وماذا بعد الانتصار والتحرير بالعراق...؟ الحلقتان الثانية والثالثة

كاظم حبيب
2016 / 7 / 25

الحلقة الثانية
كيف استطاع داعش غزو العراق؟
• كيف استطاع تنظيم داعش الإرهابي غزو العراق والهيمنة على عدد من محافظاته ومدنها الكبيرة، والغدر بأجزاء كبيرة من شعب العراق؟
حين أَسقَطَ التحالف الدولي، خارج إطار الشرعية الدولية، النظام الدكتاتوري البعثي، الفاشي سياسياً، وحين تولت الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها سلطة الاحتلال العسكري والمدني بقرار جائر من مجلس الأمن الدولي، إدارة البلاد، فسحت في المجال بتصميم مسبق الصنع على حصول الكوارث التالية:
أ‌) فوضى عارمة شملت كل أنحاء البلاد، عدا إقليم كردستان، وخاصة في العاصمة بغداد، فانتشرت عصابات النهب والسلب والقتل والسطو لا على دور المسؤولين السابقين بالدولة العراقية فحسب، بل وعلى مرافق الدولة ومؤسساتها ووزاراتها وبنوكها ومؤسساتها التأمينية، عدا وزارة النفط، لارتباطها بالمصالح الأمريكية البترولية بالعراق مباشرة والتي كانت الحرب أهم أهدافها، ومتاحفها وأثارها الحضارية القديمة والفريدة. لقد فسحت الإدارة الأمريكية بتصميم مسبق للبداوة والتخلف والقيم البالية أن تعود إلى العراق وبزخم شديد. وقد أطلقت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في حكومة جورج دبليو بوش، كونداليزا رايس، على تلك الحالة بالفوضى الخلاقة، لأنها كانت السبيل لتحقيق أشرس وأهم أهداف دولة الاحتلال الأولى!
ب‌) دخول عناصر وجماعات مسلحة وجواسيس لدول مجاورة إلى العراق، وخاصة من إيران والسعودية، وكذلك تلك الجماعات التي وجدت الدعم والتأييد من تركيا ودول الخليج وسوريا، ونسجت خيوط التعاون والعمل المشترك مع الأحزاب الإسلامية السياسية السنية والقومية المتطرفة.
ت‌) كما تسنى للتنظيمات الإرهابية الدولية، مثل القاعدة وتنظيمات أخرى مماثلة، أن تجد موقعاً مهماً لها بالعراق وأرضية صالحة لعملها الإرهابي، بدعوى محاربة قوى الاحتلال الأمريكي – البريطاني – الدولي. لقد تُركت حدود العراق مفتوحة بالكامل أمام الإرهابين من مختلف الجماعات المسلحة، بموقف واضح ومسبق الصنع من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، سواء أكان ذلك إزاء الحدود مع تركيا والسعودية ودول الخليج، أم إزاء الحدود مع إيران وسوريا وحزب الله بلبنان وغيرها.
ث‌) وكان قرار الإدارة الأمريكية بحل الجيش العراقي وبقية صنوف القوات المسلحة قد وفر الفرصة المناسبة لكل القوى الداخلية والخارجية والمليشيات المسلحة أن تكسب لصفوفها الكثير من ضباط وأفراد القوات المسلحة العراقية أولاً، وأن تسيطر على ترسانات الأسلحة للقوات المسلحة العراقية ثانياً. ولم يكن هذا القرار عفوياً ومن عنديات بول بريمر، بل كان القرار مدروساً من جانب الإدارة الأمريكية ومراكز صنع واتخاذ القرار بالولايات المتحدة، ومقرراً حتى قبل غزو العراق وإسقاط الدكتاتورية، ومن ثم فرض الاحتلال على البلاد رسمياً وبقرار مجحف من جانب مجلس الأمن الدولي، وهو جزء من استراتيجية الولايات المتحدة إزاء العراق والمنطقة.
ج‌) بروز ميليشيات طائفية مسلحة تابعة لأحزاب إسلامية سياسية شيعية كانت حليفة لقوى التحالف الدولي، وخاصة للولايات المتحدة الأمريكية، إذ استطاعت هذه الميليشيات، مع حل القوات المسلحة العراقية، نهب أسلحة الدولة العراقية وعتادها الكثير وتهريبه إلى الدول المجاورة أو الاحتفاظ به واستخدامه أو المتاجرة الداخلية به. وقد تم تشكيل وتسليح ودعم هذه المليشيات من قبل قيادة الدولة الإيرانية وحرسها الثوري وبعض القوى الشيعية في دول الخليج، إضافة على حزب الله بلبنان.
ح‌) لكن القرار الأخطر الذي أصدرته ونفذته الإدارة الأمريكية تجلى في فرض النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية على الشعب العراقي لدق أسفين الصراع بين الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية منها والسنية، ثم نقل هذا الصراع إلى القاعدة الشعبية والشارع العراقي، وكذلك أشراك الكرد في هذه المحاصصة ليكون العراق شيعياً- سنياً- كردياً، متصارعاً وغير مستقر، وبهذا اسقطت الشعب والبلاد في الهويات الفرعية القاتلة، وابعدته كلية عن هوية المواطنة الحرة والمتساوية والمشتركة. أي جعل الهويات الفرعية هي الفاعلة، وهي المُفتِتة فعلياً للوحدة الوطنية ولمبدأ وروح المواطنة بشكل خاص.
خ‌) ولم تكتف قوى الاحتلال بذلك بل عمدت إلى تسهيل عمليات النهب والسلب ونشر الفساد المالي والإداري داخل الدولة وسلطاتها الثلاث وفي المجتمع، والذي تحول تدريجاً إلى نظام سائد بالبلاد ولم يعد ظواهر متفرقة هنا وهناك. كما ساعدت بشكل مدروس على نهب المتاحف العراقية وما فيها من تراث حضاري أصيل وفريد لبلاد ما بين النهرين!
 ---
الحلقة الثالثة
أوضاع المجتمع بعد سقوط الدكتاتورية البعثية
لقد كان المجتمع العراقي مؤهلاً لقبول كل تلك المظاهر السلبية وعدم مقاومته لها، بل كان على استعداد للانجرار معها وتشديدها والغوص معها في عمق المستنقع الجديد. إنها نتيجة منطقية لمجمل الأوضاع التي مرَّ بها المجتمع خلال أكثر من خمسة عقود، والتي تجلت في سيادة الدكتاتوريات القومية والبعثية الشوفينية والعنصرية وممارسة أقصى أنواع الإرهاب الحكومي وخوض الحروب الداخلية والخارجية، وفرض الحصار الاقتصادي الدولي الطويل الأمد وما اقترن به من مجاعات فعلية وفقر مدقع وفاقة فكرية وجهل مريع وغوص المجتمع في متاهات الدين المسطح المشوه لعقول الناس واستمرار ذلك لعقود عديدة، بحيث انهارت الكثير من القيم والمعايير الإنسانية النبيلة التي كان المجتمع يتمسك بها ويمارسها قبل ذاك.
من هنا يمكن تأشير خمس قضايا جوهرية هيمنت على المجتمع طوال السنوات التي أعقبت إسقاط الدكتاتورية البعثية الصدامية وميزت الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية والعلاقات الدولية، وأعني بها:
1. نظام سياسي طائفي وأثني سائد بقيادة الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية وبمشاركة الأحزاب الإسلامية السنية والتحالف الكردستاني، يعتمد المحاصصة في توزيع السلطات الثلاث عملياً، وفي ذات الوقت تخوض قواه الحاكمة الصراع الدموي على الموقع الأساس في السلطة والمال والنفوذ والتأثير الاجتماعي.
2. سيادة ظاهرة الفساد بحيث أصبحت السمة المركزية التي تميز الدولة والمجتمع وعموم الوضع بالعراق بعد ظاهرة الطائفية السياسية ومحاصصاتها المخلة.
3. سيادة الإرهاب الدموي الذي تخوضه المنظمات الإسلامية السياسية السنية منها والشيعية ضد بعضها، وتسببها في موت عشرات الآلاف من الناس الأبرياء سنوياً، وانتقال الصراع والنزاع إلى القاعدة الجماهيرية.
4. عدم استقلالية النظام السياسي العراقي وخضوع القوى الحاكمة فيه لإرادات خارجية، سواء أكانت إيران بشكل خاص، أم للسعودية وتركيا ودول الخليج، وبهذا جعلت العراق ساحة فعلية للصراع الإقليمي والدولي وعواقبه الوخيمة على الدولة والمجتمع ومستقبل الشعب والبلاد.
5. وجود احتلال لجزء من أرضه وشعبه من جهة، ووجود عمليات إرهابية واسعة ومستمرة ضد أبناء وبنات الشعب من جهة أخرى، وحرب طاحنة لتحرير أرض وشعب العراق من المحتلين الأوباش من جهة ثالثة.
إن هذه الظواهر هي وليدة منطقية للاحتلال الأمريكي للعراق ودوره في إقامة النظام السياسي بالعراق، كما إن الإرهاب والفساد هما وجهان لعملة واحدة، أحدهما يشترط الآخر ويستكمله ويغذيه ويحافظ على ديمومته ويستمد قوته من طبيعة النظام السياسي وسياساته المناهضة لمصالح الشعب العراقي.
هذا الواقع العراقي أنتج وضعاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وبيئياً وثقافياً وتعليميا رثاً، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من مضامين، وعلاقات اجتماعية وإنسانية رثة، كما أنتج بدوره فئة اجتماعية رثة تقف على رأس النظام وتقوده وتنشر الرثاثة والعفونة في سائر نواحي الحياة العراقية وتعمل على ديمومة هذه الرثاثة واستفحالها. وهي التي تسببت وما تزال تتسبب في كل ما يعانيه الشعب العراقي منذ سقوط الدكتاتورية البعثية وإقامة الاستبداد السياسي الطائفي الأثني بالبلاد حتى الآن.
لقد جرى توزيع السلطات على النحو التالي: السلطات الثلاث تكون القيادة بيد الشيعة ثم يأتي الكرد والسنة. وأعطي للتحالف الكردستاني رئاسة الجمهورية، ولتحالف الأحزاب السنية رئاسة مجلس النواب، ولتحالف الأحزاب الشيعية رئاسة السلطة التنفيذية. كما وضع الدستور العراقي كل السلطات التنفيذية بيد رئيس الوزراء، وحرم رئيس الجمهورية من أي سلطة فعلية، سوى التوقيع على ما يقرره مجلس الوزراء ومجلس النواب عملياً. وهذا التوزيع للسلطات والمسؤوليات لا ينسجم بل يتناقض مع مضمون الدستور العراقي وبنوده ومع أسس المجتمع المدني الديمقراطي.
وهكذا تمكن رئيس الوزراء من التحالف الشيعي أن ينفذ سياسية طائفية ضد القوى السنية والكردية، وتجلت في تعزيز مواقع الأحزاب والقوى الشيعية في وزارة الخارجية والداخلية والأمن الداخلي والتعليم، إضافة إلى الهيمنة على الهيئات المستقلة رغم كونها غير مرتبطة برئيس الوزراء بل بمجلس النواب وتهميش دور الجماعات الأخرى في مجلس الوزراء. وإذ بدأت هذه السياسة الطائفية المتشددة في فترة حكم إبراهيم الجعفري، فإنها تفاقمت وتكرست في فترة حكم نوري المالكي الأولى (2006-2009)، ثم اشتدت بما لا يقاس في الدورة الثانية من حكمه 2010 حتى إزاحته عن السلطة في صيف العام 2014. وفي هذه الفترة تجلت بالعراق المأساة والمهزلة في آن واحد، بفعل السياسات الطائفية المتطرفة التي مارسها نوري المالكي وقاد البلاد إلى الحضيض الذي هو فيه الآن. فما هي السياسات التي مارسها نوري المالكي والتي جعلت من العراق مستنقعاً طائفياً نتناً، وارضية أكثر خصوبة للصراعات والنزاعات الطائفية والقومية، وفسحت في المجال لغزو العراق في الفلوجة قبل غزو متوحشو داعش للموصل؟
 ---