تركيا والمشكلة الكردية والطريق نحو الاتحاد الأوربي

حسن الزهراوي
2016 / 7 / 17

تركيا والمشكلة الكردية والطريق نحو الاتحاد الأوربي
حسن الزهراوي
لا أحد يشك في أن تركيا قد أسّست لتركيا الحديثة اليوم، وطورت بنياتها الداخلية وهياكلها المؤسّسية العصرية، وأصبحت رقما جيوسياسيا يُهاب له جانب في المحيط الإقليمي والدولي، وكيانا سياسيا واقتصاديا وعسكريا يضرب لها خُصومها ألف حساب، وأصبحت تجالس وتفاوض الكبار، وتكاد تركيا اليوم تشكل استثناءً في المنطقة الشرق ـ أوسطية وفي العالم الإسلامي برمته بفعل قوة شعبها العامل ونخبها وتشكيلاتها السياسية وقواها الحيّة المدنية ونهضتها الثقافية، سيما بعد إزاحة الطبقة السياسية التقليدية في الانتخابات التشريعية في 2002 ، لتبدأ وثيرة الإصلاحات الداخلية وعلى أكثر من صعيد، الإصلاحات والأوراش التنموية التي وصفها بعض المتتبعين للشأن التركي "بالثورة الصامتة " التي عزّزت الحضور الديبلوماسي المحوري لتركيا في العديد من القضايا الإقليمية والجيوسياسية بالمنطقة ومحاولة الانقلاب الفاشل على الرئيس المنتخب التي وقعت يوم أمس من طرف قِطاع في صفوف الجيش وكان من المحتمل أن يقود تركيا الى "دراما مجهولة" لا يمكن لأي دمقراطي في العالم يحترم أسس ومبادئ الدمقراطية إلا أن يُدينه، فما أتى بصناديق الاقتراع لا يمكن أن يزاح ويعاقب إلا بصناديق الاقتراع وفق ما تقتضيه الآلية الديموقراطية، لكن ستظل تركيا بالرّغم من كل هذا وذاك بعيدة عن بناء وتأسيس مسار ديمقراطي شمولي حقيقي ما دامت مشكلة وقضية الأكراد لم تجد طريقها نحو التسوية والحل. فدولة لا يزال فيها عشرات من الملايين من الكرد مشرّدين وغير معترف بهم وبخصوصياتهم الهوياتية والثقافية لا يمكن أن تصنف من مصاف الدول الديموقراطية رغم النهضة والتقدم الذي مس أكثر من مجال وما حققته من تحديث في العقود الأخيرة.
تعتبر القضية الكوردية من المشاكل التي ورثتها تركيا مباشرة بعد تفكّك وانهيار الإمبراطورية العثمانية التي كانت تضم تحت امرتها وحكمها المركزي مجموعة من الإثنيات والقوميات المتعددة نتيجة السياسة التوسعية للإمبراطورية العثمانية، وظلّت المشكلة الكوردية إحدى مصادر القلق الاجتماعي في تركيا الحديثة، إن المدخل الحقيقي للتأسيس لدولة ديمقراطية داخلية حقيقية هي الاعتراف بالهويات اللغوية والكيانات الثقافية والاثنية المختلفة، وإقرار حقوقها كاملة غير منقوصة، وتمكين الأقليات الدينية من ممارسة شعائرها وطقوسها الدينية وتتكلف الدولة بحمايتها حتى وإن كانت دولة علمانية فالأخيرة ينبغي أن تحمي الموحد كما تحمي الملحد، والاقرار بحقوقها بدل تهميشها واقبار ثقافتها وتذويبها والهيمنة الاستراتيجية عليها ونشر وتسييد ثقافة أخرى على حسابها كما هو منصوص عليه في الميثاق العالمي لحقوق الانسان، والمرجعيات الحقوقية الدولية ولاسيما ما يتعلق ببنود الحقوق الثقافية واللغوية للأقليات الاثنية كما هو الشأن مثلا في الفصل 27 التي تنص بشكل صريح على أنه "لا يجوز انكار حق الأشخاص الذين ينتمون إلى أقليات اثنية أو دينية أو لغوية قائمة في دولة ما في الاشتراك مع الأعضاء الآخرين من جماعتهم في التمنع بثقافتهم أو الإعلان عن ديانتهم واتباع تعاليمها أو استعمال لغتهم" وغيرهما من المواد الأخرى التي تنص على حقّ الافراد في هوياتهم الثقافية واللغوية.
إن القضية الكردية لا زالت عالقة في تركيا، وملايين من الكرد الذين تبلغ نسبتهم ما يزيد من 20 في المئة من مجوع السكان أي ما يقدر تقريبا ب 12 مليون نسمة لم يعترف لهم سياسيا في حقهم في حقوقهم اللغوية والثقافية والهوياتية، فاللغة الكردية التي تعبر لسْنِيّا من أعرق اللغات واقدمها في العالم لم يعترف بها الدستور التوركي . إن تركيا تأسّست منذ بداياتها الأولى على شعار قومي شوفيني ضيق رفعه مصطفى كمال أتاتورك بعد ضرب دولة الخلافة سنة 1924 حين قال: "أيها المواطن تكلم التركية وهنيئا لمن يقول أنا تركي " الشيء الذي نتج عنه سياسة انكار واسعة للنصر العربي وللهوية الكردية بما تعنيه لغةً وثقافةً وتاريخاً وحقوقاً ، لكن الشعب الكردي لم يذب في سياسة التتريك القومية التي نهجتها الدولة كخيار اديولوجي معلن عنه في السياسات العمومية الرسمية وهو السبب الذي يفسّر الانتفاضات المتتالية للأكراد ومن أهم تلك الانتفاضات الكردية التي كان البعض منها ذات طابع اسلامي نذكر تمثيلا لا حصرا؛ ، كانتفاضة الشيخ النورسي الذي سيعدم هو ورفاقه، وانتفاضة "آرارات" وانتفاضة "ديرسيم" كلها كانت ضدا على سياسة الدولة وسحقت هذه الانتفاضات جميعا ودمرت العديد من القرى الكردية بعدما استعان اتاتورك أنذاك بالاتحاد السوفياتي وبريطانيا وايران لقمع الانتفاضات الكردية في اطار ما سمي آنذاك ب"حرب الاستقلال الداخلية" نفس السياسة تقريبا استمرت بعد وفاة كمال اتاتورك في التضييق على الهوية الكردية، وصولا إلى السبعينيات حيث عرفت القضية الكردية انفراجا نسبيا سيما بعد تأسيس حزب العمال الكوردستاني سنة 1978 الذي يعتبر محطة سياسية بارزة في الحركة الكوردية المقموعة. ومعروف أن الاخير تبنى من الناحية المرجعية توجّها اشتراكيا ماركسيا وقام على الخيار المسلح يرجع له الفضل في تعميق الوعي واكتشاف الاكراد لهويتهم ليتحول في ما بعد الى تمرد وصراع مسلح ضد الدولة التركية الأمر الذي كلفها الشيء الكثير من الناحية العسكرية، مما جعل تركيا تعتبر الحزب منظمة ارهابية حركت جيشها لقمعه وتطويقه. فالبحث في جذور المشكلة الكردية في مستواها التاريخي يتبين أن تركيا بسياستها التتريكية لم تتبن إلا المقاربة العسكرية العنيفة وسياسة التذويب والمسخ الهوياتي بعد افراغ العديد من القرى الكردية واحلال إثنيات أخرى ومزجها في القرى الكردية وقمع الانتفاضات. وقد كان بعض السياسيين الترك يعون تمام الوعي أن الطريق إلى الاتحاد الأوربي يمرّ عبر تسوية المشكلة الكردية أمثال رئيس الوزراء الأسبق "سعود بلماز" الذي قال بالحرف " إن الطريق إلى الاتحاد الأوربي يمرّ بديار بكر". وتشير بعض التقارير إلى أن الدولة التركية خصّصت 15 مليار سنويا وهو رقم ضخم جدا على مدى عشر سنوات الأخيرة لمحاصرة التمردات الكردية ومواجهة الحزب الكردستاني أي أن قضية الاكراد لا تزال تشكّل مصدر قلق حقيقي للبنى السياسية ولاستقرار الدولة داخليا. بعد وصول العدالة والتنمية إلى الحكم في بداية الألفية الثالثة لم يتغير الخيار العسكري تجاه المسألة الكردية، وأغلب من في الجهاز العسكري التركي لا زال متأثرا إلى حدّ كبير بالأفكار الكَمالية التتريكية القائمة على تضخم الأنا العرقية والاستعلاء الثقافي، وهو السبب الذي يفسر أيضا بروز القومية العربية التي روج لها أناس هم مسيحيون عرب بعدما هُضمت حقوقهم إبان الحكم العثماني كما هو معلوم تاريخيا القومية العربية التي ستصير فيما بعد فلسفة وتيارا وخيارا ومرجعا اديولوجيا لمجموعة من الأحزاب البعثية التي نشأت هي الأخرى كرد فعل طبيعية على سياسة التتريك وتهميش العنصر العربي ثقافةً ولغةً وابعادًا عن دائرة القرار. إن رجب طيب أردوغان رغم تصريحه في احدى خطاباته حينما أكد أن القضية الكردية تحتاج إلى تسوية ديمقراطية، واعتبر القضية الكردية هي قضيته، وعدّت هذه التصريحات من أولى الاعترافات الرمزية الرسمية تجاه الكورد استبشر الكثير خيرا بعدها، فبالرغم من كل هذه المحاولات التي عُرفت "بالانفتاح الديموقراطي" على القضية الكردية وبالرغم من كل المفاوضات التي باشرتها الدولة لحل القضية الكردية تظل هناك العديد من الأحزاب التقليدية ذات النزوع القومي ترفض كل هذه المباردات، وتعتبر طيب رجب أردغان يغامر بالأمن التركي الداخلي كالحزب الجمهوري وحزب الحركة القومية بالإضافة الى شخصيات عسكرية في دواليب الدولة تمانع في الاعتراف بحقوق الكورد الثقافية واللغوية وحقهم في تقرير المصير. إن الاديولوجية التتريكية والأفكار الكمالية المتعصبة للعرق التركي خلقت ذهنية مجتمعية وعقلية سياسية لا تعترف بالمكون الهوياتي الكوردي كمكون هوياتي أصلي عريق كان من المفروض أن يشكل مصدر اغناء واثراء للفسيفساء الهوياتي التركي بدل محاولة اقباره ومسخه وتكليفه لخزينة الدولة الملايير من الدولارات سنويا لمجابهته وحصاره وكبته. ان القضية الكوردية ستظل عائقا وحجرعثرة أمام تركيا الحديثة في طريقها نحو الالتحاق بمصاف الدول وانضمامها لسوق الاتحاد الأوربي الذي ما فتئ الأخير يضغط عليها من خلال هذه الورقة الحقوقية ويطالبها بإعادة ترتيب نسقها السياسي والحقوقي الداخليين قبل تأشيرة الانضمام.