المسيحيون جزء أصيل من أهل العراق [مشروع كتاب]

كاظم حبيب
2016 / 7 / 17

السيدات والسادة الكرام
الأخوات والأخوة الأعزاء
أسعى لإنجاز كتاب جديد عن المسيحيين بالعراق على وفق المفردات في أدناه وتحت عنوان "المسيحيون جزء أصيل من أهل العراق. انشر الآن القسم الأول من المدخل لهذا الكتاب حول "بوابات دخول المسحية إلى العراق" أملي أن أتلقى من الباحثات والباحثين والمختصين في هذا المجال الحيوي ملاحظاتهم النقدية والتحسينية لصالح البحث العلمي. وسيتضمن القسم الثاني حول الصراعات بين الكنيستين في القرون الأولى من دخول المسيحية إلى العراق وتأثيرها على واقع المسحيين العراقيين.
مع خالص الشكر والامتنان سلفاً
الباحث
كاظم حبيب
يمكن إرسال الملاحظات على عنواني الإلكتروني الآتي: khabib@t-online.de
أو على موقع الحوار المتمدن، أو على موقعين لي عل الفيسبوك باسمي
Kadhim Habib

د. كاظم حبيب
المسيحيون جزء أصيل من أهل العراق
[مشروع كتاب]
المدخل: الدخول الأول للديانة المسيحية إلى المجتمعات العراقية
1) البوابات التي دخلت المسيحية عبرها إلى بلاد ما بين النهرين
2) الصراعات الأولى بين الكنيستين الشرقية والغربية
الفصل الأول: أوضاع المسيحيين بالإمبراطوريات الإسلامية الأموية والعباسية والعثمانية.
الفصل الثاني: أوضاع المسيحيين في ظل الدولة العراقية الملكية
الفصل الثالث: أوضاع المسيحيين في ظل الجمهوريات الخمس العراقية
أ‌. الجمهورية الأولى بعد ثورة تموز 1958
ب‌. الجمهورية الثانية البعثية-القومية 1963
ت‌. الجمهورية الثالثة القومية 1963-1968
ث‌. الجمهورية الرابعة البعثية 1968-2003
(الجمهوريات الثلاث ب، ت وث الشوفينية)
ج‌. الجمهورية الخامسة الطائفية - الأثنية 2003-2016
الفصل الرابع: دور المسيحيين في الثقافة والإعلام والنشر والتعليم على امتداد تاريخ العراق وفي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية
الفصل الخامس: الاضطهاد الذي تعرض له مسيحو العراق عبر تاريخ العراق الطويل
الفصل السادس: الهجرات المسيحية من العراق إلى أوروبا وأمريكيا وكندا واستراليا.
الفصل السابع: مستقبل المسيحيين بالعراق
المصادر والمراجع

المدخل
البوابات التي دخلت المسيحية عبرها إلى بلاد ما بين النهرين

تشير أغلب المراجع والمصادر المعتمدة بشأن سبل وصول المسيحية إلى بلاد ما بين النهرين إلى أن هذه الديانة التوحيدية والتبشيرية قد وَجَدتْ طريقها إلى بلاد ما بين النهرين (الميزوبوتامية) عن طرق عدة، بما في ذلك بواسطة المؤمنين الأوائل بيسوع المسيح، حين كانت المنطقة ما تزال تحت الاحتلال البارثي (250ق. م -247 م)، وقبل احتلال المنطقة من قبل الدولة الساسانية (247-635 م). وحصل ذلك في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد وفيما بعدهما. وقد تبنت هذه الديانة الجديدة جماعات من أتباع ديانات أخرى كاليهود والمجوس وأتباع الديانات الوثنية وديانات عراقية قديمة أخرى.

الجماعة الأولى: جمهرة من أتباع الديانة اليهودية

احتضن العراق جمهرة واسعة من اليهود الأسرى الذين جلبتهم القوات الآشورية والكلدانية التي غزت المدن اليهودية كأورشليم والسامرة وغيرهما وخاضت الحروب ضد الممالك الإسرائيلية. إذ شنت السلالتان الآشورية والكلدانية، اللتان حكمتا العراق على التوالي بمئات السنين قبل الميلاد، عدة حروب ضد الممالك الإسرائيلية وهاجمت عاصمتها أورشليم في فترات مختلفة ودمرت الهيكل العظيم ودمرت الكثير من المدن الإسرائيلية، إضافة إلى ذلك فقد تم ترحيل قسري غير عادل لليهود في زمن الخليفة عمر بن الخطاب بهدف تصفية المنطقة من أتباع الديانة اليهودية. وتشير المصادر العديدة إلى إنه وصل إلى مسامع عمر بن الخطاب قولٌ منسوب إلى الرّسول في مرضه الّذي قُبض فيه: لا يجتمعنّ بجزيرة العرب دينان: "ففحص عمر عن ذلك حتّى بلغه الثبت. فأرسل إلى يهود، أنّ الله قد أذن في اجلائكم، فقد بلغني أن رسول الله صلعم قال: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان، فمن كان عنده عهد من رسول الله فليأتني به أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله من اليهود فليتجهز للجلاء."
ورغم ذلك لم يتم الالتزام بهذا العهد، إذ قرر عمر بن الخطاب تهجير اليهود إلى بلاد ما بين النهرين، إلا من أعلن إسلامه مجبراً لكي لا يفقد أرضه ووطنه، وهو قرار غير عادل في كل الأحوال. جاء في كتاب الباحث سلمان مصالحة الموسوم "إجلاء اليهود من جزيرة العرب" دراسة فيها تشخيص للعوامل الفعلية التي دفعت عمر بن الخطاب إلى تهجير اليهود من الجزيرة العربية، إذ كتب بصواب ما يلي:

" غير أنّه، وعلى ما يبدو، فإنّ ثمّة أسبابًا أخرى لإجلاء اليهود. فمثلما أشرنا من قبل فقد أُبقي اليهود في البداية لمعرفتهم وعلمهم في تدبير وعمارة الأرض، ولم يكن المسلمون آنئذ على دراية بهذه الأمور. فلمّا كثرت الأموال في أيدي المسلمين، وتعلّموا أمور الزّراعة والاعتناء بالأرض والنّخيل قرّروا الاستيلاء على أراضي اليهود. كذا يُستشفّ من الرّواية التالية بهذا الشأن: "حتّى كان عمر، فكثر المال في أيدي المسلمين، وقووا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود إلى الشام وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم." (الأموال للهروي: ج 1، 144؛ البلدان لياقوت: ج 2، 410). وعلى كلّ حال، لقد أجلى عمر يهود خيبر وفدك، ولم يخرج يهود تيماء ووادي القرى لأنّ مناطق تيماء ووادي القرى تعتبر من بلاد الشام وليست داخلة في جزيرة العرب، على ما روي: "فلما كان زمن عمر بن الخطاب رض أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز وأن ما وراء ذلك من الشام" (زاد المعاد لابن قيم الجوزية: ج 3، 313؛ أنظر أيضًا: مغازي الواقدي: ج 1، 706؛ دلائل النبوة للبيهقي: ج 4، 366؛ تاريخ أبي الفدا: ج 1، 13 .“
ولم يكتف عمر بن الخطاب بإجلاء اليهود من خيبر وغيرها فحسب، بل أخرج المسيحيين من نجران أيضاً، وأنزلهم في ناحية الكوفة، إذ جاء في كتاب الطبقات لابن سعد بهذا الصدد ما يلي: "إنه قد أخرج نصارى نجران أيضاً، وأنزلهم ناحية الكوفة". ويبدو واضحاً إنها البداية التي فسحت في المجال لمزيد من الصراع بين أتباع الديانات وممارسة التمييز، إذ كانت القرارات غير عادلة أولاً والاستناد إلى قول الرسول غير وارد ثانياً، وساعد ذلك على ممارسة الخلفاء والحكام من بعده بممارسة الأسلوب ذاته. كما إن محمداً قد منح النصارى عهداً واضحاً في السنة العاشرة للهجرة والذي نصه كما يلي:
"“فكتب رسول الله كتابًا لأهل نجران[وردت بروايات مختلفة منها هذه الرواية]: " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ لِلأسْقُف أَبِي الْحَارِثِ، وَأَسَاقِفَةِ نَجْرَانَ، وَكَهَنَتِهِمْ، وَرُهْبَانِهِمْ، وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ جِوَارُ اللهِ وَرَسُولِهِ، لا يُغَيَّرُ أُسقفٌ مِنْ أسقفَتِهِ، وَلا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ، وَلا كَاهِنٌ مِنْ كَهَانَتِهِ، وَلا يُغَيَّرُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ، وَلا سُلْطَانهُمْ، وَلا مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، جِوَارُ اللهِ وَرَسُولِهِ أَبَدًا مَا أَصْلَحُوا وَنَصَحُوا عَلَيْهِمْ غَيْر مُبْتَلَيْنَ بِظُلْمٍ وَلا ظَالِمِينَ" . كما ورد النص الآتي بشأن نصارى منطقة أخرى:
"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنَ اللهِ، ومُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللهِ لِيُحَنَّةَ بْنِ رُؤْبَةَ وَأَهْلِ أَيْلَةَ، سُفُنُهُمْ وَسَيَّارَتُهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لَهُمْ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ، وَأَهْلِ الْبَحْرِ، فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا فَإِنَّهُ لاَ يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ.. وَإِنَّهُ طَيِّبٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنَ النَّاسِ.. وَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ أَنْ يُمْنَعُوا مَاءً يَرِدُونَهُ، وَلاَ طَرِيقًا يُرِيدُونَهُ مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ.. ."[
وفي ضوء ذلك يصعب القبول بادعاء أن محمداً وهو على فراش المرض: "لا يترك بجزيرة العرب دينان" نقلاً لما رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق محمد بن إسحاق قال حدثني صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة عن عائشة. ولا يمكن لمحمد أن ينكث مثل هذا العهد الذي منحه للنصارى حينذاك، معتمدين في ذلك على الآيات التي جاء فيها:

[وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} [الإسراء: 34] {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91] {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْـمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التوبة: 4{.
وهنا يمكن تأكيد حقيقة إن في هذا نكث للعهد الذي منحه محمد للنصارى والذي كان لا يجوز نكثه، على وفق الفقه الإسلامي المعتمد بشأن الناسخ والمنسوخ.
كتب الدكتور أحمد سوسة (1900-1982م) حول الأسر اليهودي والتهجير الإسلامي لليهود والنصارى ما يلي:
"لقد مرَّ تاريخ اليهود بالعراق القديم بثلاث مراحل: تمثل المرحلة الأولى أقدم وجود لهم في شمال العراق حين جاء الآشوريون بهم أسرى إلى آشور، وهذه ترجع إلى أواخر القرن الثامن قبل الميلاد، ثم تليها المرحلة الثانية حين جاء الكلدانيون بهم كأسرى أيضاً إلى بابل في أوائل القرن السادس قبل الميلاد. أما المرحلة الثالثة فهي ترجع إلى صدر الإسلام حين نزحت قبائل العرب المتهودة من جزيرة العرب في عهد الخليفة عمر (رض) إلى العراق وسورية في القرن السابع الميلادي أي بعد ظهور المسبيين من العهد الآشوري والكلداني بالعراق بحوالي ألف وأربعمائة سنة، وقد جاءوا بصفتهم القبائلية العربية ومعهم مقتنياتهم ومواشيهم واستقروا في منطقة الفرات الأوسط حيث اندمجوا بالسكان العرب، وهم عرب مثلهم، فاعتنق أكثرهم الإسلام وبقي القليل منهم على يهوديته" .
وعلى وفق ما جاء في أكثر من مصدر لباحثين في أوضاع يهود العراق منذ الأسر الجائر والترحيل المناهض لليهود، يمكن إيراد عدد وتاريخ هذه الحملات العسكرية على النحو الآتي:
• الحملة الأولى التي قادها الملك شلمنصر الثالث الآشوري (859-824 ق.م.) على مملكة يهوذا وسبى الكثير من أهلها ونقلهم إلى مملكة أشور وأسكنهم في مناطق جبلية بعيدة يصعب عليهم مغادرتها. كما أخضع هذا الملك الآراميين والفينيقيين لدولته الآشورية .
• ثم قام الملك تجلات بلاشر الثالث (746-727 ق.م.) بحملة ثانية على إسرائيل واستولى على مملكتها وأخضعها لمملكته وسبى الكثير من سكانها وحمل الأسرى إلى آشور وأسكنهم كسابقه في المناطق الجبلية من كردستان الموزعة حاليا بين العراق وتركيا وإيران وسوريا.
• وفي العام 721 ق.م. قام الملك شلمنصر الخامس الآشوري (727-722 ق.م.) بحملة عسكرية ثالثة على إسرائيل وحاصر عاصمتها أورشليم، ولكنه مات في العام 722 ق.م. ورغم موت الملك الغازي، واصل القادة العسكريون الحصار على السامرة ثلاث سنوات عجاف مريرة على عهد الملك سرجون الثاني (722-705 ق.م.) . ثم استطاع قائد القوات الآشورية في النهاية احتلال المدينة وسبي أهلها. وبلغ عدد الأسرى الذين نقلهم إلى آشور 27280 إسرائيلياً وأسكنهم في مدن حلخ وجوزان في وادي الخابور ومدن ماذي في كردستان، وهي مناطق تقع حالياً ضمن حدود الدول الثلاث العراقية والإيرانية والتركية .
• أما الحملة العسكرية الرابعة في العهد الآشوري فقد تمت في العام 702 ق. م. حيث قاد الملك سنحاريب الآشوري (705-681 ق.م.) جيوشه متوجهاً صوب مملكة يهوذا واستولى على 46 مدينة وأسر 200150 إسرائيلياً، ثم غزا بعدها مدينة أورشليم وأجبر الملك حزقيا على عقد معاهدة صلح غير متكافئة مع مملكة آشور لصالح الأخيرة . ويبدو أن المعاهدة الموقعة بين الطرفين ساهمت في التخلي عن الأسرى وتركهم يعيشون في بلادهم، إذ لم يشر أي مصدر إلى نقل الأسرى اليهود إلى مناطق الدولة الآشورية كواحدة من نتائج هذه الحملة العسكرية. ويذكر الدكتور أحمد سوسة إلى أن بعض المصادر يشير إلى نقل "بعض هؤلاء الأسرى إلى أرمينيا" .
• وفي العام 672 ق. م. قام الملك الأشوري أسرحدون (680-669 ق.م.) بحملة عسكرية خامسة على مملكة يهوذا حيث تم أسر ملك مملكة يهودا ونقله مقيداً إلى بابل. وبعد فترة أعاد أسرحدون ملك يهودا إلى أورشليم ونصبَّه ملكاً عليها من جديد بعد أن جعل مملكته تابعةً وخاضعةً للمملكة الآشورية .
يشير المؤرخ إريك براور (1895-1942م) في كتابه الموسوم "يهود كردستان "إلى الانتشار اليهودي في مناطق كردستان، سواء أكان عبر الأسر أم عبر الهجرة المفروضة عليهم، بسبب الاضطهاد، أم الرغبة في الهجرة والالتحاق بالآخرين، فيقول ما يلي:
"يقع مركز استيطان اليهود في منطقتي زاگروس وطوروس الجبليتين. وفي الأخيرة يبدأ عدد الكرد بالانخفاض التدريجي في أرض الأرمن، حيث لا توجد حالياً مستوطنة يهودية واحدة. وفيما وراء الجبال هناك منطقتا بحيرتي وان وأورمية، والمنطقة الثانية هي أرض استوطنها اليهود في جزءٍ منها. ومن الغرب يمكن اعتبار نهر دجلة حدود منطقة الاستيطان اليهودي. وهكذا يتبين لنا أن اليهود في كردستان يقطنون ثلاثة أنواع من المناطق حسب طبيعة الأرض: المنطقة الجبلية، ومنطقة البحيرات البركانية السهلية وصولاً إلى دجلة" . وكانت حياتهم قاسية لا تختلف عن حياة الفلاحين الكرد أو غيرهم من أبناء تلك المناطق. وفي مكان آخر من كتابه الموسوم (يهود كردستان) ينقل إلينا الباحث والمؤرخ اليهودي أريك براور عن يوميات الرحالة الإسباني اليهودي بنيامين التطلي في رحلته خلال الفترة 1165-1173م) لوحة قاتمة عن أحوال يهود العمادية في القرن الثاني عشر الميلادي (1168م)، التي لا تخلو من مبالغات كبيرة عن عدد السكان اليهود في هذه المدينة القديمة، حيث كتب يقول: "هذا أول المجتمعات القاطنة في جبال هَفتون حيث يعيش أكثر من مائة مجتمع يهودي. ومن هنا تبدأ أرض ميديا. وهؤلاء اليهود هم أحفاد أولئك الذين تم سبيهم أولاً من قبل الملك شلمنصر، ويتحدثون لغة التارگوم ويوجد بينهم رجال متعلمون. وتمتد مواطنهم من منطقة العمادية إلى منطقة گيلان التي تقع على مسافة خمسة وعشرين يوماً من حدود مملكة فارس" . وقبل ذاك "يصف بنيامين التطلي العمادية على إنها مدينة تضم مجتمعاً يهودياً يتألف من خمسة وعشرين ألف فرد". ويشير أريك براور إلى أنها "مبالغة مفضوحة" . وأشار بنيامين التطلي إلى زيارته لبغداد وذكر بأن "عدد اليهود فيها بلغ 40 ألفاً، وأن لهم محلات للعبادة، وكانوا يعيشون في الكرخ بحرية تامة.." .

• وفي العام 597 ق.م. قام الملك نبوخذ نصر الكلداني (605-562 ق.م.) بشن حملة عسكرية على إسرائيل. وفي أثناء الحملة مات ملك مملكة إسرائيل يهوياقيم وحل محله ابنه الملك يهوياقين . تم في هذه الحملة أسر الملك وعائلته وحاشيته حيث أرسلوا كأسرى مسبيين إلى بابل مع حشد من كبار مسؤولي الدولة اليهودية . وقد أطلق على نتائج هذه الحملة بـ "السبي البابلي الأول". وكانت الحملة السادسة في مجموع الحملات العسكرية التي شنت من بلاد وادي الرافدين على ممالك إسرائيل.
• أما الحملة العسكرية الكلدانية الثانية والأخيرة، أو السابعة في مجموع الحملات العسكرية على ممالك إسرائيل، فقد شنها الملك نبوخذ نصر وكانت في العام 586. وتشير المصادر المختلفة إلى أن هذا الملك مارس أقسى أساليب العنف والقهر والعدوان الهمجي، الذي هو ديدن كل الفاتحين والغزاة، ضد الدولة العبرية حين قام بتهديم أسوار مدينة أورشليم وسبي جميع سكانها وإرسالهم أسرى إلى بابل. كتب الأستاذ الراحل يوسف غنيمة عن نتائج هذه الحملة ما يلي: "انتهت تلك الحرب بنصر الكلدان نصراً مبيناً، فدخلوا أورشليم بقيادة قوادهم نركل شراصر وسمكر نبو وسرسخيم وغيرهم وفَّر صدقيا ملك اليهود من وجه الفاتحين إلا أنهم أدركوه في سهل أريحا وأتوا به إلى نبوك نصر فأغلظ معاملته وأمر بقتل أولاده وأشراف مملكته على مرأىً منه ثم سمل البابليون عينيه وشدوه بسلسلتين من النحاس وأتوا به إلى بابل وخرَّب نبوزردان رئيس الشرطة أورشليم وهدم أسوارها وسبى جميع السكان إلى بابل واستباح ذمارهم وأتلف خضراءهم وغضراءهم وذلك سنة 586 ق.م" . وقد قدر عدد اليهود الأسرى في هذه الحملة بـ 40000 أسير، وأطلق على نقل الأسرى المسبيين إلى بابل بـ "السبي البابلي الثاني لليهود".
حين أعلن المسيح، وكان يهودياً، دينه الجديد، تحرك المؤمنون بهذا الدين على جهات كثيرة من العالم القديم يروجون وينشرون هذا الدين بين الناس. استقبلت جمهرة من اتباع الديانة اليهودية دعوة الدين المسيحي بشيء من الارتياح نتيجة وجود فكرة "المخلَّص" ومنقذ البشرية من الخطايا، في كتب الهود الدينية. فقد جاء في التوراة بشأن المخلَّص: «فيقضي بين الأمم، و يُنصف لشعوب كثيرين» إشعياء 2/4، كما ورد أيضاً: «فاذا هم بالعجلة يأتون سريعا» إشعياء 5/26. وقال عنه الملاك في البشارة إنه يدعي يسوع "لأنه يخلص شعبه من خطاياهم" (متى1: 21). ولم يقتصر خلاصه على شعبه، بل قال " لم آت لأدين العالم، بل لأخلص العالم" (يو12: 47). بل قيل إنه " هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم" (يو4: 42). وقد قال عن نفسه إنه " جاء لكي يخلص ما قد هلك" (متى18: 11) (لو19: 10)... والعالم كله تحت حكم الهلاك. وهو جاء ليخلص من الخطايا: ويخلص شعبه من خطاياهم (متى1: 21). وكما قال بولس الرسول "إن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا" (1تى1: 15). وقال " بذل نفسه لأجلنا يفدينا من كل إثم" (تى2: 14). وقال أيضًا "المسيح افتدانا من لعنه الناموس" (غل2: 13).
جاء في البحث الذي انجزته الدكتورة سها رسام تحت عنوان "جذور السيحية في العراق" والمنشور في الكتاب الذي حرره الدكتور سعد سلوم تحت عنوان "المسيحيون في العراق" بشأن المسيحيين اليهود ما يلي: "كان المسيحيون الأوائل هم من اليهود الذين يتعبدون في الهيكل والمعابد، وكان الكتاب المقدس المكتوب بالعبرية هو كتابهم المقدس الذي يتعبدون به. وكانوا يختلفون عن زملائهم اليهود فقط بالإيمان "بيسوع من الناصرة" كالمسيح المنقذ. وعلى الرغم من الخلافات المستمرة بين عموم اليهود والمسيحيين اليهود، إلا أن الفريق الأخير ظل كطائفة يهودية ضمن اليهود الذين خسروا الحرب ضد الرومان في سنة سبعين للميلادوتشتتوا خارج القدس. ولغرض معالجة مستقبل اليهودية، قام الفريسيون بعقد اجتماع عام، وأصدروا فيه قراراً بطرد اليهود المسيحيين من معابدهم. وكان لطرد المسيحية من المعابد أفر في تنظيم أنفسهم لكي يصبحوا مجتمعاً منفصلاً."
من هنا نجد إن جمهرة من اليهود المؤمنة كانت تنتظر المخلَّص والمجدد، الذي هو من اليهود أنفسهم ومن أهلهم، كما عبَّر عن ذلك النبي موسى نفسه، إذ يشار إلى إن النبي موسى قد تنبأ بمجيء السيد المسيح، أي المخلَّص، بقوله:"يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من إخوتك مثلى. له تسمعون..."(تثنية 15:18). وتشير الكتب الصادرة بشأن بدايات دخول المسيحية إلى بلاد ما بين النهرين إلى اسطورة المنديل الذي يحمل صورة المسيح. وتتحدث الرواية على النحو التالي:
يرد في التقّليد الكنسيّ أن الأبجر، ملك الرها، وهي الواقعة بين دجلة والفرات، عانى البرص والتهاب المفاصل. فإذ سمع بالأشفية الكثيرة التي كان يحدثها الرّب يسوع، رغب في أن يأتي يسوع إليه لينال الشفاء منه. فأوفد مندوبين من قبله ليطلبوا من الرّب يسوع المجيء إليه، ولكن الذي حصل أنّهم أتوا بصورة ليسوع، بحيث أن أحد الموفدين، والذي كان يدعى حنانيا، حاول رسم وجه يسوع من بعيد أثناء إلقائه أحد عظاته فلم يستطع، إذ كان كلّ مرّةٍ ينظر فيها إلى وجه الرّب كان يرى نورًا لا يحتمل وصفه، وكان يسوع يشاهده وهو يحاول الرسم، عندها طلب منه الاقتراب وأخذ قطعة القماش التي كان حنانيا يحاول أن يرسم عليها ومسحها على وجهه وأعطاه إيّاها، فانطبعت صورة وجه يسوع عليها.
ولمّا عاد الوفد إلى دياره، وأخبروه ما حصل معهم، قام الملك بالسجود لها على الفور فشفي، ولكن بتدبير من الله طبعًا، بقي للملك أثار جرح في جبينه." قطعة القماش هذه، معروفة في الغرب باسم "المنديليون" ولكنّها في الحقيقة تسمّى Acheiropoietos أيّ "غير مصنوعة بيد أحد". ويشار في تلك المصادر إلى إن المار ماري، الذي نقل المنديل، هو واحد من الـ 70 أو 72 تلميذاً وتابعاً أو مرسلاً apostleالسيد المسيح الذين ارسلهم لنشر الدين وأكد بأن من لا يؤمن بهم لا يؤمن بالسيد المسيح. واعتقد اليهود أن عمر الدنيا أسبوع إلهي، تنقضي منه ستة أيام في العناء والشقاء، وبعد ذلك يأتي اليوم السابع، يوم السبت، للراحة والسكينة، وبما أن اليوم الإلهي يقاس حسب معتقدهم بألف سنة، فإن الحياة تدوم سبعة آلاف سنة قبل الفناء، وهم ينتظرون المسيح في نهاية الألف السادسة، والمسيح اليهودي من نسل النبي (( الملك )) داود حصراً. وجاء في لوقا - الإصحاح العاشر بهذا الصدد ما يلي:
1وَبَعْدَ ذلِكَ عَيَّنَ الرَّبُّ سَبْعِينَ آخَرِينَ أَيْضًا، وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِهِ إِلَى كُلِّ مَدِينَةٍ وَمَوْضِعٍ حَيْثُ كَانَ هُوَ مُزْمِعًا أَنْ يَأْتِيَ.
2 فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ.
3اِذْهَبُوا! هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ مِثْلَ حُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَابٍ.
4 لاَ تَحْمِلُوا كِيسًا وَلاَ مِزْوَدًا وَلاَ أَحْذِيَةً، وَلاَ تُسَلِّمُوا عَلَى أَحَدٍ فِي الطَّرِيقِ.
5وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلاً: سَلاَمٌ لِهذَا الْبَيْتِ.
6فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ ابْنُ السَّلاَمِ يَحُلُّ سَلاَمُكُمْ عَلَيْهِ، وَإِّلاَّ فَيَرْجعُ إِلَيْكُمْ.
7 وَأَقِيمُوا فِي ذلِكَ الْبَيْتِ آكِلِينَ وَشَارِبِينَ مِمَّا عِنْدَهُمْ، لأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِق÷ أُجْرَتَهُ. لاَ تَنْتَقِلُوا مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ.
8 وَأَيَّةَ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوهَا وَقَبِلُوكُمْ، فَكُلُوا مِمَّا يُقَدَّمُ لَكُمْ.


الجماعة الثانية: أتباع الديانة الزرادشتية (المجوسية)

الديانة الزرادشتية (المجوسية) واحدة من أقدم الديانات الشرق أوسطية التي تزامن وجودها مع ديانات أخرى في منطقة فارس وميزوبوتاميا والهند، كالديانة المانوية والميثرائية والمزدكية والإيزيدية والزرفانية. وسميت بالزرادشتية نسبة إلى النبي أو المصلح والفيلسوف الفارسي "سبيتاما زرادشت". وهي ديانة توحدية وتبشيرية تؤمن بإله واحد قائم على الثنيوية، أي إله الخير والنور والنماء والعطاء والمطر، أهوراميزدا، وإله الشر والظلام والمرض والموت والبؤس، أهريمان. وهذا الإله الثنيوي يعيش صراعاً بين الخير والشر، بين النور والظلام، ويعطي النصر في المحصلة النهائية للخير والنور ضد الشر والظلام. وللديانة الزرادشتية كتاب مقدس هو "الإفستا"، حيث تكرست فيه تعاليم المصلح والفيلسوف زرادشت.
اتسمت هذه الديانة بالدعوة للخير ضد الشر، وركزت على مبادئ ثلاثة أساسية هي: عفة التفكير، وعفة اللسان، والنزاهة في العمل. وهي تؤكد على استخدام العقل في التمييز بين الخير والشر، بين الصالح والطالح، وتدعو إلى علاقات التعاون والتسامح والرحمة وتشجع العلم، كما إنها تؤمن بالعناصر الأربعة (الماء والهواء والنار والتراب)، باعتبارها سر الوجود ومن أكثر الأشياء المخلوقة قدسية. ومن هنا برز اهتمامها بنور الشمس وبالنار، ولكن أتباعها ليسوا من عبدة النار. والديانة الزرادشتية تعتبر الشمس روح الله القدوس، وإن النار تجسد قوة الله. ومن هنا نشأت قدسية الشمس والنار لدى اتباع هذا الدين، وهم عبدة الله الواحد، وليسوا من عبدة الشمس أو النار. وحين يتوجهون بصلاتهم صوب الشمس، هي تعني التوجه لروح الله ونوره.
وبالضد من مبدأ التسامح الذي روجت له الديانة الزرادشتية، اتسم اتباع هذه الديانة بالتعصب الشديد لدينهم، باعتباره دين الحق المطلق، وبكراهية أباطرة المملكة وكهنتها بشكل خاص وأتباعها المتعصبين، للأديان الأخرى وأتباعها. كما إنه دين تبشيري يسعى إلى توسيع المؤمنين به عبر الوعظ والتبشير. ونتيجة التعصب والرغبة في كسب الآخرين إلى دينهم مارس الأباطرة الزرادشتيون سياسة غير عقلانية وغير حكيمة وعنيفة ضد أتباع الديانات الأخرى، التي تزامن وجودها مع وجود الزرادشتية، وعرضوهم إلى الكثير من الملاحقة والاضطهاد والقتل، بسبب رفضهم ترك دينهم، أو القبول بالديانة الزرادشتية. وعبر الجزرة والعصا أجبر الكثير من أتباع الديانات الأخرى إلى مغادرة المناطق التي كانت تؤمن بالزرادشتية، أو أجبروا على التحول إلى الدين الزرداشتي. ومن هنا ايضاً تعرض أتباع الديانة الإيزيدية الضاربة بالقدم في بلاد ما بين النهرين وفارس إلى الملاحقة من جانب أباطرة وحكام الإمبراطوريات الثلاث التي أمنت بالزرادشتية "كدين رسمي للدولة"، وهي الأخمينية والساسانية والميدية، لأن الديانة الإيزيدية لا تؤمن بالثنوية، بل ترى إن الاثنين في الواحد، أي يتجسد في الإله الواحد الخير والشر في آن، إضافة إلى عدد آخر من القضايا المتباينة. كما تعرض أتباع الديانة المسيحية فيما بعد إلى ظلم واضطهاد من جانب كهنة الديانة الزرادشتية وأتباعها، رغم أنهم رحبوا بها في البداية. ولعبت هنا عوامل أخرى في تلك المحاربة، والذي سنبحث فيه لاحقاً، أي بعد أن اعترف الإمبراطور الروماني بالدين المسيحي واعتبره الدين الرسمي، وبالتالي دخل في خلاف شديد مع الإمبراطورية الفارسة ودينها الرسمي الزرادشتي.
من بين القضايا المهمة، التي جعلت في البداية جمهرة من أتباع الديانة الزرادشتية يتحولون صوب الديانة المسيحية، هو أيمانهم بمجيء المخلَّص أو المنقذ. فالزرادشتية تؤمن، كما هو حال الكثير من الديانات الموحدة، "بأن زرادشت هو خاتم الانبياء وهو رسول آخر الزمان، لا تزال بذرته الخصبة حيّة في البحيرة المقدسة، وإذا ما حان الوقت ونزلت عذراء طاهرة الى البحيرة للاغتسال فتتعلق البذرة الخصبة بها وتحمل المخلص، الذي سوف يولد ميلادا إعجازيا، ويكون إنسانا حقيقيا كاملا، يأتي ليُخلص البشر من الشرّ والخطيئة".
بعض الديانات القديمة حددت الفترة التي يمكن أن يظهر فيها المخلَّص اليهودي لينقذ البشرية من خطاياها. " والفترة المحددة لظهور المسيح اليهودي، والذي سمي بيسوع "معناه بالعبرانية الله يخلص"، هي نهاية الألف السادسة وبداية الألف السابعة والأخيرة من عمر الكون، وهي نفس الفترة التي سيظهر فيها المنقذ الزرادشتي الثالث والحقيقي ساووشيان، في نهاية الألف الحادية عشرة وبداية الألف الثانية عشرة، وهي الفترة الأخيرة من عمر الحياة الدنيوية لدى الزرادشتية، للدخول إلى عالم الخلود اللا متناهي" . كما كانت هناك "نبوءة (ميتراس) الفارسية، التي تجد طريقها عبر التاريخ إلى الفكر السياسي- الديني وتتجلى بـ(ظهور نجم في السماء سوف يقود المجوس إلى مكان مولد المخلص). ومن هنا يشار إلى إن عدداً غير قليل من المجوس قد غادروا بلادهم صوب وطن المسيح ومكان ولادته ليتباركوا به. كتب الأب البير ابونا بهذا الصدد ما يلي: " وهناك من يقول إن المجوس، الذين انطلقوا من بلداننا هذه أو البلاد الفارسية إلى بيت لحم ليكرموا المسيح في ميلاده، أصبحوا رسلاً وبشّروا بهذا الحدث الفريد لدى عودتهم إلى أوطانهم، بعد أن تزودوا ببعض قطع من قمط يسوع الطفل لليُمن والتبرّك." ثم يواصل طرح هذه المسألة بنقل ما كتبه السيد سليمان البصري في كتابه الموسوم النحلة (دبوريثا) بقوله: "ويذكر سفر أعمال الرسل بين الحاضرين في أورشليم يوم العنصرة " الفرثيين والماديين والعيلاميين وسكان ما بين النهرين..".
وهنا نخلص إلى الاستنتاج الذي يؤكد أن المسيحية دخلت على بلاد ما بين النهرين وفارس في بداية بروز المسيح وعبر أتباع الدين الزرادشتي، وهي فترة مبكرة بطبيعة الحال.


الجماعة الثالثة: الأقوام القاطنة بسوريا وبلاد ما بين النهرين

كل الدلائل المتوفرة لدينا تشير إلى أن الآشوريين والكلدان من بقايا الدولة الآشورية والدولة الكلدانية أولاً، والنبط من سكان العراق، وكذلك سكان دولة المناذرة في الحيرة ثانياً، هم الذين تبنوا الدين المسيحي. ولا نمتلك معلومات عن موقف الكرد من الديانة المسيحية في تلك الفترة، حيث كانت الديانة الزرداشتية هي المنتشرة بين الكرد والفرس، وكذلك الديانة الإيزيدية، بين الكرد الإيزيديين. وإذا كانت الديانة الزرادشتية تبشيرية، فأن الديانة الإيزيدية كانت وما تزال مغلقة على جماعتها بالولادة فقط وليست تبشيرية. وسنحاول في هذه الفقرة البحث في المجموعتين.
أولاً: الديانة المسيحية في حدياب والرها ونصيبين (بلاد ما بين النهرين)

1. مملكة حدياب (والعاصمة أربل (أربا إئيلو)


حدياب مملكة آشورية رافدينية قديمة نشأت في فترة حكم الفرثيين للمنطقة (249ق.م – 226م) ، وهي الفترة التي تميزت بصراع شديد ومستمر بين الفرثيين والرومان، وهي الفترة التي يطلق عليها بالحضارة والفترة الهيلينية التي تمتد من القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الخامس الميلادي. وحدياب تشكل جزءاً من بلاد ما بين النهرين وجزءاً من حضارة هذه المنطقة والأقوام التي عاشت فيها. وهي مملكة أشورية وعاصمتها مدينة أربل (اربا أئيلو) التاريخية (أربيل أو هاولير حالياً)، التي يعود نشوئها إلى أكثر من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، وفيها تلك القلعة الحصينة والشهيرة، قلعة أربيل، التي ما تزال شامخة حتى الأن.
كانت مملكة حدياب (أدبابيتي-أدبابين- حدة)، واحدة من ثلاث ممالك نشأت في وادي الرافدين في القرنين الأخيرين قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي، وهما: "ميشان (الأحواز) التي نشأت جنوب شرقي العراق وامتدت الى الخليج العربي حتى مدينة العمارة الحالية، والتي أقيمت في المملكة السلوقية الاغريقية، ثم حطرا (الحضر) التي برزت في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد."
كانت مملكة حدياب تتسع مساحتها وتتقلص على حسب وضع الأشوريين في الحكم وقدرتهم في الدفاع عن المناطق التي كانت تحت سيطرتهم، فأحياناً كانت تصل إلى مناطق في سوريا، وأحياناً تتقلص وتقتصر على أربيل والمناطق المجاورة لها. وكانت حدياب، ومعها العاصمة أربيل، موطناً لعدد من الأقوام مثل الآشوريين والگوتيين والميديين والسريان والعبرانيين المسبيين عبر الحروب السابقة وغيرهم.
شهدت هذه المملكة والمنطقة عموماً الكثير من الإمبراطوريات التي حكمتها، وكان سكانها القدامى يومنون بالعديد من الديانات المنتشرة حينذاك، ومنها الوثنية والزرادشتية والإيزيدية واليهودية، وفيما بعد، وصلتها المسيحية عبر سوريا كجزء من المملكة البيزنطية، وبالتحديد من أنطاكيا. دخلت الديانة المسيحية إلى هذه المملكة في القرن الأول الميلادي، وسبقت بذلك بقية مناطقة بلاد ما بين النهرين، ومنها انتشر الدين المسيحي إلى مناطق أخرى باتجاه إيران أو جنوب بلاد ما بين النهرين. وأصبح الدين المسيحي في هذه الفترة وقبل مجيء المسلمين العرب، الدين الأول المنتشر في سائر أرجاء المنطقة. وكان الدين اليهودي هو دين العائلة المالكة ودين جزء مهم من سكان حدياب. ويمكن أن يكون هذا أحد الأسباب الذي سهّل انسياب الدين المسيحي إلى الناس، إذ كان اليهود ينتظرون المخلَّص، على وفق ما جاء في كتبهم الدينية، وعلى الأقل في الفترة الأولى وقبل بدء بروز التمايز النسبي بين الدينين.
تؤكد المصادر المتوفرة لدينا إلى أن الرسول توما هو الشخصية الأولى التي بشرت بالمسيحية في بلاد ما بين النهرين حين كان في طريقه إلى الهند، حيث وعظ وبشر هناك، وعاش فيها إلى أن توفي فيها. وهو واحد من الأثني عشر، وضمن السبعين رسولاً من رسل عيسى المسيح. أما الرسول مار أدي فهو واحد آخر من السبعين رسولاً، الذي استقر ببلاد ما بين النهرين وبشر بالمسيحية، وكان معه تلاميذ ورسل آخرون للمسيح، ومنهم أجاي وماري، وهما تلميذا الرسول توما أيضاً. وقد تكرست هذه الرؤية في القرن الرابع الميلادي في ضوء التقليد السرياني. ويبدو إن الرسول الأول الذي جاء وكرس المسيحية كدين جديد إلى هذه المنطقة وإلى ميشان وطيسفون هو أدي، حيث أمكنه إقامة أول كنيسة مسيحية في كوخي في مدينة جديدة هي (رومية أو ماحوزا) ، وهي على مقربة من عاصمة الفرثيين طيسفون (موقع طاق كسرى الحالي). كما أقيمت "مدينة أخرى وكنيسة على مقربة من اربيل (ماحوزا)، والثالثة وهي مدينة جنديشابور التي سماها السريان (بيت لافاط)، أي دار الإحزان، لأنهم اقتلعوا من أرضهم وجاءوا بهم الى منطقة ميشان (الاحواز)."

1. الرها (أورهاي) المدينة التاريخية

تشير الكثير من المصادر التاريخية التي بحثت في الفترات التي سبقت ميلاد المسيح وما بعدها إلى إن مدينة الرها قد وجدت قبل 2000 عاماً ق.م، أي مع بداية قيام الحكم الآشوري في مدينة آشور، حيث أعلن الملك "بوزور آشور الأول" في العام 2000 ق.م قيام المملكة الآشورية المستقلة. وقد اقترن نشوئها بضعف حكم أسرة أور الثالثة، وبدأ معه التوسع الآشوري. ويشار إلى إن اسم هذه المدينة في العهد الآشوري الأول أدما Adma، أو أدمومAdmum ، التي لم تكن بعيدة عن مدينة حران، ولم تكن حينذاك ذات أهمية كبيرة بالنسبة للآشوريين. كما أشير إلى إن هذه المدينة كانت موجودة في زمن النبي إبراهيم الخليل، وأن الذي بناها هو الملك نمرود . لقد حكمت هذه المدينة جميع الممالك التي تأسست بسوريا أو ببلاد ما بين النهرين، وهي جزء من منطقة شمال سوريا، وواقعة بين نهري دجلة والفرات، وهي أقرب إلى الفرات منها إلى دجلة. كما إنها كانت جزءاً من المملكة البيزنطية. أطلق على مدينة الرها أسماء كثيرة نتيجة وقوعها تحت سيطرة الكثير من الممالك. ففي عهد الملك الأغريقي سلوقس نيكاتور سميت إديسا Edessa، تيمناً بعاصمة مملكتهم المقدونية اليونانية. وقد حافظت على هذا الاسم بين 304 ق.م – 175 م. وفي هذا العام تولى الحكم "الملك السلوقي أنطيوخوس الرابع إبيفانيوس Antiochus IV Epphanes الذي أولى اهتمامه بالمدينة وأعاد تحصينها، ثم أطلق على مدينة الرها اسم جديد هو Αντιόχεια η επί Καλλιρρò أنطاكية كاليروهي: التي تعني أنطاكية الحسنة المياه."
وقبل سقوط الدولة السلوقية بفترة وجيزة، وفي العام 132 ق.م، أقامت أسرة الأباجرة السريانية المحلية مملكة أوسروينا، التي عرفت عالمياً باسم The kingdom of Osroene، التي استمرت طوال الفترة الواقعة بين 132 ق.م حتى العام 216 ميلادية، أي 348 سنة.
أصبحت هذه المدينة في فترة حكم الأباجرة مركزاً للغة السريانية الآرامية والفلسفة ومهد الأدب السرياني، وولد فيها الشاعر برديصان، الذي يعتز بها السريان كثيراً حتى الآن. وفي فترة حكم الملك أبجر الخامس أوكاما بن معنو . وفي عهد هذا الملك حصل الاتصال بينه وبين السيد المسيح ونقلت عن هذه الفترة الأسطورة المعروفة التي ورد الحديث عنها سابقاً، والتي حملت صورة المسيح على المنديل ليشفي الملك من مرض كان يعاني منه. وفي عهد الملك أبجر التاسع، أي في الفترة بين 179-2014م، جرى تبني الدين المسيحي. ومنها أصبحت مدينة الرها مركزاً دينياً تبشيراً وثقافيا هاماً للمسيحية السريانية.
وجدت في هذه الفترة إلى جانب مدينة الرها، التي عكست في ظل الدولة البيزنطية قبل الميلاد وما بعده، التقاليد السورية الشرقية، مدينة انطاكية أيضاً، التي جسدت التقاليد السورية الغربية. وكلا المدينتين أصبحتا فيما بعد مركزاً ثقافيا ودينياً للمسيحية بتقاليدها الشرقية والغربية. ويشار إلى إن الدين المسيحي قد وصل إلى انطاكية أولاً وعبر أحد المبشرين المباشرين الاثني عشر، وكذلك واحد أو أكثر من تلامذة أو المرسلين المبشرين من قبل عيسى المسيح إلى هذه المنطقة، ومنها انطلقوا صوب الغرب، وخاصة إلى روما ليمارسوا الوعظ والتبشير بالدين المسيحي. وكل الكتب التاريخية متباينة في تقديرها للفترة التي دخلت المسيحية إلى الرها والتي اقترن بعضها بأسطورة المنديل الذي حمل صورة المسيح.
ويشير الأب ألبير أبونا في كتابه الموسوم "تاريخ الكنيسة السريانيّة الشرقيّة من انتشار المسيحية حتى مجيء الإسلام" في الجزء الأول منه حول وصول المسيحية إلى الرها إلى إنه موضع بحث ونقاش، وأن ليس هناك ما يؤكد ولوجها في القرن الأول الميلادي مع الرسل الذين انطلقوا من بيت لحم للوعظ والتبشير. ويعتمد في تقديره لفترة دخول المسيحية إلى الرها على التقاليد المتبعة في الكنيسة السريانية وبحدود القرن الرابع الميلادي، حيث أصبحت بعدها أحد أبرز مراكز الدين والثقافة السريانية الشرقية. والدراسات التقليدية للكنيسة السريانية الشرقية تؤكد بأن ثم رسل قاموا بالوعظ والتبشير في الرها وبلاد ما بين النهرين، ويشيرون هنا إلى أدي وأحي وأجاي وماري.
ويشير الباحث أفرام عيسى يوسف إلى أسلوب أخر في وصول أفكار الدين المسيحي إلى هذه المنطقة وانتقالها منها إلى مناطق من بلاد ما بين النهرين فكتب في كتابه الموسوم "المسيحيون في بلاد الرافدين تاريخ مجيد ومستقبل مجهول" إلى ما يلي: تشير "تقاليد الكنيسة الشرقية ... بأن الدين الجديد قد انتشر عن طريق التجار القادمين من القدس الذين اتجهوا نحو الرها عاصمة مملكة أسروينا، التي كانت تشكل منطقة محاذية لأرمينيا. فكان هؤلاء التجار ينقلون بقوافلهم البضائع والتوابل والأنسجة والعطور وأعمال الفخار وينشرون أثناء تجوالهم وترحالهم الأفكار الجديدة بين السكان."



مدينة نصيبين


تشير المصادر التاريخية إلى أن هذه المدينة كانت واحدة من مدن بلاد ما بين النهرين العامرة ببساتينها وجنانها، وهي تقع في منطقة الجزيرة "على جادة القوافل من الموصل إلى الشام، وفيها وفي قراها على ما يذكر أهلها أربعون ألف بستان". وكان السريان المسيحيون يسمون المنطقة الممتدة بينها وبين نهر دجلة بيت عربايا." ، وتقع على نهر جغجغ، أو چقچق، أحد روافد نهر الخابور الذي يصب في نهر الفرات.
شهدت هذه المدينة الكثير من الإمبراطوريات القديمة وعرفت حضاراتها وجرى التلاقح الثقافي فيها. فقد كانت مدينة أشورية، ثم بابلية، ومن ثم وفارسية، ثم احتلها الإسكندر المقدوني، وكذلك من السلوقيين, ثم الفرثيين، حيث بدأ فيها العهد المسيحي. ومن ثم جاء إليها الرومان واحتلوها وحكموا المدينة من عام 195م إلى حين دخول الإمبراطور الروماني سبتموس سفيروس، الذي أطلق عليها اسم عاصمة ولاية ميزوبوتاميا، واستمر الحكم الروماني فيها حتى العام 363م. وخلال هذه الفترة تعرضت مدينة نصيبين للصراعات والمعارك العسكرية بين الرومان والساسانيين التي انتهت في العام 363م لتقع غنيمة بأيدي الساسانيين الفرس.
أطلق على هذه المدينة السريانية الجميلة قلعة الشرق أيضاً، ولكن تعرض أهلها السريان إلى الاضطهاد والتهجير باتجاهات عدة، ووجد الكثير منهم نفسه مجبراً على الهجرة القسرية إلى مدينتي آمد والرها بحدود العام 200م. ويشير الكاتب المصري د. سليم نجيب، رئيس الهيئة القبطية الكندية، إلى ما جرى على السكان من جانب الكنيسة البيزنطية في نصيبين، بما يلي: بعد انقضاء مجمع خلقيدونية آثار الأباطرة البيزنطيين اضطهادات عنيفة ضد كل من رفض صورة إيمان ذلك المجمع وكأنه يرفض الخضوع للإمبراطور نفسه إذا ما رفضها وتلك الصورة تقول أن للمسيح طبيعتان إلهية وإنسانية، بلا اختلاط ولا تغيير، وبلا انقسام ولا انفصال. وصورة الإيمان هذه تشبه في جوهرها إيمان رافضي مجمع خلقيدونية من السريان الأرثوذكس وغيرهم ولكن مسألة الخلاف بالدرجة الأولى كانت مسألة صيغة، إذ إنّ اللاخلقيدونييّن يكتفون بعبارة "طبيعة" واحدة كما استعملها كيرلس الأول (القرن الخامس)، ويرفضون الصيغة الخلقيدونيّة (طبيعتان). ولكن كانت كل تلك التهم والاختلافات اللاهوتية غطاء لفرض سيطرة المحتل البيزنطي، والذي أذاق أبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية صنوف التعذيب الذي طال حتى كبار رجال الدين عندهم فقتل البعض ونفي البعض الآخر وتشرد الكثيرين منهم في كل مكان ولم يبق لتلك الكنيسة عام 544 م سوى ثلاثة مطارنة (أساقفة). أما الأب ألبير أبونا فيشير إلى هذا الاضطهاد، وتحت عنوان "برصوما المضطهد"، بما يلي: "إلا إن برصوما أصبح عرضة للطعن وبولغ في قساوته حتى قيل إنه قتل أكثر من سبعة ألاف منوفيزي"، ولكنه يضيف نقلاً عن ماري قوله: "طلب فيروز الملك اليعاقبة وقتلهم وقتل منهم بتكريت خلق وتمجّس الباقون... وقتل من اليعاقبة في شرقي الموصل خلق".
منذ القرن الرابع الميلادي تطورت مدينة نصيبين، والتي كانت تدعى "نصيبينا" أيضاً، لتصبح مدينة تجارية تدير المبادلات التجارية بين بيزنطة وفارس من جهة، وولكنها أصبحت مدينة علوم اللاهوت والفلك والفلسفة والرياضيات والترجمة من جهة ثانية، إذ كان التدريس في مدرستها الشهيرة، مدرسة أو جامعة نصيبين باللغتين السريانية واليونانية. وسميت مدرسة السريان بـ "أم العلوم"، وكان يؤمها الطلبة من مختلف المناطق المجاورة، كما أصبحت مدينة الأدب والشعر أيضاً. فقد عرفت المدينة الكثير الأدباء والشعراء، منهم مثلاً وفي مقدمتهم الأديب والناثر والشاعر أفريم السرياني بحدود العام 306م.
كان المذهب النسطوري هو السائد فيها بإدارة وإشراف الأسقف برصوم، المعروف بالفارسي، الذي كان قد عين أسقفاً على بلاد ما بين النهرين. ويقال أنه كان قاسياً لمن كان يعارضه في مذهبه، وأنه المسؤول عن موت ما يتراوح بين 7-8 ألاف راهب وكاهن، على وفق ما جاء في كتاب مار ميخائيل الكبير. ويبدو أنه قد واجه معارضة من الأسقف فيلكسينوس الذي عارض النسطورية وقاد ذلك إلى انقسام المسيحيين إلى النسطوريين والمنفوزيين أو اليعقوبيين. وقد أطلق على ميخائيل بالفوضوي أو المشاغب.
تشير المصادر إلى إن هذه المدينة كان اسمها القديم أكاد التاريخية، كما ورد في سفر التكوين، والتي يشار إلى إن الملك نمرود هو الذي بناها وبنى الرها أيضاً. لقد أصبحت نصيبين، ومعها الرها ومدن أخرى مهداً للسريان والمسيحية، ومنها وصلت المسيحية إلى وادي الرافدين وانتشارها الواسع في أغلب المدن الرافدينية القديمة والتي سنأتي عليها لاحقاً، إضافة إلى بلاد فارس.


4. مملكة الحيرة

تشير بعض المراجع والمصادر التاريخية التي بحثت في تاريخ مملكة الحيرة، إلى إن هذه المدينة أقيمت في موقع قريب من النجف الحالية أثناء حكم الملك الكلداني نبوخذ نصر الثاني التي امتد وجودها بين 562 ق.م – 604م، أي في العصر البابلي الحديث، بعد أن اكتشفوا مخلفات مادية يعود تاريخها إلى العصر البابلي. كما إن التنقيبات الحديثة في هذه المنطقة من العراق قد كشفت بأن هذه المدينة قد أصبحت عاصمة لمملكة اللخميين (أل لخم)، وهم تنوخيون أيضاً قدموا إليها من اليمن، وقيل أنهم جاءوا إلى الحيرة من البحرين، وهم من سلالة عربية. ويطلق على أل لخم أسماء أخرى مثل أل نصر، وآل النعامنة, والمناذرة وآل محرق. ويشير البعض إلى أن تنوخ تعني تحالف قبائل عدة، في حين يرفض الدكتور جواد علي هذا التفسير ويعتبر تنوخ اسم علم، وهو اسم لقبيلة بعينها. وجاء في كتاب "العراق في التاريخ" بصدد هذا الموضوع ما يلي: "ولقد أجمع المؤرخون، اعتماداً على المصادر العربية، أن سكان الحيرة كانوا يشكلون تآلفاً من ثلاث مجاميع بشرية، هم: 1- تنوخ: النازحون من الجزيرة. 2- العباد: من السكان الأصليين (أي من قبائل كلدة التي كانت تسكن في نفس المنطقة). 3- الأحلاف: عرب مهاجرون نزلوا في المنطقة، وحالفوا تنوخ والعباد".
ومع أن اللخميين قد عاشوا في الحيرة قبل تأسيس مملكتهم بعقود كثيرة وكانوا تحت حكم البارثيين، إلا إنهم استغلوا الصراع والنزاع بين المملكة البارثية والساسانيين، حيث سقطت الإمبراطورية البارثية في العام 226م، وفي العام ذاته أقيمت الإمبراطورية الساسانية، وهما إمبراطوريتان فارسيتان أقيمتا في فارس وبلاد ما بين النهرين، وكانت عاصمتهما طيسفون (المدائن). وأصبح اللخميون تحت حكم الساسانيين حتى بعد تأسيس مملكتهم في العام 266م أو 268م، واستمر وجودها حتى العام 633م. وتشير بعض المصادر إلى أن الديانة المسيحية قد وصلت إلى مملكة الحيرة في القرن الثالث الميلادي، وبعضها الاخر يشير إلى القرن الرابع الميلادي. كان اللخميون القادمين من اليمن مباشرة، أو من البحرين، حيث نزحوا إليها قبل ذاك، يؤمنون كغيرهم من العرب بالآلهة المعروفة، وهم اللات والعزى وهبل، كما إن اليهودية كانت قد وصلت إليهم وإلى الأنبار وبقية مدن بلاد ما بين النهرين ووجد من آمن بها في مختلف مناطق العراق من غير اليهود الذين أسروا وجيء بهم إلى هذه البلاد.
تؤكد الدراسات التاريخية إلى إن المسيحية أصبحت الديانة الرسمية لملوك هذه المملكة وغالبية سكانها، والسؤال المهم هو: كيف وصلت المسيحية إلى العرب في شبه الجزيرة وإلى الحيرة، وهي جزء من بلاد ما بين النهرين؟ تشير بعض المصادر إلى طرق عدة استخدمت لنشر الدين المسيحي في شبه الجزيرة والحيرة. وأليكم بعضها:
أ‌. جاء في موضع شبكة المعارف الإسلامية واعتماداً على كتاب الطباطبائي، محمد حسين، "الميزان في تفسير القرآن"، ما يلي: "انتشرت المسيحية في بعض أجزاء جزيرة العرب، ففي الجنوب عن طريق الحبشة، وفي الشمال عن طريق سورية، وشبه جزيرة سيناء، إلا أنها لم تجتذب إليها أنصاراً كُثُر، وكان من هؤلاء النصارى: قيس بن ساعدة، وحنظلة الطائي، وأُمية بن أبي الصلت. وتغلغلت المسيحية في اليمن منذ القرن الرابع الميلادي. وعند ظهور الإسلام كانت بعض أحياء العرب في اليمن على دين النصرانية. وأهم مواطن النصرانية في جزيرة العرب كان نجران، وهي مدينة خصبة عامرة بالسكان والتجارة. وكذلك انتشرت المسيحية في الحِيرة قرب الكوفة، بواسطة أسرى الحرب الرومانيين. وأهم دليل يشهد على وجود هذا الدين في زمن نزول القرآن في جزيرة العرب، هو مباهلة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قساوسة وفد نجران.“ لقد أصبحت مملكة الحيرة العربية أحد مهود الديانة المسيحية في بلاد ما بين النهرين، بسبب تبني أغلب ملوكها وسكانها المسيحية ديناً لهم. واتخذ بعض ملوك الحيرة مدينة الأنبار عاصمة لهم. ويتبين واقع انتشار المسيحية في مملكة الحيرة من الوقائع التالية:

1. كثرة الكنائس والأديرة التي تم اكتشاف أثارها في الحيرة والنجف والتي بلغ عددها 33 معلماً. ففي دراسة قيمة للأستاذ وردا إسحاق تحت عنوان " مدينة الحيرة المسيحية .. قصورها .. كنائسها .. أديرتها ، والاحتلال الإسلامي" جاء فيه بصدد عدد الكنائس والأديرة ما يلي:
** كنيسة البيعة الكبرى في بني الخيان، وهي الأولى، لأنها بيعة الكرسي وتسمى "بيعة الملائكة ". hG,gn لماذا سميت بهذا الاسم ؟ لأنه كان يرى مع الفعلة رجلان يبنيان ويطينان، عليهما لباس مثل الثلج، فإذا جلس العمال للغذاء أو العشاء أو عند أستلام العمال الأجور كانا يغيبان فجأةً. وكانا يعملان في بناء الآجر والجص حتى تم بناء البيعة .
** كنيسة مار توما رسول المشرق
** كنيسة مريم العذراء .
** كان هناك كنائس أخرى منتشرة في أرجاء المدينة عدا كنائس أخرى مشيدة في داخل الأديرة.
** أما أديرة الحيرة فكانت أوفر حظاً من كنائسها، فقد وصلتنا أسماؤها وأوصافها لأن أحد أباءنا المؤرخين المدعو) أيشو عدناح ) الذي كان مطراناً على مدينة البصرة في القرن التاسع ، وضع كتاباً مختصراً في الأديرة فسجل عن أديرة الحيرة الأسماء التالية :
أولاً – دير مار يوحنا الحيري
ثانياً – دير مار باباي الكاتب
ثالثاً – دير مار عبدا أبن الحنيف
رابعاً – دير مار خودهوي
خامساً – دير مار أبراهام
سادساً – دير مار أيليا الحيري )أنتقل بعد ذلك الى مدينة الموصل وأسس هناك ديراً آخر قريب من معسكر الغزلاني وما يزال باقياً) .
سابعاً – دير القديسة دودي التي أسست هذا الدير للعذارى
ثامناً - دير الطوباوية أذرمنج ، والتي اقتفت أثار القديسة دودي
تاسعاً – دير أبن البراق
عاشراً – دير الأعور
حادي عشر- دير الأسكون أو الأسكول
ثاني عشر – دير بني مرينا
ثالث عشر – دير الجرعة
رابع عشر – دير الجماجم. سمي بهذا الاسم بسبب القتال الذي حصل في ذلك الموقع فتراكمت أشلاء القتلى وتبعثرت جماجمهم فأشتهر الموضع بهذا الاسم.
خامس عشر- دير قرة
سادس عشر – دير اللج الذي بناه النعمان بن المنذر أبو قابوس وكان الملك يسير في كل عيد ومعه أهل بيته بموكب وبأيديهم أعلام فوقها صلبان ويذهبون لقضاء صلواتهم في هذا الدير ثم ينصرفون الى مستشرفة في النجف للتنزه
سابع عشر – دير هند الصغرى بنت النعمان بن المنذر. شيّدت هذا الدير وانزوت فيه ولها قصة طويلة ذكرها المؤرخون في سياق كلامهم عن زيارة خالد بن وليد لهذا الدير ولقائه بهند. كما قصد هذا الدير هارون الرشيد ورأى فيه قبر هند وقبر أبيها فترحم عليهما
ثا هند الكبرى وهي بنت الحارث بن عمرو بن حجر، وهي عمة الشاعر الكبير أمرؤ القيس. زار هذا الدير هارون الرشيد بعد زيارته لدير هند الصغرى والدير يقع على أطراف النجف .
أديرة أخرى ذكرت من قبل المؤرخون العرب وخاصةً ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان) فذكر هذا العملاق عدد كبير من الأديرة ويوجد في خزانة البطريركية الكلدانية نسخة منه."

2. اكتشاف الكثير من الصلبان التي هي رمز الدين المسيحي، رغم إن التنقيبات ما تزال في بدايتها. وقد عثر حتى الآن على 12 صليباً، عدا تلك التي وجت في الكنائس والأديرة. جاء في مقال للباحث نصير الكعبي نشر في مجلة الكوفة بصدد الصلبان ما يلي: ".. أحصي أكثر من (12) صليباً جصياً ومعدنياً بصيغة صريحة، والكثير من اللقى التي ضربت عليها الصلبان أو إشارات دينية مسيحية مثل المسارح وغيرها." وفي أدناه صورة لصليب على بوابة كنيسة في مدينة الحيرة، إضافة إلى كنيسة هند وكنائس وأديرة كثيرة أخرى.


3. كثرة مقابر المسيحيين التي اكتشفت في هذه المنطقة بما في ذلك في بحر النجف. ويمكن أن نتبين من كثرة السكان المسيحيين في مملكة الحيرة، في كثرة الجثاليق والآباء الذين دفنوا بالحيرة. فقد دفن في الحيرة عدد من الجثالقة هم داد يشوع (456م)، بابوي (484م)، آقاق (496م)، حزقيال (581م)، ايشوعياب (595م)، جرجس (681م)، وإبراهيم الثاني المرجي (850م)، ديارات الأساقف: وتقع هذه الديارات في منطقة النجف، بظهر الكوفة وهو أول الحير وهي عبارة عن قباب وقصور.
ب‌. وتشير مصادر أخرى إلى أن المسيحية قد وصلت إلى العراق عبر الأسرى المسيحيين الذين نقلوا إلى الحيرة في العام 260م خلال الصراع بين الغساسنة والمناذرة. كما إن البعض الآخر يشير إلى إنها وصول الدين المسيحي إلى الحيرة كان في نهاية القرن الثالث الميلادي وبداية القرن الرابع. ولكن الأب سهيل قاشا يشير في كتابه المعروف "تاريخ نصارى العراق" أن طيمون، أحد الشمامسة السبعة، قد بشر بالدين الجديد في البصرة وكان أسقفاً لها. وأن ملوك المناذرة ساهموا في نشر المسيحية وحماية المسيحيين في العراق وفارس، وخصوصاً المنذر الأول 418-462م.


الخلاصة
إن الاستعراض المكثف والسريع لهذه المدن القديمة ببلاد ما بين النهرين كان الهدف منه التحري عن الفترات الزمنية التي وصل خلالها الدين المسيحي إليها والشخصيات أو الجهات الدينية أو الأسرى الذين أمنوا بالدين المسيحي ونشروا الدين في هذه الديار. وتبين بوضوح إن الدن المسيحي لم ينقل دفعة واحدة إلى كل أنحاء بلاد ما بين النهرين، بل تم بفترات متباينة وبوسائل تبشيرية عديدة. وإذا كان النقل الأول قد تم في القرن الأول الميلادي، فأن القرون اللاحقة، وإلى حين مجيء المسلمين لهذه البلاد، وفي الثلث الأخير من القرن السابع الميلادي، شهدت وجوداً وقبولاً واتساعاً للدين المسيحي في أغلب مدن وارياف بلاد ما بين النهرين. وأن الكثير من هذه المدن في الشمال أو الجنوب أو الوسط قد أقيمت فيها الكنائس والأديرة المسيحية، والكثير منها قد اندثر أو ما يزال قائماً دون التنقيب عنه أو العناية بما قد اكتشف حتى الآن. في حين إن هذه الكنائس والأديرة تشكل تراثاً عراقياً مهماً يشترك فيه مسيحيو العراق من كلدان وأشوريين وسريان وعرب في آن.
لقد استغرق دخول وانتشار الدين المسيحي قروناً عدة، ونقل منها إلى بلاد فارس والهند ومناطق أخرى من غرب آسيا. ولاقى الوعاظ والمبشرون الأوائل مصاعب كبيرة والكثير من الاضطهاد والعسف والآلام، مما أدى إلى استشهاد الكثير منهم أو سجن وتعرض لأبشع صنوف التعذيب من أجل الوعظ والتبشير بالدين المسيحي الذي آمنوا به. لأن هؤلاء المبشرين ومن تبنى الدين المسيحي واجهوا أحياناً ترحيباً من ملوك حكام تلك الإمبراطوريات، وأحياناً أكثر واجهوا المحاربة والملاحقة والاضطهاد والقتل، وهو ما سنبحث به في مكان آخر من هذا الكتاب. كما أن الصراع بين الكنيسة الشرقية والكنيسة البيزنطية الغربية كانت وراء الكثير من الشهداء والمضطهدين من أتباع الكنيستين.


الفصل الأول
أوضاع المسيحيين بالإمبراطوريات الإسلامية