هل يسير أردوغان على خطى هتلر؟

ناجح العبيدي
2016 / 7 / 21

جاء كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والزعيم النازي الألماني أدولف هتلر إلى سدة الحكم بفضل انتخابات "ديمقراطية" فازا فيها بالأغلبية. وكلاهما استغل أحداثا تاريخية معينة لتقويض هذه الديمقراطية بالذات ولتكريس سلطتهما المطلقة. ولكن هل يكفي ذلك للمقارنة بين زعيم تركي مؤمن بأيديولوجية إسلامية وقائد ألماني يتبنى أيديولوجية قومية متعصبة وتفصل بينها أكثر من ثمانية عقود؟ وهل هناك أوجه شبه بين تركيا الآن وألمانيا في تلك الفترة؟ من المؤكد أن التاريخ لا يكرر نفسه بكل التفاصيل، ولكن مسار الأحداث يظهر تشابها ملفتا للنظر في مراحل تاريخية مختلفة.
في السابع والعشرين من شباط/ فبراير 1933 اندلع حريق هائل في مبنى البرلمان الألماني "الرايخستاغ" في برلين. ورغم أن الشبهات حامت منذ البداية حول دور الحزب النازي وأنصاره في إشعال الحريق، إلا أن النازيين اتهموا حينها شيوعيين ومن بينهم القائد الشيوعي البلغاري "ديمتروف" بارتكاب هذا الحادث. وطبلت حينها الدعاية النازية وزمرت بأن الحريق ما هو إلا الشرارة لإشعال انتفاضة شيوعية بدعم من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الالماني لإسقاط حكومة هتلر. وكان هذا الحادث بمثابة الفرصة الذهبية التي كان أدولف هتلر ينتظرها منذ فوز حزبه في الانتخابات في تشرين الثاني/نوفمبر 1932 وتنصيبه مستشارا لألمانيا في نهاية كانون الأول/يناير 1933. ويقال إنه قال عندما دخل مقر المستشارية لأول مرة "ليس هناك قوة في الأرض تستطيع إخراجي من هنا حيا". وبعدها بأقل من شهر جاء حريق الرايخستاغ لتتسارع الأحداث بطريقة غير معهودة. فلم يقدم هذه الحادث الذريعة لإعلان حالة الطوارئ فحسب. ففي 24 آذار/مارس 1933 فرض هتلر بالترهيب والترغيب على البرلمان الألماني إصدار ما دعي "قانون تخويل الصلاحيات". وشكل القانون خطوة حاسمة على إقامة النظام الديكاتوري في ألمانيا. فبموجب هذا القانون حصل هتلر على ما كان يحلم به. فقد وافق البرلمان بنفسه على نقل معظم صلاحياته إلى مستشار الرايخ، بكل ما يعنيه ذلك من تضييق على الحريات الأساسية وحرمان السلطات التشريعية والقضائية من صلاحياتها وتجريدها من استقلاليتها وإطلاق يد هتلر وحزبه النازي لقمع أي مظهر من مظاهر المعارضة بالحديد والنار. ومن الملفت للنظر هنا ايضا هو أن هتلر أصدر بعدها بيوم قانون لتحديد حالات الحكم بالإعدام وبأثر رجعي. وهذا بالضبط ما يريده رجب طيب أردوغان هذه الأيام من خلال الدعوة إلى إعادة العمل بعقوبة الإعدام وتطبيقها بحق المتهمين بتدبير الانقلاب رغم أن هذه "الجريمة" أُرتكبت قبل صدور القانون المنتظر.
ولكن عقوبة الإعدام ليست سوى تفصيل بسيط في أوجه الشبه بين ألمانيا في ربيع 1933 وتركيا في صيف 2016. فمنذ محاولة الانقلاب الفاشلة في ليلة 15 تموز/يوليو التي وصفها أرودغان بحق بأنها "هدية من الله"، تسير الاحداث بخطى متسارعة يصعب على المراقب متابعتها. فلم يكتفِ أردوغان بإطلاق حملته "التطهيرية" الواسعة التي طالت عشرآت الآلاف من العسكريين والقضاة والإعلاميين والأكاديميين والمعلمين وموظفي الدولة. فقد تُوج ذلك بإعلان أردوغان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر الأمر الذي يعني منحه صلاحيات واسعة لن تختلف كثيرا عن صلاحيات هتلر في ربيع 1933. فالرئيس التركي قادر ايضا على إصدار مراسيم رئاسية لها قوة القانون دون المرور بالبرلمان. وستُعطي حالة الطوارئ لقوات الأمن صلاحيات استثنائية في التوقيف والاعتقال والقمع دون الرجوع للسلطات القضائية. ورغم أن نجاح أرودغان في إفشال الانقلاب يعود إلى الإعلام الذي نقل كلماته عبر الهاتف النقال إلى أنصاره ليلة الانقلاب، إلاّ أنه سارع إلى إطلاق حملة "صليبية" أو بالأحرى إسلامية ضد الإعلام المعارض والمستقل تضمنت إغلاق العشرات من المحطات التلفزيونية والصحف والمواقع الاعلامية وبما فيها موقع ويكيليكس بسبب نشره لمراسلات سرية لحزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم.
وكما حصل مع هتلر الذي استخدم "شبح الشيوعية" كشماعة لتمرير سياسته النازية، يبرر أرزدعان حملته القمعية وإجراءاته الاستثنائية بما يدعوه بالكيان الموازي للداعية ورفيق دربه السابق "فتح الله غولن". ولكن الهدف واضح هو القضاء على الديمقراطية وترسيخ سلطته المطلقة. ومثله مثل هتلر يستند أرودوغان أيضا إلى شخصيته الكاريزماتية وشعبيته الجارفة وسط أنصاره وفي الشارع التركي الذي كان في الايام الماضية مسرحا لمشاهد مقززة لقمع المتهمين بالمشاركة في الانقلاب. وتعود هذه الشعبية ايضا إلى النجاحات الاقتصادية التي حققها أرودغان في سنوات حكمه المستمرة منذ 2003. وسيكون من المفجع أن تقود هذه النجاحات تركيا نحو الهاوية، كما حصل في ألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي عندما بُنيت الطرق السريعة لكي تسير عليها الدبابات الألمانية الغازية في مغامرة عادت بالوبال وبكوارث لا مثيل لها على ألمانيا وشعبها.
وإذا كانت النازية الألمانية تتلخص في قمع سافر وعنصرية في الداخل وعدوانية نحو الخارج، فكيف يمكن وصف الأردوغانية التركية؟ فبعد تهميش المعارضة هل سيتوجه أردوغان إلى الأكراد؟ وهل سيلعب الأكراد في تركيا دور كبش الفداء، كما حصل مع اليهود في ألمانيا؟ وهل سيُقدم أرودغان لاحقا على اعتماد نهج عدواني في سياسته الخارجية كما تصرف هتلر بعد أن ثبّت اركان سلطته في ألمانيا وتحول إلى التحرش بجيرانه وقضم الاراضي التشيكية والبولندية ضمن نهج مغامر تُوج بإندلاع الحرب العالمية الثانية؟
تصعب الإجابة على هذه التساؤلات حاليا، ولكن من المؤكد أن المحاولة الانقلابية الفاشلة وتداعياتها تشكل نقطة تحول فاصلة في تركيا والمنطقة. فكما وصف النازيون تربعهم على السلطة في ربيع عام 1933 بأنه تتويج "للثورة الاشتراكية القومية" لا يستبعد أن يصف حزب العدالة والتنمية إفشال المحاولة الانقلابية بأنه بداية "الثورة الإسلامية" في تركيا وخطوة حاسمة على طريق القضاء على النظام العلماني للبلاد. وكما هو الحال في ألمانيا قبل أكثر من ثمانية عقود، تبدو المعارضة التركية اليوم مشلولة وغير قادرة على التصدي لأرودغان الذي يمضي قدما نحو إقامة نظام استبدادي ودكتاتوري.
وعلى الصعيد الخارجي يُلاحظ تصاعد اللهجة العداونية لأردوغان في التعامل حتى مع حلفائه في الغرب. ففي خطابة ليلة 20 تموز/يوليو 2016 تحدث أردوغان بنوع من الازدراء عن "أصدقائه" الأوروبيين و"نصحهم" بنبرة متعالية من انتقاد أي خطوة في تركيا. كما تشهد العلاقات التركية-الأمريكية توترا ملحوظا على خلفية المطالبة بتسليم "فتح الله غولن" المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات طويلة. وما انفكّ مسؤولون ومحللون أتراك من التلويح بكشف "ملفات" يقولون إنها ستُحرج الكثير من القيادات في الخارج. ويبدو أن ارودغان يعمد إلى خلط الأوراق حاليا لإثارة الارتباك في صفوف الخصوم والحلفاء على حد سواء. وهذا مافعله هتلر بالضبط قبل الحرب الحرب العالمية الثانية. حينها وقع العالم الديمقراطي في خطأ قاتل عندما عوّل لسنوات على سياسة "المهادنة" بأمل عدم استفزار هتلر. ولكن نهج المهادنة كان بمثابة البوابة نحو الجحيم لأنه إتاح الفرصة لألمانيا الهتلرية لكي تتقوى وتتسلح تمهيدا لشن حرب شاملة أكلت الأخصر واليابس.
فهل ستكتفي أوروبا والولايات المتحدة اليوم بالمناشدات؟ وما هو موقف روسيا وإيران وبقية العالم الاسلامي تجاه ما يحدث في تركيا؟
داخليا على الأقل يبدو أنه لا توجد حاليا قوة قادرة على ردع أردوغان وهو في قمة نشوة انتصاره إثر نجاحه في إفشال الانقلاب وفرضه نفسه زعيما أوحد للبلاد.
لقد دخل أردوغان قصره الرئاسي الجديد المبني على الطراز العثماني وكأن لسان حاله يقول"ليست هناك قوة على الأرض تستطيع إخراجي من هنا حيا".