هل ستتحطم طموحات أردوغان على صخرة الاقتصاد؟

ناجح العبيدي
2016 / 7 / 24

لم يصّبْ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطابه مساء الأربعاء 20 تموز/يوليو 2016 جام غضبه على الانقلابيين فحسب، وإنما أيضا على وكالة "ستاندرد أند بورز S&P" الأمريكية للتصنيف الإئتماني في مؤشر على انزعاجه الشديد منها. والسبب هو إقدامها على تخفيض التصنيف الائتماني لتركيا بعد الانقلاب. وكان من الملفت للنظر أن يخصص أرودغان كل هذا الإهتمام للوكالة في خطابه المرتقب بعد اجتماعي مجلس الأمن القومي والحكومة التركية والذي أعلن فيه فرض حالة الطوارئ في البلاد لمدة 3 أشهر في خطوة لا تزال تثير قلقا وتساؤلات داخلية وخارجية كثيرة. ثم صعّد أروغان في مقابلتين مع قناة الجزيرة القطرية ووكالة رويتز من لهجة التهديد والوعيد ضد وكالة ستاندرد أند بورز وحذرها من التورط في "تحدي تركيا" واتهمها بالتحيز و"كره الأتراك". ومع أن أردوغان معروف بردود فعله المتشنجة، إلاّ ذلك لم يفده كثيرا. فسرعان ما حذت وكالة "فيتش" حذو شقيقتها "ستاندرد أند بورز" وأقدمت هي الأخرى على تخفيض التصنيف الائتماني لتركيا. ويبدو أن هناك ما يبرر غضب أرودغان وتفسيره لقرار "ستاندرد أند بورز" بأنه خطوة تآمرية لا تقل خطرا عن المحاولة الانقلابية للإطاحة به.
فالاقتصاد التركي يمر حاليا بفترة حرجة للغاية. وأي تخفيض في تصنيفه الائتماني وإعطائه نظرة مستقبلية سلبية ستترتب عليه تداعيات اقتصادية خطيرة. فبعد قرار الوكالتين ستُضطر تركيا لدفع فوائد أعلى مقابل بيع سنداتها الحكومية وذلك في فترة هي أحوج ما تكون إلى هذا التمويل. وبالفعل ارتفعت تكاليف خدمة وتأمين السندات الحكومية بعد الانقلاب بنسبة 25% الأمر سيؤثر سلبا على رواجها في الأسواق المالية. لكن الأخطر في قرار وكالتي "ستاندرد أند بورز" و"فيتش" يتمثل في تأثيره المباشر على معنويات المستثمرين الأجانب. ففي ظل أجواء القلق نتيجة المحاولة الانقلابية وما تبعها من خطوات انتقامية وحملات "تطهير" طالت مجالات عديدة تزداد المخاوف من احتمال إقدام مستثمرين أجانب على سحب أموالهم من تركيا. وهناك بالفعل أنباء عن بدء عملية هروب واسعة النطاق للرساميل الأجنبية من تركيا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاستثمارات الأجنبية شكلت في السنوات الماضية احدى أهم الركائز التي يقوم عليها الانتعاش الاقتصادي في تركيا. من جهة أخرى تعاني تركيا من عجز كبير في ميزان المدفوعات. وبالتالي فإن هروب رؤوس الأموال ينذر بتفاقم هذا العجز وتحوله إلى اختلال هيكلي يلقي بظلاله على أداء الاقتصاد التركي عموما.
ومما زاد الطين بلّة هوالانهيار الكبير في البورصة التركية حيث تكبد مؤشر بورصة اسطنبول خلال أسبوع التعاملات بعد الانقلاب خسائر فادحة وصلت إلى 13 %. وترافق ذلك مع تهاوي سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار واليورو إلى الحضيض. وبهذا تواصل الليرة مسارها التنازلي الذي بدأته منذ عام 2012 والذي أدى حتى الآن إلى فقدانها لنحو 40 % من قيمتها. وسيؤدي ذلك عاجلا أم آجلا إلى رفع معدلات التضخم وتكاليف المعيشة بالنسبة للمواطن العادي. لكن البنك المركزي التركي لم يقف مكتوف الأيدي وأعلن عن استعداده لضخ المزيد من السيولة إلى المصارف في محاولة لطمأنة الأسواق. كما قرر البنك المركزي تخفيض معدل الفائدة الرئيسي بهدف تخفيف الضغوط المتزايدة عن كاهل العملة التركية وتشجيع الاستثمار. بيد أن الكثير من الخبراء يشككون في قدرة البنك المركزي على مواجهة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. ومما يزيد في هذه الشكوك هو أن أردوغان وحزب العدالة والتمنية يتهمان مجموعة من مسؤولي البنك المركزي بالعمل لصالح الداعية المثير للجدل "فتح الله غولن" والذي يتهمه أوردغان بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة. وفيما تقترب حملة "التطهير" من البنك المركزي، يزيد أردوغان وحكومته الضغوط على البنك لفرض تخفيض آخر في معدل الفائدة الأمر الذي يُنذر بالمس باستقلالية البنك المركزي كخطوة خطيرة أخرى على طريق تعزيز الطابع الاستبدادي لنظام أردوغان.
وكل ذلك يرجح استمرار حالة عدم اليقين والقلق، بل وتفاقمها بعد الإعلان عن حالة الطوارئ في البلاد. وجاءت هذه التطورات لتوجه ضربة إضافية إلى قطاع السياحة الذي يعاني أصلا من التهديدات الارهابية وتكرر الاعتداءات والتفجيرات في مناطق متفرقة من البلاد. فقد أعلنت الإدارة الحكومية لمطار أنطاليا، أحد أهم المطارات السياحية في جنوب البلاد عن انخفاض عدد المسافرين خلال النصف الأول من عام 2016 إلى حوالي النصف مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. صحيح أن اعتذار أردوغان لبوتين عن إسقاط الطائرة الروسية ونزع فتيل التوتر مع روسيا أثمر عن قرار بوتين بالسماح للطائرات الروسية باستئناف رحلاتها إلى المطارات التركية. غير أن السياح الروس لن يعوضوا الخسارة الناجمة عن تراجع أعداد السائحين الألمان في تركيا التي استقبلت في عام 2015 خمسة ملايين وخمسمائة ألف سائح من ألمانيا وحدها. ولا يخفى أيضا أن هناك أيضا فارقا كبيرا في القوة الشرائية بين السياح الألمان والروس، خاصة وأن روسيا نفسها تعاني من أزمة اقتصادية خانقة نتيجة استمرار انهيار أسعار النفط. وفي ظل هذه الظروف لا يستبعد ان تسجل إيرادات القطاع السياحي من العملة الصعبة خسائر فادحة. وهو تطور بدأ في عام 2015 عندما تراجعت الايرادات إلى قرابة 31,5 مليار دورلار بعد أن بلغت في عام 2014 أكثر من 34 مليار دولار. ومن المؤكد أن الهبوط في عام 2016 سيكون أكبر وأقسى الأمر الذي سيلقي أعباءا متزايدة على ميزان المدفوعات التركي.
كل هذه المخاوف يدركها أردوغان جيدا ويعرف أيضا حق المعرفة تداعياتها المحتملة على مستقبله السياسي. فصعود نجم أردوغان في السنوات الماضية يعود بدرجة كبيرة إلى ما يدعي بالمعجزة الاقتصادية التي حققتها تركيا في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية الاسلامي بعد 2003. ولهذا يشعر أرودغان بالخوف من أن يؤدي تدهور الأوضاع الاقتصادية إلى تراجع شعبيته، وذلك في فترة يسعى فيها بكل قوة لتعزيز سلطته الفردية كزعيم أوحد للبلاد.
ومن دون شك فإن الغرب أيضا يعي حجم المشاكل الاقتصادية التي يمكن أن يواجهها أردوغان، إذا من ركب رأسه وواصل نهجه المغامر. ومن المؤكد أن استخدام هذه الورقة يعتبر مسألة وقت لا أكثر، هذا إن لم يبدأ استخدامها أصلا. فالغرب يشعر بعد محاولة الانقلاب الفاشلة بقلق كبير إزاء سياسة أردوغاون. ولا يقتصر هذا القلق على توجهاته الاستبدادية وخطواته الحثيثة نحو إقامة نظام دكتاتوري فحسب. فقد بدأ أرودغان وبشكل ملفت للنظر بالابتعاد عن الغرب من خلال التركيز على ملف الداعية ورفيق دربه السابق" فتح غولن " المقيم في الولايات المتحدة ومطالبتها بتسليمه على خلفية اتهامه بتدببر محاولة الانقلاب. وينطوي هذا الاتهام على تلميح واضح للإدارة الامريكية بأنها كانت على الأقل على علم بالمخطط الانقلابي. كما يتخذ أردوغان موقفا متعاليا تجاه الدول الأوروبية. وهذا ما ظهر في "نصحه" لها بعدم المغامرة بأي انتقاد لسياسته، وإلا فإنه سيكشف عن "ملفات محرجة". من جهة أخرى سرّع أرودغان من خطواته نحو مزيد من التقارب مع روسيا. وبطبيعة الحال فإن بوتين يرحب بأي خطوة تغيض خصومه الأوروبيين.
ومن هنا يمكن القول بإن تخفيض التصنيف الائتماني لتركيا ما هو إلاّ وخزة إبرة لأدروغان، وإن كانت مؤلمة. وبالتأكيد سيتم بعدها التفكير بإجراءات أخرى أكثر قساوة في حال إصرار أردوغان على التصعيد. وفي مقدمة هذه الأجراءات المحتملة تأتي مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. فقد أعلنت ألمانيا أنها ترفض فتح فصول جديدة في هذه المفاوضات. ولكنّ كثيرين يرون بأن هذا الموقف لا يكفي ويطالبون بإلغاء هذه المفاوضات أو تجميدها على الأقل. وستكون لمثل هذه الخطوة تداعيات مالية أيضا. فقد وافق الاتحاد الأوروبي مثلا على تقديم مساعدات للفترة 2014 - 2020 بقيمة أربعة مليارات ونصف المليار يورو إلى تركيا في إطار مفاوضات الانضمام. وبطبيعة الحال فإن أي خطوة في الاتجاه ستكون بمثابة رسالة للمستثمرين الأوروبيين بأن الوضع في تركيا غير آمن. ولكن المسؤولين الأوروبيين يخشون من أن يرد أردوغان على ذلك بالسماح من جديد للمهاجرين بعبور بحر إيحة إلى اليونان ووضع الاتحاد الأروروبي أمام موجة نزوح جديدة يصعب التحكم بها.
وهكذا ستُفتح فصول جديدة وربما ملفات غير متوقعة في هذه "الحرب الاقتصادية" الدائرة بين أطراف مختلفة. ويصعب حاليا التكهن بهوية الرابح والخاسر. غير أن من الواضح أن طموحات اردوغان السياسية لا حدود لها، لاسيما وأنه على المستوى الداخلي لا توجد حتى الآن قوة قادرة على وقف زحفه نحو السلطة المطلقة. بيد أن وقائع الاقتصاد الصلبة يمكن أن تتحول إلى عقبة كأداء أمام هذه الطموحات.