تركيا .. مَنْ إنقلب على مَنْ (2)

جعفر المظفر
2016 / 7 / 24

تركيا .. من إنقلب على من (2)
جعفر المظفر
دون النظر إلى خصوصية الحالة فإن الوقوع في مطب التعويم يصبح واردا. لا ضير من الإحتكام إلى المعايير الإنسانية في تأسيس حكم نهائي على حالة ما, لكن تجريد الحالة من خصوصياتها سوف يسلبنا القدرة على تشخيصها بشكل سليم, وربما يقودنا ذلك ذلك إلى تكوين أراء وأحكام تبدو من الناحية الإنسانية العامة صحيحة لكنها من الناحية الموضوعية خاطئة ومربكة. فيما يتعلق بالحكم على الحدث التركي لم يكن صعبا على العديد من التعويميين أن يذهبوا فورا للحكم عليه وكأنه محاولة للإرتداد على الديمقراطية. رؤية أردوغان ببدلته المدنية أمام قادة (الإنقلاب) ببدلاتهم العسكرية. رؤية عشرات الآلاف من المدنيين الأتراك وهم يقطعون الطريق على دبابات (الإنقلابيين) سوف يجعل المرء موقنا بأن الأمر ليس أكثر من إنقلاب عسكري ضد حكم مدني ديمقراطي.
ولقد نشرت مقالتين تبينان رأي في ما يحدث الآن في تركيا, تطرقت في الثانية منها إلى ضرورة إستيعاب الفرق في معنى الإنقلاب العسكري في تركيا عنه في بلداننا, لأن الجيش التركي مخول شرعا بحماية الدولة العلمانية الأتاتوركية. الإنقلاب إذن ليس إبن يومه, فهو حاصل مسبقا ومتأسس على حقيقة التناقض ما بين هوية الحكام الجدد كونهم إسلاميون سياسيون محميون بقوة الصندوق الإنتخابي وبين الدولة العلمانية العميقة المحمية أساسا بقوة الدستور.
هذا الواقع المُخْتَل ما بين الكيان التركي العلماني وبين سلطة إسلاموية منتخبة ومُقدر لها أن تدخل آن عاجلا أو آجلا في ساحة المواجهة مع الهوية العلمانية للدولة المفترضة, هو الذي يشكل اساسيات الصراع. أما طبيعة ما حصل وما سيحصل لاحقا فهو في مختلف تجلياته صورا للتعبير عن مشهد التناقض الأساسي الكائن ما بين الهوية العلمانية للدولة التركية المحمية (بقوة الدستور) والسلطة السياسية الإسلاموية (المنتخبة شعبيا) لقيادة دولة متوافقة معها على السطح ومتخاصمة معها في المضمون ..
الخلل إذن جوهري ومركب وتمثله حالة إنسجام مفتعل مضغوط ما بين الدولة العلمانية وما بين النظام الإسلاموي الذي يقودها في منهج مراوغ إعتمد وضع المنجز الإقتصادي الأردوغاني كنقيض للمنجز السياسي والإجتماعي والثقافي الأتاتوركي.
لا شك أن الصندوق الإنتخابي لم يكن بريئا من ذنب تصنيع هذه الإشكالية المتأسسة على التناقض ما بين الدولة العميقة وهويتها العلمانية المكفولة بقوة الدستور والمناطة حمايتها بالمؤسسة العسكرية من جهة وبين السلطة الأردوغانية الإسلاموية المتخاصمة والمتناقضة أصلا مع هذه الدولة التي أنتخبت أصلا لقيادتها. الديمقراطية التركية سهلت عملية الإلتفاف على الدولة حينما سمحت لحزب إسلاموي تتناقض عقيدته مع عقيدة الدولة التي قدر له بعد ذلك أن ينتخب ديمقراطيا لقيادتها.
ويتحمل الجيش التركي هنا جزءا كبيرا من الذنب حينما لم يمارس دوره في إخماد هذه (الفتنة الديمقراطية) من خلال تلكئه عن الدخول على خط حسم هذا التداخل التناقضي منذ بداية تكونه إذ كان من حقه قانونيا أن يمنع منذ البداية تأسيس حزب إسلاموي نقيض للدولة العلمانية المكلف بحمايتها.
لقد وضعت هذه الأطراف, ومنها الجيش بطبيعة الحال, الديمقراطية في مساحة الخصومة مع الدولة التي كان مفترضا أن تعمل على تطويرها من داخلها, ولا تعمل للتحايل والإلتفاف عليها من خلال منجزات إقتصادية سرعان ما إستثمر أردوغان فاعلية تأثيرها لغرض الإنقلاب على الدولة العلمانية الأتاتوركية.
وسيكون الأمر اكثر وضوحا لو إنا قارنا الوضع في تركيا مع الوضع في إيران. إسلاميو إيران كانوا حسموا الأمر منذ بدايته يوم أعلنوها (جمهورية إسلامية) فألغوا بالتالي ساحة المراوغة والكر والفر بين الإسلامويين والعلمانيين وأسقطوا التناقض ما بين الدستور والصندوق الإنتخابي. في الحالة التركية وضعت الديمقراطية صندوق الإنتخاب, الذي أنتج حكومة إسلامية, بالضد من الدستور الذي يتكفل بإستمرار الدولة العلمانية ويعطي الجيش الحق في حمايتها.
ولو أن أردوغان كان قد قاد ثورة على الطريقة الإيرانية أو أنه كان أفلح في الحصول على الأغلبية البرلمانية المطلوبة لإجراء تعديل دستوري بإتجاه تغيير الهوية العلمانية للدولة وإلغاء حق الجيش في حمايتها لصار من السهل حتما تسمية ما حدث في تركيا كونه إنقلابا عسكريا ضد الديمقراطية. أما وكون الحالة لم تتغير بهذا الإتجاه فإن الحدث الأخير لا يمكن الحكم عليه وفق المعايير العالمية العامة التي تحدد صيغ الخروج على الديمقراطية وتعطي تعريفا قالبيا جامدا للإنقلابات العسكرية.
دستوريا الحق بجانب الجيش المنقلب على الرئيس الإسلاموي كونه يحاول إلغاء الدولة العلمانية.
ديمقرطيا الحق بجانب أردوغان الذي اعطاه الصندوق الإنتخابي تفويضا شعبيا ومنحه النظام الرئاسي صلاحيات الزعامة على الطريقة العالمثالثية.
والحدث التركي الأخير يجب ان يجري البحث عنه وفيه في مساحة الحرب بين دولتين, واحدة علمانية تعيش وضع الدفاع الدستوري عن النفس, وبين دولة إسلاموية تحاول الإنقضاض عليها بحكم حقها الإنتخابي.
إنه في النهاية معركة بين دستور وبين صندوق إنتخابي.
وهو مواجهة بين دولتين لا بين جيش ونظام.