بهدوء .. محاولة للإقتراب من الحدث التركي

جعفر المظفر
2016 / 7 / 18

وأقول محاولة للإقتراب لأن الأحداث الكبيرة التي تشكل مفاصل تاريخية هامة بحاجة إلى أراء متأنية وتفحص عميق ومهنية عالية تتأسس على منهجية علمية صرفة تضع الإنحيازات الذاتية جانبا لكي تفهم الحدث على حقيقته, ولست أزعم إنني قادر في هذه العجالة على ان أن أخوض بما يتعدى الأوليات لأعطي ذلك الحدث حق قدره مُحترِما بذلك قلمي وعقل القارئ.
إن إرضاء الذات ومنطق التشفي وتحكيم العواطف هي أمور تأخذنا بغير رصانة إلى الحقيقة كما نتمناها لا كما هي عليه. ودراسة كهذه ستكون مضللة ومضرة وغير نافعة على الإطلاق ولا تعطي لصاحبها فائدة أو مكسب سوى ذلك الذي يمنحه قدر من التشفي الخادع. وأرى أن الحدث التركي الأخير قد كان فرصة أكيدة وكبيرة لفش الغيض والتشفي وإبداء الآراء بصيغ تؤكد على إنتشار مرض الاستاذية الذي جعل الكثيرين يدلون بأرائهم وكأنها فتاوى لا يقربها الباطل ولا يمسها الشك وجعل آخرين يبحثون في الحدث من خلال مداخل متأسسة على إنحيازات طائفية عميقة بحتة تنطلق من ثقافة الشيطنة تلك التي جعلت كل شيء تركي باطل في عين البعض الشيعي وكل شيء إيراني باطل في عين البعض السني.
من الحق أولا البحث فيما إذا كان الإنقلاب التركي العسكري ضد أردوغان مزعوما أم أنه كان قد حدث فعلا. ثمة ثغرات كبيرة على مستوى التنفيذ تعزز من فرص التشكيك, رغم أن هذا الحق لا يتقاطع مع ضرورة الوقوف أمام فهم طبيعة هذه الثغرات كونها تأتي هنا من باب مقارنة محاولة الأنقلاب الأخيرة بشكل نمطي رتيب مع الإنقلابات العسكرية السابقة. نحن هنا إزاء قياس طبيعة الحدث بمساطر وفراجيل النجاح المعدة سلفا دون البحث في إمكانية أن تكون هذه النواقص قد أتت نتيجة المتغيرات الأساسية التي حدثت في الداخل التركي والتي صار من شانها ان تحد كثيرا من فاعلية ودقة تلك المساطر والفراجيل.
إن مراجعة وتأشير هذه النجاحات ليست صعبة بالمرة سواء على صعيد الوقوف أمامها بشكل مباشر أو على صعيد حساب التأييد الشعبي الكبير الذي حصل عليه الحزب المتسيد بالذات والذي تترجمه الشعبية الطاغية لأردوغان نفسه. إن ذلك لا ينفي ضرورة الوقوف ايضا أمام الحيادية المفترضة للجيش التركي والذي أهلته في السابق لتنفيذ إنقلابات توفرت فيها عوامل النجاح التقني بشكل نموذجي, غير ان من الضروري فهم أن تلك الحيادية لم تعد فاعلة ومتماسكة كما كان شأنها في السابق وذلك بسبب النجاحات الهائلة المرتبطة بشخص الرئيس التركي نفسه والتي جعلته شخصية موازية لشخصية أتاتورك المتوارثة عبر عقود كأب مؤسس لتركيا الحديثة.
وإفتراض أن تلك الحيادية الحرفية للجيش التركي كونه المؤسسة المكلفة شرعا بحماية تركيا العلمانية غير قابلة لتأثير المتغيرات هو إفتراض مرفوض لأنه يرسم لنا صورة لمؤسسة خارجة على الزمن التركي نفسه ومشرنقة بخيوط حريرية متينة وقادرة على الصمود إلى ما لانهاية.
إن تاريخ تركيا هو كما جغرافيتها, لكن الجزء الشرقي من هذا التاريخ يبقى مرتبطا يالشخصية العثمانية التي لم تستطع تركيا اتاتورك ان تخلعها تماما من الذاكرة المجتمعية الموروثة والتي صار ممكنا وعلى يد أردوغان نفسه أن تعود إليها الروح بشكل عصري. واللعبة في نهاية الأمر, والجاري حسمها في ملعب الصراع بين الدولة العلمانية الأتاتوركية وبين الدولة الأردوغانية المُعثمنة, مرتهنة بالمهارات التي يتحلى بها الرئيس اردوغان نفسه, والتي وفرتها له, بالإضافة إلى مواصفات النجاح الزعامية الذاتية, ظروف عالمية خلقها عالم ما بعد إنهيار الإتحاد السوفيني وحُسْن إصطياد تركيا لفرص استقلالية للتعبير عن شخصيتها من خارج ضغوطات الولاء التبعي للمعسكر الغربي الذي كان قد قد عوَّم تلك الشخصية كثيرا وقلل من فرص تمشهداتها الذاتية.
والحال أن إنقسام الجيش التركي على نفسه وتراجع حماسه لشخصيته الحيادية والتأثير المتغلب للمؤسسات الموازية كالإستخبارات وقوى الأمن والشرطة, وحنى جندرمة الحزب , ومن ثم تأثير ذلك على تقنيات نجاح الإنقلاب كان أتى نتيجة طبيعية لقدرة المتغيرات الأردوغانية على حلحلة خيوط الشرنقة الأتاتوركية التي احاطت بالمؤسسة العسكرية لعقود خلت, أو لجعلها أقل تماسكا وحسما من السابق . على المستوى الإقتصادي كان أردوغان وراء المعجزة التي نقلت تركيا من موقع الدولة الفاشلة إلى موقع الدولة المُتَجَّرئة على طلب الإنضمام للإتحاد الأوروبي. لقد صار بإمكان أردوغان أن يوقف الهجرة التركية إلى أوروبا بعد ان صارت تركيا نفسها سوقا يستوعب هجرة معاكسة, كما صار بإمكان الإتراك أن يعثروا على شخصية هي غير تلك التي رسمها تشردهم في المجتمعات الأوروبية بعد ان صارت امام تركيا فرصة أن تكون ذات شخصية سياسية وإقتصادية مؤثرة إقليميا وحتى عالميا.
صحيح أن سياسة أسلمة الدولة التركية وعثمنتها لن تكون سهلة لكن الصحيح أيضا ان اردوغان لعبها طيلة الفترة السابقة بصبر وبشكل هادئ.
لكن العودة إلى النواقص التقنية في الإنقلاب التركي الأخير, والتي تتأسس عليها مزاعم التشكيك بصحته, باتت تتحرك أيضا في مشاهد ملاحقة خصوم أردوغان بطريقة تعزز الإنطباع بوجود نوايا أردوغانية مبيتة للقضاء على خصومه بالجملة, مع ان ذلك لا ينفي الإعتقاد المعاكس بان قوائم التصفيات المعدة سلفا لا تكفي لوحدها للتشكيك بصحة حدوث الإنقلاب, فثمة فرصة لتفسيرالأمر بشكل مغاير من خلال التأكيد على أن الصراع بين الدولتين الأتاتوركية والأردوغانية لم يكن هدأ أو إنتهى في اية مرحلة, بل ظل قائما على مدار الساعة, وكان الطرفان يتربصان ببعضها في إنتظار مشهد التصفية الذي أعد له الطرفان كل ما إستطاعا من القوة ومن رباط الخيل.
إن اردوغان ليس من النوع الذي يتردد في إستثمار الفرص التاريخية, لكن مهما كانت إجراءات التصفية التي يتبعها ضد خصومه والتي تفعلها خصومات آنية أو إستباقية إلا ان الساحة التركية ستبقى مفتوحة على العديد من المتغيرات العصية على المَنْتَجَة الحكومية والتي لا يفرزها الداخل التركي لوحده, بكل تقرحاته المعروفة, وإنما يزيدها فاعلية الدور التركي الإقليمي الذي فعَّله أردوغان نفسه والذي لا يملك أردوغان مفاتيحه لوحده, وإنما تشاركه فيه, بل وتمسكه بشدة قوى عالمية وإقليمية ليس بنيتها البقاء متفرجه على رؤية تركيا المُعُثمَّنة من جديد.