عواقب المحاولة الانقلابية على الحياة السياسية بتركيا

كاظم حبيب
2016 / 7 / 17

أحبطت المحاولة الانقلابية العسكرية التي نفذها جزء مهم يتراوح بين 50-60% من قوات الجيش التركي ومن مختلف الصنوف العسكرية، بما في ذلك الطيران العسكري. ورغم هذا العدد الكبير من المشاركين في المحاولة ومن قيادات عليا في الجيش، منيت المحاولة بالفشل الذريع وأعتقل أغلب قادتها العسكريين ومن مختلف المراتب العسكرية المشاركة فيها (ألأخبار تشير إلى 6000 معتقل حتى صبيحة يوم الأحد 17/7/2016)، كما قتل عدة مئات من المنتفضين والمدنيين، فما هي الأسباب التي أدت إلى فشل هذه المحاولة الجدية والكبيرة؟
من المتابعة الطويلة للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بتركيا خلال العقود الخمسة الأخيرة، يمكن تأشير الأسباب الآتية الأكثر أهمية في فشل هذه المحاولة:
أولاً: التجربة المريرة التي عاشها الشعب الكردي بكل قومياته تحت النظم السياسية العسكرية أو هيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية بالبلاد، وما تعرض له الشعب من مصادرة حقيقية للحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية.
ثانياً: غياب العلاقة الاجتماعية والسياسية النضالية بين القوات التي قادت الانقلاب والشعب التركي، وعدم معرفة الأهداف التي كان يسعى الانقلابيون إلى تحقيقها بتركيا.
ثالثاً: أدانت كل الأحزاب السياسية الممثلة في مجلس النواب التركي محاولة الانقلاب الفاشلة منذ بدء العملية، مما يدل على عدم وجود أي علاقة بين المنتفضين في الجيش والأحزاب السياسية بتركيا.
رابعاً: سئم الشعب التركي من الانقلابات والتغيرات السياسية غير الديمقراطية، وقناعته بضرورة التغيير على وفق السبل الديمقراطية والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة.
خامساً: رغم الأوضاع الاقتصادية والسياسية الجديدة الصعبة والمتوترة، بسبب سياسات أردوغان الخارجية والداخلية الجديدة، فأن الانتعاش الاقتصادي الذي تحقق خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين يعود إلى الانفتاح الذي مارسه أردوغان في تركيا، وخاصة محاولاته الأولى بحل المسألة الكردية بصورة سلمية، والتي وفرت أجواء مناسبة للنمو الاقتصادي وتوفير توظيفات مالية للاستثمار الإنتاجي والخدمي وتقليص نسب البطالة بتركيا وتحسين مستوى حياة ومعيشة نسبة مهمة من سكان الريف والمدينة بتركيا.
ومن هنا جاء رفض نسبة مهمة من الشعب التركي للانقلاب العسكري وعدم مساندتها له، بل إن أجزاء من الشعب قد تصدت لقوى الانقلاب. علماً بأن هناك نسبة مهمة من الشعوب التركية، والكرد منهم على نحو خاص، يناهضون بحزم سياسات اردوغان غير الديمقراطية والسائرة نحو تغيير معالم الدولة العلمانية التركية وتحويلها إلى دولة تلتزم بالدمج بين الدين والدولة تحت قيادة "حزب العدالة والتنمية"، وهو أحد فروع جماعة الإخوان المسلمين على الصعيد العالمي، وهم يتعرضون للملاحقة والاضهاد والاعتقال والسجن.
لقد تميزت سياسة رجب طيب أردوغان في السنوات الأخيرة بمظاهر سلبية جديدة تعبر عن تغير في نهج الحزب الحاكم ورئيسه. فهو يتطلع لنفسه ولتركيا بدور قيادي إسلامي في منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا، إضافة إلى تدخله المباشر في شأن العديد من الدول ذات الأكثرية الإسلامية ودعم قوى الإخوان المسلمين أو قوى إسلامية أخرى بما فيها قوى متطرفة وإرهابية مثل داعش وجبهة النُصرة وغيرها فيها، والدعوة للنموذج التركي الإسلامي، كما حصل في تونس ومصر، أو تدخله العسكري بسوريا والعراق، على سبيل المثال لا الحصر، وتعاونه مع كل من السعودية وقطر في دعم قوى المعارضة والإرهاب على نحو خاص.
وعلى الصعيد الداخلي توجه أردوغان لفرض النظام الرئاسي على حساب النظام البرلماني ليتفرغ لفرض سياساته الجديدة دون العودة إلى مجلس النواب، الذي وجدت فيه في العام 2015 معارضة سياسية قوية رافضة لمخططات اردوغان في الانفراد بالسلطة. ولغرض إضعاف المعارضة، فرض حل مجلس النواب، الذي لم يحظ حزبه بنسبة عالية من امقاعد، ونظم انتخابات جديدة حاز بموجبها على نسبة أعلى في مجلس النواب، وغير بذلك ميزان القوى في المجلس لصالح مشاريعه في الهيمنة على الحكم، وأعاد تشكيل الحكومة التركية ليفرض جماعة جديدة مساندة له دون أي اعتراض لها على سياساته الفردية الطامعة في السيطرة التامة على السلطات الثلاث والإعلام بشكل كامل.
وقد توضح ذلك من خلال التغييرات المستمرة في جهاز القضاء التركي، ومواجهة الصحافة بضغوط جديدة واعتقالات وصدور أحكام قرقوشية ضد الصحفيين بتهم لا تصمد أمام أي محاكم ديمقراطية حيادية ونزيهة.
وكانت أكثر سياساته خطورة قد برزت في مجالين مهمين هما: 1) الموقف من القضية الكردية وتخليه عن الحل السلمي وبدء خوض المعارك ضد حزب العمال الكردستاني PKK، واضطهاده لحزب الشعوب الديمقراطي التركي وصدور قانون بمحاسبة ومحاكمة النواب الكرد بتهم التعاون مع حزب العمال الكردستاني، والبدء منذ أشهر بحملة دموية واسعة في المدن والقرى الكردية بدعوى ملاحقة جماعة حزب العمال الكردستاني، مما أوقع ضحايا كثيرة وتحول الشعب الكردي بمجمله ضد السياسات التركية. 2) تعاونه الواسع النطاق ومنذ سنوات مع داعش والسماح لقوى الإرهاب بالولوج عبر الحدود التركية إلى سوريا والعراق وتزويد هذه المنظمة الإرهابية بالسلاح والعتاد والأرزاق والسماح لها بمعالجة جرحاها واعتبار تركيا خلفية أمينة لقوات التنظيم الإرهابي. وقد تم ذلك في الفترة الأولى بالتنسيق مع السعودية وقطر وبسكوت أو موافقة الولايا المتحدة. إلا إن سياسة الولايات المتحدة المتقلبة، على وفق أهدافها في السيطرة على المنطقة ونفطها وسياسات حكامها، قد تغيرت بفعل عوامل كثيرة فاعل في منطقة الشرق الأوسط وزيادة تهديدات داعش للمنطقة ولحلفاء أمريكا وللدول الأوروبية. مما فرض على تركيا تغيير موقفها "الرسمي" إزاء داعش بشكل خاص مقابل موافقة الولايات المتحدة بمحاربة حزب العمال الكردستاني وحصول الأخيرة على موافقة باستخدام القاعدة الجوية انجرليك بتركيا من قبل سلاح الجو العسكري الأمريكي لضرب مواقع داعش بالعراق وسوريا.
إن هذه التغيرات في السياسة لم ترض نسبة مهمة من الشعب التركي ومن الكرد على نحو خاص، وكذلك، كما يبدو، من القوات المسلحة التي انتفضت على سياساته وفشلت في تحقيق أهدافها غير المعروفة حتى الآن في ما عدا تسلم السلطة بتركيا.
إن فشل الانقلاب سيعطي الذريعة للدكتاتور التركي الجديد، لرجب طيب أردوغان، لتوجيه نار غضبه ضد الانقلابيين في الجيش وفي بقية القوات المسلحة التركية أولاً، وسينتقم بقسوة سادية، كما عبر عن ذلك بنفسه متوعداً بالانتقام الشديد، وفي القضاء والإعلام ثانياً، وفي السلطة التشريعية أيضاً، إضافة إلى التوجه ضد القوى والأحزاب المعارضة لإضعافها وزج أعضائها في السجون والمعتقلات، وسيقضي بذلك على الحد الأدنى من الحريات المتبقية قبل محاولة الانقلاب، ومصادرة المزيد من حقوق الإنسان وحقوق القوميات، وسيشدد من حربه العدوانية ضد الشعب الكردي في إقليم كردستان تركيا بذريعة محاربة حزب العمال الكردستاني.
لقد أعطى الانقلابيون فرصة ذهبية لممارسة الفردية والاستبداد بأبشع صورها بتركيا ودون خشية من نقد قادم من أوروبا أو من الولايات المتحدة. ولكن هذه السياسة ستكون لها عواقب جديدة مدمرة على المدى الأبعد، منها بشكل خاص، تفاقم التناقضات الاجتماعية والاصطفاف الطبقي والسياسي في المجتمع التركي وتنامي النقمة ضد سياساته الإسلامية المتشددة، وستنعكس بشكل صارخ على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للسكان، وخاصة للفئات الكادحة من المجتمع التركي. كما ستشكل عاملاً جديداً في إضعاف السياحة بتركيا والتي تقلصت اليوم إلى أكثر من 75% مما كانت عليه قبل سنتين أو ثلاثة والتي ستلعب دورها في رفع حجم البطالة وإضعاف المورد المهم جداً للدخل القومي، كما إن مخاضات جديدة تنتظر تركيا في السنوات القادمة، وما عجز الانقلابيون على تحقيقه، ستسهم سياسات أردوغان الاستبدادية والعسكرية في توفير مستلزمات التغيير بتركيا. إن المخاطر الجدية ستبرز في الداخل، إلى جانب ما ذكر سابقاً، في زيادة العمليات الإرهابية بتركيا من قبل داعش وما يماثلها من تنظيمات إسلامية سياسية غرهابية وفاشية، والتي ستؤدي إلى مزيد من الموتى والخراب وتراجع السياحة والنشاط الاقتصادي والتوظيفات الأجنبية أولاً، وإلى مزيد من الصراع القومي والنزاع العسكري مع حزب العمال الكردستاني والشعب الكردي، والتي يمكن أن يمارس الجناح المتطرف المنشق عن هذا الحزب عمليات عسكرية مضادة ضد القوات المسلحة التركية، والتي كلها ستؤدي إلى بروز أو تعميق المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بتركيا والمنطقة. إن إمكانية نشوء وتنامي الفوضى السياسية بتركيا المماثلة لتلك السائدة حالياً بالعراق أو سوريا أمر ليس بعيد الاحتمال وتتحمل مسؤوليته سياسات أردوغان ونهجه الاستبدادي والتوسعي.
17/7/2016