أردوغان يدخل التاريخ من أوسخ أبوابه

ضياء الشكرجي
2016 / 7 / 20

أردوغان يدخل التاريخ من أوسخ أبوابه
ضياء الشكرجي
dia.shakarchi44@yahoo.de
www.nasmaa.org
لست بصدد تحليل أسباب قيام الانقلاب وأسباب فشله، ولست بصدد الكلام عمن يمكن أن يكون وراءه، أو وراء إفشاله، ولكني أريد أن أتناول النتائج، ومن سيكون المستفيد بالدرجة الأولى مما حدث، أما المتضرر فهو الشعب التركي وشعوب المنطقة ومبادئ الديمقراطية وقيم الحداثة.
لا أخال أحدا يشك بأن المستفيد الأول مما حدث، أعني القيام بالانقلاب ثم القضاء عليه، هو رجب تَيِّپ أردوغان. فهي فرصته الذهبية لتجذير سلطته، وتوسيع صلاحياته السلطانية الديكتاتورية، وتصفية كل خصومه السياسيين، وجعل كل أجهزة ومؤسسات الدولة، ممثلة بالأمن والجيش والتربية والتعليم العالي، مغلقة للموالين لحزبه الإسلاموي الإخواني (العدالة والتنمية)، وبالذات لشخصه كسلطان جديد، ليكمل آخر حلقات أسلمة وعثمنة وتركنة تركيا، ليكون المواطن المتمتع بكامل حقوق المواطنة في سلطنة أردوغان الإخوانية حصرا من تتوفر فيه شروط أن يكون قومي الجنسية، مسلم الدين، سني المذهب، إسلامي الاتجاه، أروغاني الولاء، وكل من سوى ذلك فهو متآمر وخائن، حسب الأدبيات التي يحب أن يستخدمها السلطان الديكتاتوري الجديد. وهي فرصته لإلغاء ما تبقى من أثر، إذا كان قد تبقى ثمة أثر، للعلمانية الأتاتُركية. فمنذ وصول الحزب عام 2002 إلى الحكم وهو يخطط بشكل خفي وهادئ ومتدرج لإعادة أسلمة تركيا، نافيا في العلن أنه حزب إسلامي، ومفضلا توصيف نفسه بالحزب المحافظ والمعتدل، أو الإسلامي العلماني، بينما هو يهدف إلى إلغاء منجزات مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاترك، الذي ثبّت علمانية تركيا، وعمل على تحديث الدولة التركية، وإلحاقها بالنهج الديمقراطي وفق النموذج الأورپي الحداثوي، مع تحفظنا طبعا على النهج القومي لأتاترك. ولا ننسى إن حزب العدالة والتنمية لم يكن إلا امتدادا لحزب الفضيلة، وهذا كان بدوره امتدادا لحزب الرفاه، وهذا كان الامتداد أو البديل لحزب النظام الوطني، اللذَين أي الأخيرَين كانا بزعامة نجم الدين أربكان. فالإخوانيون الأتراك أثبتوا طول النفس، ومعاودة المحاولة مرة تلو أخرى، ومواصلة التخطيط لأسلمة وإعادة عثمنة تركيا.
لو ننظر إلى إجراءات أردوغان وحزبه الإسلاموي الإخواني، وسرعة هذه الإجراءات وسعتها، لأدركنا أنه أراد أن يكون الحدث فرصته التاريخية لتصفية كل خصومه، من علمانيين وليبراليين وكرد وعلويين وحتى متدينين معارضين لسياسات أردوغان ولحزبه. وإجراءات الاعتقال والعزل بهذه السرعة وبهذه السعة تدل على إنها كانت مضمرة، وتنتظر الفرصة المناسبة، فجاء الانقلاب ثم إفشاله مجسدا لتلك الفرصة التي لم يكن أردوغان لينتظر أفضل منها، مما يثير الشكوك، حول ما إذا كان أردوغان هو الذي أراد أن تكون محاولة الانقلاب هذه ثم تفشل. فمنذ الساعات الأولى رأيناه عزل 2700 قاضيا، ثم جرى اعتقال 7000 عسكريا، منهم 100 من الجنرالات وأصحاب الرتب العسكرية العالية، وتبع ذلك فصل 36000 معلم وأستاذ جامعة من مدارس تركيا بكل مراحلها ومن جامعاتها، علاوة على آلاف الموظفين والمسؤولين، وذلك لتكتمل الحقات الثلاثة المهمة لهيمنة الأردوغانيين على مفاصل الدولة والمجتمع، حيث سيجعلون القضاء، والجيش، والشرطة، والتعليم، والتعليم العالي، علاوة على البرلمان، والإعلام، وكل المراكز الحساسة بأيديهم حصرا، مُقصين وملاحقين لكل خصومهم ومعارضيهم، بل كل المشكوك بولائه للإسلام السياسي المتمثل بحزب العدالة والتنمية، وللسلطان الجديد. ومنذ الساعات الأولى علت الأصوات ملوحة بإعادة العمل بحكم الإعدام، كما سيعود أردوغان في تصعيد وتكثيف مسعاه مجددا لتحويل تركيا إلى دولة بنظام رئاسي بدلا من النظام البرلماني، مع توسيع كبير لصلاحيات الرئيس، ولا يستبعد أن تعقب ذلك خطوة تالية، بإلغاء التحديد الدستوري لعدد دورات الرئيس، ليتحول أردوغان إلى السلطان الأول، بعد سقوط السلطنة العثمانية، والحاكم الأوحد بأمره، ولمدى الحياة.
ولعله لم يعد يهمه، إذا ما ألغي ترشيح تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأورپي، إذا ما حقق كل ما يصبو إليه مما ذكر، لأن الاتحاد الأورپي لا يمكن أن يقبل بدولة مرشحة لعضويته، لا تلتزم بمبادئ الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات السياسية، لاسيما حرية الرأي والتعبير والنشر، والكل يعلم إن العمل بحكم الإعدام يمثل لأورپا خطا أحمر، ما بعده من خط أشد احمرارا منه.
إذن كما استفاد أردوغان من الانقلاب وفشله، فإن هذا الحدث أو هاذين الحدثين، كشفا وسيكشفان أكثر وأكثر وأكثر، عن الوجه القبيح لأردوغان، فسيسفر عن كل قبحه للشعب التركي، ولشعوب المنطقة، وللاتحاد الأورپي، ولعموم المجتمع الدولي.
بكل تأكيد لا نلتقي – أنا ومن يلتقي معي - في مقتنا للنهج الأردوغاني مع أولئك الشيعة الذين ينطلقون في مقتهم له من منطلق طائفي، بل إننا نمقته بوصفنا علمانيين لإسلاميته، وبوصفنا رافضين للشوفينية لنزعته القومية، وبوصفنا معادين للديكتاتورية لديكتاتوريته، التي مقتناها أو مقتها الكثيرون منا بنفس المقدار في نوري المالكي ومسعود البرزاني ومحمد مرسي وعلي خامنئي وبشار الأسد. وبكل تأكيد لا نلتقي في رفضنا للانقلاب العسكري كآلية للتغيير والإصلاح، مع أولئك السنة الذين ينطلقون في رفضهم للانقلاب من منطلق طائفي، يجعلهم يتعاطفون مع أردوغان وحزبه الإخواني، كممثلَين للمصالح الطائفية للأمة السنية.
تركيا التي يريدها أروغان يجب أن تكون تركية القومية، إسلامية الإيديولوجية، إخوانية التوجه، سنية المذهب، عثمانية المنهج، أردوغانية الولاء، قائدة للتحالف الإسلامي السني في المنطقة.
لكن مهما تفرعن الطغاة، ومهما دامت سلطتهم، فالشعوب ستلفظهم، والتاريخ سيرميهم في الوادي الأسحق، حيث مكب قمامته.
20/07/2016