاهرة الاختطاف والاغتيالات، وممارسة التمييز ضد أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، وإشاعة الكراهية والأحقاد في صفوف المجتمع والتشبث بالسلطة بغض النظر عن العواقب المدمرة للعراق، والخضوع التام لقرارات ومواقف السلطة والسياسة الإيرانية، وبخاصة للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية بإيران، فأنه مارس بإصرار وتصميم مسبق سياسات مدمرة في أربعة أحداث كبرى، أدت إلى ما هو عليه العراق في الوقت الحاضر، والتي ألخصها فيما يلي: "
الحدث الأول: الموقف من الحركة الاحتجاجية المدنية
نهضت بالعراق في أوائل العام 2011، وبالاقتران مع ما أطلق عليه بالربيع العربي، حركة مظاهرات مدنية سلمية كثيرة تطالب بمكافحة الإرهاب والتصدي للقوى الإرهابية ومكافحة الفساد المالي ونهب النفط الخام المتفاقم، وتأمين الخدمات العامة والأساسية كالكهرباء والماء والصحة والتعليم، ومكافحة البطالة والفقر المتفاقم، رغم ضخامة الموارد المالية للنفط الخام المصدر سنوياً، والمطالبة بتوجيه استثمارات مالية صوب التنمية الإنتاجية لتقليص استيرادات العراق وتوفير فرص عمل للعاطلين. وكان السخط على سياسة الحكومة متنامياً، فخشى المستبد بأمره، على موقعه في السلطة، فقرر ضرب المظاهرات بكل السبل غير المشروعة، بما في ذلك تشويه سمعة المتظاهرين واتهامهم بالبعثية وخدمة الدول المجاورة، ويقصد بذلك السعودية ودول الخليج، وقطَّع أوصال بغداد بالقوات العراقية والحواجز الكونكريتية لمنع وصول المتظاهرين إلى ساحة التحرير، ثم بدأ بالاعتقالات والتعذيب والتهديد بالقتل، ووقع القتل فعلاً بمتظاهرين في أنحاء من العراق وبغداد، إضافة إلى اغتيالات واعتقال نشطاء وصحفيين مشاركين في الحركة المدنية. وقاد كل ذلك إلى ضرب الحركة المدنية وإيقافها مؤقتاً لتجنب المزيد من القتل والاغتيال والاعتقال والتعذيب. وكان في ذلك تجاوزاً فظاً على واحد من أهم حقوق المواطنات والمواطنين، حق الاحتجاج والتظاهر والاعتصام والإضراب والتجمع لإعلان موقف الجماهير من سياسات الحكومة وطرح مطالب الشعب في الشارع. وقد جسد هذا الموقف الرؤية الاستبدادية لرئيس السلطة التنفيذية من المطالب، ولكنه وتحت الضغط العام أوعد بمعالجة المشكلات خلال مئة يوم، ولكنه لم يفِ بوعوده ولم ينفذ أياً منها، وزاد عليها في غيه وفي مواجهة مطالب الشعب بالنار والحديد. ولا بد هنا من الإشارة إلى إن المشكلة لا تكمن في رئيس الوزراء السابق، رغم دوره القيادي في هذا الصدد، فحسب، بل وبالأساس في وجود الأحزاب الإسلامية السياسية في السلطة، وفي قيادة تحالف الأحزاب الإسلامية السياسية وبيتها الشيعي لسلطة الدولة بالعراق، والتي أجازت لمثل هذه السياسات وسكتت عنها، بل وأيدت رئيس الوزراء المستبد بأمره، في ما عدا موقف مقتدى الصدر وجماعته.
الحدث الثاني: الموقف من مظاهرات واعتصامات الفلوجة
احتجت جماهير واسعة من أبناء محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى ضد سياسات التهميش والإقصاء الفعلية والاعتقال الكيفي التي تعاني منها، وأحياناً بالمساومة مع بعض قادة الأحزاب الإسلامية السياسية السنية أو القومية الشوفينية. وكانت الجماهير تطالب بصواب بمجموعة من المطالب العادلة والمشروعة، بما في ذلك المطالبة بإطلاق سراح عشرات الآلاف من المعتقلين الأبرياء من أبناء هذه المحافظات ومن بغداد، الذين اعتقلوا بتهم زائفة بتقارير من المخبرين السريين، وبقاء المعتقلين دون تحقيق أو محاكمة لسنوات عديدة، إضافة إلى تعريضهم للتعذيب الوحشي. كما تبلورت المطالب بعدم تهميشهم سياسياً وإشراكهم الفعلي في السلطة وفي اتخاذ القرارات المصيرية، وفي تحسين أوضاع محافظاتهم، ومكافحة البطالة والفساد والاعتقال الكيفي، وتوفير الخدمات الأساسية. وحين لم تستجب الحكومة إلى مطالب السكان قرروا التظاهر والاعتصام في الفلوجة، التي أصبحت مركزاً لمقاومة سياسات الحكومة الاتحادية.
وتحت ضغط بعض القوى السياسية والرأي العام العربي والعالمي، أجبر المالكي على تشكيل وفد للتفاوض مع المعتصمين، واتفقوا ابتداءً على تحقيق عدد من المطالب. إلا إن المالكي رفض الاستجابة إلى تلك المطالب أيضاً، أعطى الأوامر بفك الاعتصام بالقوة العسكرية ومهما كان الثمن. وقد قاد هذا الموقف الاستبدادي غير المسؤول والأرعن إلى قتل العشرات من المواطنين المحتجين المعتصمين وإنهاء الاعتصام بالقوة والعنف العسكري. فسح هذا الموقف العدائي ضد المعتصمين إلى تنامي الغضب والإحباط في صفوف سكان محافظة الأنبار وصلاح الدين، وإلى الاقتناع بعدم جدوى المطالبة السلمية في الحصول على أي مطلب من حكومة نوري المالكي، مما سهل تغلغل الدواعش بين الجماهير المحتجة وتصعيد الحركة المطلبية باتجاه العنف، وساعد ذلك على هيمنة الدواعش فعلياً ومنذ العام 2013 على الحركة الشعبية في الفلوجة بشكل خاص وقادتها، وفقدت بذلك الحكومة الاتحادية أي تأثير على المنطقة الغربية. فبدأت باتخاذ إجراءات ارتجالية واعتباطية ضد بعض قادة الأحزاب الإسلامية السنية، الذي لا يختلف عن المالكي في طائفيته، ولكنها قادت، وفي تلك الظروف، إلى تأجيج الوضع المتوتر أصلاً وصب المزيد من الزيت على النار المشتعلة. وفي هذا أيضاً لا يتحمل نوري المالكي وحده مسؤولية ما وقع في الفلوجة والأنبار وصلاح الدين فحسب، رغم دوره القيادي والريادي في كل ذلك، بل يتحمله حزب الدعوة الإسلامية ومعه التحالف الشيعي القائد للسلطة السياسية. وعلينا هنا الإشارة على أن جماعة التيار الصدري كانت ضد سياسة نوري المالكي ووجهته في التصعيد ومحاولة حل المشكلة بقوة السلاح والعنجهية. كما أن قوى التيار الديمقراطي قد تصدت لهذه السياسة وفضحتها ورفضت ممارسة القوة في حل المعضلات الداخلية، ولكن لم تكن هناك أذناً صاغية من جانب رئيس الحكومة وحزب الدعوة.
الحدث الثالث: غزو الموصل واحتلال نينوى
تعرضت الموصل لحالة من الغزو الشيعي لها الذي تجلى في قوام القوات المسلحة المعسكرة هناك والضباط والقادة العسكريين فيها، وممارسة سلوكية غير إنسانية ومناهضة لأتباع المذهب السني ولكرامتهم، وانتشار ظاهرة الفساد في المحافظة وفي صفوف المسؤولين المدنيين والعسكريين من جهة، ووجود إدارة طائفية سنية تقود المحافظة باتجاه مناوئ للحكومة الاتحادية وسياساتها الطائفية المقيتة من جهة أخرى. وكانت جماهير الموصل، التي كانت تعاني من هذه الأوضاع، تذل وتطعن يومياً من جانب الحكومة الاتحادية. وكانت هناك خلايا نشطة وكثيرة لداعش بالموصل تنتظر اللحظة المناسبة. وفعلاً توجهت قوة قليلة من الدواعش من الحدود السورية باتجاه الهيمنة على بعض المناطق الحدودية العراقية بالموصل. وحين لم تجد المقاومة الفعلية، توغلت في عمق الموصل واحتلت المدينة وسيطرت على معسكرات القوات المسلحة العراقية وما فيها من أسلحة وعتاد ومعدات وأموال وبمساعدة الجماعات التابعة لها والمعششة بالموصل.
إن الكثير من الدلائل المتوفرة تشير إلى إن الأوامر قد صدرت من جانب رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة العراقية لهم بالانسحاب أمام غزو داعش، بعد أن كان هؤلاء القادة العسكريون المسؤولون قد اتصلوا به وأعطوه لوحة عن بداية الغزو الداعشي. وقد أدى قرار الانسحاب إلى قوع كوارث وجرائم إبادة جماعية بحق السكان المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان وجمهرة من السنة والشيعة أيضاً، إضافة إلى حصول مجزرة معسكر سبايكر.
الحدث الرابع: موقف نوري المالكي من المسألة الكردية
من المعروف عن قوى الإسلام السياسي والقوى القومية الشوفينية إنها ترفض الاعتراف بالحقوق القومية للقوميات الأخرى بالدول ذات الأكثرية الإسلامية أو الدول العربية، بذريعة أن الإسلام أمة واحدة ولا يعتمد على القوميات من جهة، وأن العرب هم الذين يشكلون القومية الكبرى وما على القوميات الأخرى إلا الانصهار بها أو القبول بعدم اعتراف العرب لهم بحق تقرير المصير. وفي الحالة العراقية اضطر حزب البعث على الاعتراف بالحكم الذاتي في العام 1970 تحت ظروف استثنائية، ثم سرعان ما انقلب على الحكم الذاتي بإقليم كردستان العراق وتأمر ضد الحكومة والحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم، وخاض الحروب ضد الشعب الكردي لإخضاعه لهيمنة البعث، ولكنه عجز عن ذلك.
وفي حالة الإسلام السياسي الشيعي بالعراق، فقد اعترفت أغلب الأحزاب الإسلامية الشيعية بإقامة الحكم الفيدرالي بكردستان أثناء فترة المعارضة، إذ كانت الفيدرالية قائمة فعلاً ف فترة حكم البعث بالعراق، ووافقوا في ظل وجود قوى الاحتلال أن يكرس ذلك في الدستور العراقي. ولكنهم رفضوا جميعاً الاعتراف بحق تقرير المصير وتثبيت ذلك في الدستور. وهو موقف شوفيني صارخ. ومع وصول قيادة حزب الدعوة إلى قيادة السلطة الاتحادية حتى انقلب نوري المالكي على العلاقة مع الإقليم وعلى الفيدرالية من حيث الجوهر ومارس ذلك بطرق وأساليب ملتوية، مما أدى إلى تدهور سريع في العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. لقد برزت مشكلات عديدة منها عدم تنفيذ بنود المادة 142 الخاصة بإجراء الإحصاء وتنظيم الاستفتاء في محافظة كركوك من أجل إجراء الاستفتاء بكركوك حول علاقتها بالإقليم والدولة الاتحادية، وكذلك حل المشكلات الأخرى الخاصة بـ"المناطق المتنازع عليها"، وتفاقم الخلاف بشأن النفط الخام وإنتاجه وتصديره في إقليم كردستان، والذي برز فيه تجاوز على نص الدستور العراقي من جانب الإقليم، وكذلك بروز الخلاف حول رواتب البيشمركة باعتبارهم جزءاً من القوات المسلحة العراقية ...الخ. كما إن الدستور العراقي حمل مواداً هي حمالة أوجه من جهة، كما لم يضع المشرع القوانين الضرورية التي تنظم العلاقة والصلاحيات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، مما قاد إلى تفاقم الخلافات وتدهور العلاقات بين الطرفين بسبب رغبة كل طرف في الحصول على أقصى الصلاحيات في إدارة الإقليم وممارستها فعلاً، بينما تسعى الحكومة الاتحادية إلى توسيع صلاحياتها للرقابة على الإقليم وموارده النفطية. ولم تكن الأخطاء من طرف واحد، بل من الطرفين، ولكن المسؤولية الأساسية برزت في الطرف العراقي الاتحادي أولاً، مع واقع أن الإقليم حاول ممارسة الاستقلال الفعلي عن العراق، وكأنه ليس جزءاً من الدولة العراقية، على وفق ما تضمنه الدستور العراقي الحالي. والمشكلة الأكثر خطورة هي رفض الحكومة الاتحادية حق الكرد في تقرير مصيرهم، سواء أكان ضمن الدولة العراقية أم الاستقلال عنها. وهي المشكلة المركزية في هذه العلاقة المتوترة.
في مثل هذه الظروف المعقدة والمتشابكة والمليئة بالصراعات الطائفية على السلطة في ما بين القوى الإسلامية السياسية، إضافة إلى الصراع المحتدم بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، وبدعم إقليمي واسع النطاق، تسنى لتنظيم داعش اختراق الحدود العراقية من بوابة الموصل بسهولة والسيطرة على المدينة، وعلى المعسكرات ومخازن الأسلحة والعتاد والمعدات بكميات هائلة، وعلى الأموال والتصرف بها ضد شعب العراق.
ومن الواجب هنا أن نشير إلى أن محافظ نينوى أثيل عبد العزيز النجيفي، وهو شقيق أسامة النجيفي رئيس مجلس النواب العراقي السابق، كان معروفاً بكونه من البعثيين ومن الذين تعاون على نطاق واسع مع الخلايا الداعشية التي كانت تعمل علناً بالموصل وتفرض على أصحاب المحلات والأغنياء بنينوى، وخاصة بالموصل، دفع الإتاوات مقابل عدم قتلهم أو تهجريهم أو تفجير محلاتهم. وتؤكد الكثير من المصادر إلى واقع وجود مثل هذه العلاقة بين محافظ نينوى ومجلس محافظة نينوى وجمهرة من المسؤولين بالموصل مع الجماعات الإرهابية السنية وقوى البعث المتنفذة.
ووجود مثل هذه الخلايا المتنفذة في الإدارة والمجتمع والاقتصاد بنينوى ساعد على تسهيل مهمة عصابات داعش الإجرامية في اقتحام الموصل، وبما لديها من معلومات للسيطرة على المناطق الحساسة وعلى الأموال المتوفرة في البنوك والقاصات الحكومية. وبالتالي، فلا بد من تشكيل لجنة تحقيق حيادية تأخذ على عاتقها دراسة كل التهم الموجهة لهذه القوى والعناصر بالموصل ومحاسبتها على التهم الموجهة لها، وبشكل خاص لمحافظ نينوى، لينالوا الجزاء العادل إن كانوا مجرمين حقاً.