تركيا .. مَنْ إنقلب على مَنْ

جعفر المظفر
2016 / 7 / 21

تركيا .. مَنْ إنقلب على مَنْ
جعفر المظفر
في كل يوم تظهر إلى العلن مكامن ضعف الإسلام السياسي العربي, والعراقي في مقدمته, يوم تضعه المتغيرات في مواجهة إمتحانات لا يستطيع إجتيازها بنجاح. هذه المرة الإسلام السياسي السني يعيش حالة (بلاع الموس) التي يعيشها الإسلام السياسي الشيعي يوم يجري الحديث عن القدرة على إتخاذ الموقف المبدئي الوطني البعيد عن التبعية الإقليمية, سواء لإيران أو تركيا. والحال أن تفسير حالة الإرتباك الموقفي للإسلامَيْن ليس صعبا, ذلك ان ظروف الخصومات الداخلية قد جعلت التحالف مع أحد البلدين أمرا ضروريا, إن لم يكن قبل ذلك نابعا من الفقه العقائدي للإسلام السياسي نفسه.
لسنا الآن معنيين بمناقشة فيما إذا كانت قصة الإنقلاب التركي حقيقية أم مخترعة, أو حتى مناقشة الموقف الفكري أو الأخلاقي من قضية الإنقلابات العسكرية ذاتها, لكن التنبيه إلى ضرورة الإبتعاد عن النمطية حينما يجري الحديث عن الإنقلاب بمعناه التركي, يصبح تنبيها واردا, وحتى ضروريا. في هذا الإتجاه علينا أن نتذكر أن هناك عقدا متفقا عليه, بصيغة ما, يعطي المؤسسة العسكرية التركية دورا حاسما على صعيد مراقبة السلطة وحتى حق ردعها وتغييرها إذا تم خروجها على اساسيات النظام العلماني لتركيا الأتاتوركية. ويوم يكون معنى مفردة الإنقلاب هو الخروج على ما هو متفق عليه بين طرفين, شرعا قانونيا أو أخلاقيا, فإن السؤال عن مَن بدأ الإنقلاب الحقيقي يصبح أساسيا, ويصبح من الإنصاف إعادة تعريف الإنقلابات العسكرية في تركيا تماما على أساس هذه الخصوصية التي تربط ما بين الجيش والسلطة السياسية في تركيا.
وسوف لن يكون من الغرابة حقا لو أن قانونيا منصفا تقدم بمطالعة تفيد أن أردوغان كان السباق إلى الإنقلاب وربما كان هو المنقلب الحقيقي, ثم يقدم مطالعة منصفة بكل الخروقات التي يتحملها أردوغان نفسه والتي شرعها على طريق إقامة نظام إسلاموي سياسي كبديل في النهاية عن النظام العلماني المحروس بالحق العسكري لحمايته.
لقد كنا من ضمن المعجبين بتجربة أردوغان في الحكم, ولم يكن ذلك الإعجاب متكئا على إنجازات أردوغان الإقتصادية فقط وإنما على قدرته لإقامة تجربة متوازنة وحداثية للإسلام السياسي مقارنة بتجربة الإسلام السياسي عامة, ويوم نذهب إلى الإتفاق مع أردوغان, من ناحية جنائية وقانونية, على وجود إنقلاب عسكري فعلي, فإن موافقتنا تصبح منقوصة تماما فيما إذا لم تُفحص على ضوء مدى إلتزام أردوغان بمعالجة الموقف ضمن إجراءات قانونية لا تأتي على حساب الوفاء للقيم السياسية والإخلاقية الأساسية التي خلقت ذلك الإعجاب مناصفة مع النجاحات الإقتصادية.
إن إستمرار الإعجاب بأردوغان يصبح في خبر كان فيما إذا تم التحقق من تجاوزه على الجانب الأخلاقي والفكري الحداثي للتجربة التركية والمتأسس على الوفاء للديمقراطية وحقوق الإنسان. ولو كان الإعجاب بجوانب التقدم الإقتصادي هو المعتمد دون فحص مدى الإلتزام بالجوانب الإنسانية الأخلاقية لأي نظام أو قائد لكان الإعجاب برجل مثل ستالين يصبح نموذجيا خاصة إذا أخذنا أيضا دوره في الإنتصار السوفيتي العظيم لحماية روسيا من أخطار النازية الهتلرية.
إن المعالجات القانونية للحدث التركي قد تفضي إلى إقرار التهمة ضد العسكر القيادين للإنقلاب, ولكن هذا الإقرار سيبقى قائما في مساحته القانونية الجزائية, أما المساحة الإخلاقية والسياسية والفكرية فسوف يتم فيها رصد كل خطوة إنقلابية بالمعنى السياسي والأخلاقي والفكري يقوم بها أردوغان ضد حقوق الإنسان وضد القيم الديمقراطية للتجربة التركية.
إن طريقة معالجة أردوغان لقضية الإنقلاب والإنقلابين سوف تعيد بلا شك تعريف من هو المنقلب الحقيقي وتحديد مَنْ إنقلب على مَنْ.