كلنا مشاريع مساجين .

سعيد الكحل
2016 / 7 / 19

من مميزات حكومة السيد بنكيران أنها تحولت إلى موضوع لعموم المواطنين أيا كان مستواهم التعليمي ووضعهم الاجتماعي . فغالبية المواطنين يتابعون الشأن الحكومي ويعبرون عنه حتى بالمستملحات تارة وبالسخرية أخرى وبالسخط في غالبية الأحيان .إذ بقدر الآمال التي عقدها الناخبون وعموم المواطنين على هذه الحكومة اعتبارا لما رفعته من شعارات تستهدف محاربة الفساد والاستبداد وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين ظروف العيش ، بقدر الخيبة والغبن من جراء القرارات والإجراءات التي اتخذتها الحكومة ضد المكتسبات والحقوق المادية والاجتماعية التي لم يخطر يوما على بال أي مواطن أنه سيفقدها .هكذا لم تكتف الحكومة بالإجهاز على آمال المواطنين في الشغل والعيش الكريم ، بل واصلت تشديد الخناق على مختلف الفئات والأعمار . فالحكومة إياها قررت سلسلة من الإجراءات وشرّعت مجموعة من القوانين لم يسبق أن خطرت حتى على بال شياطين الجن ولا أباليس الإنس . إذ في الوقت الذي كان المواطنون يتطلعون إلى برامج حكومية عملية ترفع عنهم قهر الإدارة وتخفف تكلفة المعيشة وتفتح أمام فلذات أكبادهم فرص الترقي والشغل وتيسر اندماجهم في بناء وطنهم بالعقول والسواعد ، تفاجئهم الحكومة بالإجراءات والقوانين التي تنعكس خطورتها مباشرة على جيوبهم وحرياتهم . فمنذ تنصيبها سارع رئيس الحكومة إلى التوقيع على مرسوم يُحرم كل موظف أقيل أو استقال حتى لأسباب صحية من حقه في المعاش حتى يبلغ السن القانونية للإحالة على التقاعد دون مراعاة الظروف الاجتماعية والمادية للموظف . بعدها أصدر قرار تحرير أسعار المحروقات الذي انعكس سلبيا مباشرة على القدرة الشرائية وكلفة المعيشة لعموم المغاربة ، بل كان له تأثير خطير على نسبة النمو التي خيبت توقعات الحكومة بسبب إضعاف القدرة الاستهلاكية لدى غالبية المواطنين .توالت بعدها مصائب الحكومة لتضرب في العمق أحلام الشباب وأسرهم المتواضعة حين قرر بنكيران فصل التكون عن التوظيف فأضاع على الدولة 16 مليار سنتم كان من المفروض توظيفها في دعم التشغيل بكل أنواعه .ولم تكتف الحكومة بضرب القدرة الشرائية للمواطنين ومصادرة أحلامهم في الشغل والاستقرار ، وإنما سارعت إلى طبخ وتمرير سلسلة من القوانين التي تمس المواطنين في أرزاقهم وكرماتهم ، ومنها قانون التقاعد الذي أجهز على مكتسبات الموظفين والمأجورين باعتمادها "الثالوث الملعون" رغم الاحتجاجات التي رافقت ولا زال يفجرها طبخ القانون وتمريره. لم تكتف الحكومة ،إذن، بنهب أرزاق المواطنين وسرقة آمال أبنائهم في غد أفضل لدرجة يفاخر رئيس الحكومة أنه وفر لخزينة الدولة 100 مليار درهم من عرق المواطنين وكدهم ، بل قررت مصادرة الحريات ومطاردة المواطنين حيثما حلوا وارتحلوا بسلسلة من القوانين ما شهدتها البشرية من ذي قبل ولا حتى في قادم الأزمان . لأن أي حكومة تحترم شعبها وتنصت لنبضه لا يمكنها أبدا أن تقسو عليه مثلما فعلت الحكومة المغربية برئاسة حزب إسلامي . فالحكومة التي شغلت المواطنين بالغلاء والبطالة والأمراض ، وجدت أن سكوت المغاربة وتحملهم لتكاليف المعيشة خوفا على أمن الوطن واستقراره أمرا مشجعا لها على التمادي في التشريع لما هو أخبث وأخطر لدرجة لن يبق معها المواطن منشغلا بالغلاء ، بقدر ما سيصير كل همه العودة سالما إلى بيته ، ليس خوفا من عصابات الإجرام أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تغزو شوارع المدن والقرى ، ولكن خوفا من القوانين المجحفة التي تفتقت بها قريحة أعضاء الحكومة في أكثر من مجال إلا المجالات التي تضمن العيش الكريم . فحكومة السيد بنكيران جعلت من كل مغربي ومغربية مشروع سجين يمكن اعتقاله في أي لحظة .وإليكم بعض الأمثلة :
المثال 1 ـ قانون الميكة الذي أصدرته الحكومة يغرّم كل شخص ضُبط يستعمل كيس البلاستيك من 2 مليون إلى 20 مليون سنتيم .مبلغ لا يوفره 90 في المائة من المغاربة طيلة حياتهم المهنية . ومعنى هذا أن كل مواطن ضُبط وهو يحمل كيسا بلاستيكيا بيده عليه أن يدفع الغرامة إياها وإلا فالسجن مصيره .ومادام أغلب المغاربة لا يتوفرون على هكذا مبلغ ، فليس أمامهم سوى الإذعان للقانون والارتماء خلف القضبان .وقد تكون كارثة إذا ضُبط أكثر من عضو من أعضاء الأسرة وقد يكون الأب والأم معا .إنه تشريد أسر و"خراب بيوت" كما يقول المصريون.
المثال 2 ـ تقدمت وزارة التعليم العالي التي يتولاها السيد الداودي بمشروع قانون يجرّم مقاطعة الامتحانات أو الدعوة إليها .ومقاطعة الامتحانات هو شكل من أشكال الاحتجاج وأسلوب تضطر الحركة الطلابية إلى اللجوء إليه دفاعا عن مصالح الطلبة . فاليوم تجريم مقاطعة الامتحانات وغدا تجريم مقاطعة الدروس .
المثال 3 ـ يتعلق بتجريم الغش في امتحان البكالوريا ،بحيث أي تلميذ ضبط في حالة غش يعاقب بالسجن ووالده بالغرامة .وقد فرضت وزارة التعليم على التلاميذ وأولياء أمورهم توقيع التزام مصادق عليه في موضوع العقاب .
بهذه التشريعات القانونية ، السجن يتعقب المواطنين وحيثما ولوا وجوههم فالسجن ينتظرهم . ومن المفارقات التي تكرسها هذه الحكومة أن من يحمل كيسا بلاستيكيا يدفع غارمة مالية كبيرة أو السجن بينما من يجلب آلاف الأطنان من نفايات إيطاليا تحميه الحكومة وتكافئه ، وكذلك الشأن في موضوع الغش والفساد ، بحيث يلقى في السجن تلميذ قاصر لا يقدّر عقوبة أفعاله التي لا ترقى إلى مستوى الجنحة ولا الجريمة ، بينما كبار اللصوص وناهبي المال العام يخصهم رئيس الحكومة بعفو شامل ودائم. من يسرق معلومة يعاقب ومن يسرق أرزاق المواطنين يثاب ، نعْم العدالة .